ICSS Logo

دراسات

الغاز في موريتانيا والسنغال .. تحديات الاستكشاف والانتاج

في الثامن  مارس 2023  قال رئيس أسواق الطاقة في وكالة الطاقة الدولية، كيسوكي ساداموري، بأن "روسيا خسرت سوق الغاز الأوروبي إلى الأبد، وهو ما سيؤثر على مكانتها كمصدر كبير للغاز، مشيراً إلى أن الأسواق الآسيوية البديلة التي توجهت لها روسيا ليست كبيرة بالقدر الكافي للتعويض عن أوروبا بالكامل في شراء الغاز الروسي" وأضاف قائلاً في برنامج "عالم الطاقة" على سكاي نيوز عربية "إن الإمدادات الروسية لأوروبا في الوقت الحالي عند أدنى مستوياتها، وقد حذرْنا الأوروبيين من أن هذا المستوى المنخفض قد يتراجع أكثر ويصل إلى صفر في 2023"، (موقع سكاي نيوز العربية).

في هذا الجو المتسم بالحاجة إلى استقلال الدول الأوروبية عن غاز روسيا، يتم البحث عن مصادر جديدة للغاز والبترول، وهنا يبدو أن اكتشافات الغاز والبترول في موريتانيا والسنغال ذات أهمية قصوى لأوروبا التي تبحث بشكل كبير على ضمان أمنها الطاقي حالياً وفي المستقبل القريب والمتوسط والبعيد.

وبالرغم من تمكن أوروبا الغربية من تدبير احتياجاتها من الغاز في فصل الشتاء الحالي، فإن "ساداموري" يعتقد "أن الدول الأوروبية ستواصل اتخاذ إجراءات قوية فيما يخص كفاءة الطاقة والاعتماد على الطاقات البديلة وضمان إمدادات الغاز الطبيعي المسال في السنوات المقبلة". كما نبه رئيس أسواق الطاقة في الوكالة الدولية للطاقة "إلى أنه على الدول الأوروبية ألا تتهاون وأن تستمر في الحذر ومراقبة أسواق الطاقة في المستقبل، مشيراً إلى أن أسعار الغاز لا تزال مرتفعة مقارنة بمستوياتها التاريخية قبل الحرب"، (موقع سكاي نيوز العربية).

موقع "الطاقة" المعروف أشار إلى خطة تقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وتضمنت عدة نقط منها عدم توقيع عقود جديدة لتوريد الغاز من روسيا، وسيؤدي ذلك إلى تقليل واردات أوروبا من الغاز بأكثر من 50 مليار متر مكعب، ومن ثم الاعتماد على مصادر أخرى للغاز بدلاً من الإمدادات الروسية، وهذا سيحتم على أوروبا الاهتمام بإمكانية استيراد الغاز الموريتاني والسنغالي. (موقع الطاقة، 17 – 08-2012).

في 9 فبراير 2023 انعقدت ورشة عمل في نواكشوط، تم فيها الإعلان عن أحدث البيانات الخاصة بالبترول والغاز؛ إذ تتوفر في موريتانيا احتياطات تقدر بـ 400 مليون برميل من النفط و100 تريليون قدم مكعب من الغاز. وتستهدف موريتانيا من خلال استراتيجيتها الجديدة في مجال الطاقة أن تكون ضمن الفاعلين المهمين في مجال الطاقة وإنتاج الغاز المسال وكذلك إنتاج الهيدروجين.

وبعد هيمنة كل من نيجيريا ومصر وليبيا والجزائر على 78% من احتياطات الغاز في إفريقيا في عام 2021، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية؛ فإن مؤسسة "غلوبال انرجي مونتور" تؤكد بأن حوالي 84% من الاحتياطات الجديدة في مرحلة ما قبل الإنتاج توجد في دول حديثة الولوج إلى سوق الغاز في إفريقيا. وهذه الدول هي موزنبيق والسنغال وتنزانيا وموريتانيا وجنوب إفريقيا وإثيوبيا والمغرب. (موقع الطاقة، 16/2/2023).

تشير البيانات الصادرة عن وكالة "ريستاد إنرجيRystad Energy "، إلى أن موزنبيق ستكون ثاني أكبر فتح للغاز في إفريقيا، إذ تسهم بحوالي 18% من إنتاج الغاز في إفريقيا ما بين 2020 – 2050. ومن الدول التي تقود عمليات تطوير تصدير الغاز المسال في إفريقيا هي تنزانيا وموزنبيق ونيجيريا وموريتانيا والسنغال.

كما تشير بيانات "غلوبال إنرجي مونتور" إلى كون الشركات التي يوجد مقرها الرئيسي في أوروبا هي التي تمتلك أهم احتياطات حقول الغاز الجديدة في إفريقيا. (Global Energy monitor). كما تعتبر كل من شركة "بي بي" البريطانية و"توتال إنرجي" الفرنسية أكبر مطورتين لاحتياطات الغاز الجديدة في إفريقيا؛ وهذا الذي يجعل أوروبا الغربية أكثر استغلالاً للثروات النفطية والغازية في إفريقيا، (موقع الطاقة، 16/2/2023).

ويعتقد بعض الخبراء أن خمس دول ستستحوذ على نصف إنتاج الغاز في إفريقيا بحلول عام 2038، وتعتبر موريتانيا والسنغال والمغرب ضمنها. (موقع الطاقة).

المدير العام لقطاع المحروقات في وزارة البترول الموريتانية المصطفى البشير، قال إن موريتانيا تسعى إلى الشروع في إنتاج الغاز المسال في نهاية 2023، حيث قال "إن تقدم العمل يسير بأكثر من 87 – 90%، وسيكون الإنتاج في الموعد المحدد قبل نهاية 2023"، كما أضاف "ونعمل الآن على تطوير المرحلة الثانية من المشروع، ونحن في مرحلة دراسة مخطط التنمية واتخاد قرار استثمار نهائي قريباً". (موقع الطاقة، 14/02/2023). 

البشير أعلن في مؤتمر مصر الدولي للبترول "إيجبس 2033" عن طبيعة احتياطات الغاز في موريتانيا؛ فحوالي 80% من هذه الاحتياطات موجودة في حقل بئر الله والذي يتوفر على 80 تريليون قدم مكعب، أما البقية فهي موزعة ما بين حقل السلحفاة المشترك مع السنغال وحقول أخرى صغيرة.

يعد حقل بئر الله في موريتانيا من أهم الحقول ويوجد في المقطع الثامن من الحوض الساحلي، وهناك توقع باستمرار استغلال هذا الحقل مابين 2018 و2060. وكانت الحكومة الموريتانية قد أعلنت يوم الثلاثاء 11 أكتوبر 2022، عن توقيع عقد مع شركة "بي بي" و"كوسموس" من أجل البدء في استكشاف إنتاج حقل غاز "بئر الله" وتقاسمه؛ ومدة العقد هي حوالي 30 شهراً. ووقّع هذا العقدَ كلٌ من وزير البترول والمعادن والطاقة، عبد السلام ولد محمد الصالح والنائب لرئيس شركة النفط البريطانية "بي بي" وممثل شركة "كوسموس"، تود بيركي. (موقع الطاقة وموقع الوكالة الموريتانية للأنباء).

يتوقع أن يصل معدل الإنتاج اليومي بهذا الحقل حوالي 277 مليون قدم مكعب من الغاز و13 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي المسال. (القدس العربي). ويعتبر حقل غاز "بئر الله" ثانيَ أهم مشروعات الغاز المرتقبة في إفريقيا، حسب منصة الطاقة المتخصصة، وترى الشركة البريطانية "بي بي" أن هذا الحقل سيصبح مركزاً للغاز المسال بسعة تصل إلى 10 ملايين طن سنوياً (ar.Taqadomy . Net). وهناك سعي إلى القيام بمجموعة من الدراسات الهندسية، من أجل الحسم في قرار يقضي بالاستثمار في هذا الحقل وذلك في النصف الأول من عام 2025.

شركة "كوسموس" أشارت في تقريرها الفصلي إلى "أن عقد تقاسم الإنتاج الذي يجري تحضيره حالياً، سيخصص فترة سنتين لتصور وتقديم مخطط للاستغلال بالتعاون مع الحكومة الموريتانية، بالأخذ بعين الاعتبار عدة تحسينات تفضيلية لصالح موريتانيا، مقارنة ببنود العقد السابق المطبق حالياً على حقل غاز أحميم الكبير المشترك بين موريتانيا والسنغال"، (موقع أنباء إنفو وموقع kosmos ).

وقد سبق لغوردون بيرل نائب رئيس شركة "بي بي البريطانية"، المساهمة في استغلال "بئر الله" قوله أن شركته تبحث عن فرص للتقدم في أنشطة حقل "بئر الله" حيث تسعى إلى تهيئة الظروف لتطوير المخزون والعمل عن كثب مع شركائها لتحقيق إمكانيات تطويره"، (موقع أنباء إنفو).

ويبدو أن الحكومة الموريتانية حققت مكسباً مهماً أثناء التفاوض مع "بي بي" و"كوسموس"، حيث جاء في بيان للمجلس الوزاري الموريتاني الذي صادق على عقد الاستكشاف والإنتاج المتعلق بـ"بئر الله" والموقع بتاريخ 11 أكتوبر 2022، بأنه "من أجل تسريع اتخاذ القرار الخاص بنظام الاستثمار ولتحسين شروط العقد، دخلت وزارة البترول الموريتانية في مفاوضات مع جهة التعاقد وهي شركتا بي بي وكوسموس إنرجي لإبرام عقد جديد يستفيد من العمل المنجز سابقاً"، وبين كذلك المجلسُ الوزاري "بأن العقد الذي صادقت عليه الحكومة، يُدخل تحسينات معتبرة لصالح الدولة الموريتانية مقارنة بالعقود القديمة، وحتى الحالية، وذلك من خلال زيادة نصيب الدولة إلى 29% مقابل 14% في العقد السابق، كما حدد مدة مرحلة الاستكشاف بـ 30 شهراً للوصول إلى القرار الاستثماري النهائي". (موقع جريدة القدس).

ويعتبر حقل السلحفاة الكبير أحميم، مشروعاً واعداً ومهماً، حيث أعلنت وزارة البترول، في أواخر فبراير، عن انطلاق المنصة العائمة للإنتاج والتخزين والتفريغ لمشروع السلحفاة الكبير أحميم للغاز الطبيعي المسال، والذي تتولى تنفيذه شركة النفط البريطانية "بي بي"، ويقع على بعد كيلومتر من السواحل المشتركة بين موريتانيا والسنغال. (موقع الطاقة، 3/2/2023). 

وقد تم جلب السفينة من الصين، واستغرقت عملية التركيب حوالي ثلاث سنوات ونصف وخضعت لأكثر من 330 ألف فحص تقني. و"ستعالج السفينة الغاز الطبيعي لإزالة الزيوت والمياه والشوائب الأخرى، قبل تصديره عن طريق خط الأنابيب المتجه إلى المنصة العائمة للغاز الطبيعي المسال على بعد 10 كيلومترات من الشاطئ، إذ ستعمل المنصة العائمة من خلال 8 وحدات للمعالجة والإنتاج، على معالجة نحو 500 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً"، (موقع الطاقة).

وسيعمل الخبراء على جعل معظم الغاز سائلاً، بواسطة المنشآت العائمة وسيصدر إلى الأسواق الدولية كما سيتم تخصيص جزء منه للاستهلاك المحلي. ويعود اكتشاف هذا الحقل إلى سنة 2016، ويعد أضخم حقل للغاز في غرب إفريقيا، إذ تقدر احتياطاته بحوالي 450 مليار متر مكعب من الغاز المسال؛ ويقع هذا الحقل على بعد 120 ميلاً في البحر، ويبلغ عمقه 2800 متر، ويسهم في تعزيز اقتصاد موريتانيا والسنغال. (موقع أصوات مغاربية، 24 يناير 2023).

لذا فإن السفينة العائمة للإنتاج والتفريغ والتخزين هي أبرز وأهم جزء من مشروع السلحفاة الكبير أحميم، ونجاح هذه السفينة مرتبط حسب الخبراء، بالشراكة الفنية والتقنية بين (Coscochipping)، و(Technip Energies)،  (موقع أصوات مغاربية).

وقد سبق أن أعلن وزير البترول والمعادن والطاقة في موريتانيا، عبد السلام محمد صالح، أنه "تم تجاوز أغلب العقبات التي كانت تواجه بدء الاستغلال، المرتقب نهاية العام الجاري"، وأوضح أن مشروع السلحفاة الكبير أحميم، يتكون من 4 مكونات، هي: الحاجز الصخري الذي يعتبر بمثابة ميناء.. ثم المنصة العائمة للمعالجة والتخزين وهي سفينة اكتمل تصنيعها في الصين.. وأضاف أن "المكون الثالث" هو حفر الآبار، وقد تم حفر أربعة منها وهي جاهزة الآن، فيما يمثل أسطول السفن الذي يصنع أنابيب استخراج الغاز المكون الرابع، وقد تم تصنيع الكثير من الأنابيب ووضعها في الأعماق"، (موقع Radio-m). وعموماً فإن احتياطيات هذا الحقل، تقدر بحوالي 25 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

ويتطلع المجتمع الموريتاني إلى الاستفادة من عائدات هذا الحقل وغيره، ذلك أن البطالة قد وصلت حوالي 30 بالمائة، وينتظر أن يتم الشروع في استغلال غاز أحميم في نهاية 2023. (موقع العربي الجديد، 18 فبراير 2023).

وبالرغم من كون بئر باندا لا يتوفر على احتياطيات مهمة، فإنه على الأقل قادر على تزويد محطة الطاقة المزدوجة بقدرة 180 ميغاواط بالغاز وإنشاء كذاك محطة جديدة لإنتاج الكهرباء بقدرة 120 ميغاواط. (موقع الطاقة، 22/12/2021).

يوجد حقل باندا في الساحل الموريتاني على بعد 60 كيلومتراً من نواكشوط وتقدر احتياطياته بحوالي 1.2 ترليون قدم مكعب، وهو مخصص لإنتاج الطاقة الكهربائية. وقد تم توقيع مذكرة تفاهم من أجل تطوير هذا الحقل بين وزير البترول والمعادن والطاقة عبد السلام محمد صالح والرئيس التنفيذي لشركة New fortess Energy، ويس ايدنز. وتم اكتشاف هذا الحقل (Banda) سنة 2002 من طرف الشركة الأسترالية " Woodside Energy ". 

"تنازلت وود سايد" عن الاكتشاف المذكور لصالح شركة "بتروناس" "Petronas" ضمن عدة اكتشافات صغيرة من النفط والغاز في المنطقة، قبل أن تتنازل عنه هذه الأخيرة أيضاً لصالح شركة (Tullow oil)، عام 2021، والتي كانت تخطط لاستغلال الغاز من أجل إنتاج الكهرباء في إطار شراكة عمومية خصوصية لتحفيز القطاع الصناعي في البلاد"، (موريتانيا الحدث، 2/9/2022).

لكن شركة تولو أويل انسحبت من هذا المشروع سنة 2014، لأسباب متعددة، وتمكنت الحكومة الموريتانية، من توقيع مذكرة تفاهم مع شركة "New Fortess energy"، من أجل العمل على تطوير حقل "باندا" والشروع في إنتاج الكهرباء في نهاية 2024. ويقول أحد المهتمين بالطاقة في موريتانيا، "ورغم تفادي العوامل التي أعاقت التجربة السابقة لاستغلال الحقل فإن المراقبين يتحدثون عن عوائق جديدة على صعيد آخر، تجعل التجربة الجديدة على المحك، تتعلق بعدم الاتفاق بين الحكومة وشركة " New Fortess energy " بشأن التعاون في إطار مشاريع للطاقة في موريتانيا، وهذا ما قد يؤدي إلى انسحاب الشركة من المشروع وفتح المجال أمام خيارات جديدة لاستغلال حقل "باندا" للغاز الطبيعي في الحوض الساحلي الموريتاني"، (محمد أكا، موقع الطاقة).

على العموم فإنه يوجد بحقل "باندا" وحقل "بليكان" حوالي تريليونَيْ قدم مكعب من الغاز الطبيعي. ويعتقد أن اكتشافات الغاز بموريتانيا تجعلها تنضم إلى قائمة الدول الخمس الإفريقية، والست العربية والـ 22 العالمية. كما أن حوالي 97.5 من الاكتشافات المعلنة موجودة في مقطع واحد هو 8C، وهناك حضور لأبرز الشركات العالمية في مجال الطاقة؛ اكسون موبيل Exxon mobil توجد في 3 مقاطع وشيل Shell في مقطعين وTotal في 5 مقاطع وكوسموس "Kosmos" و"bp" في 4 مقاطع، (موقع مركز الصحراء للدراسات).

ورغم أهمية هذه الاكتشافات التي من شأنها تغيير مسار الوضع الاقتصادي والاجتماعي في موريتانيا، فهناك مزايا وعيوب لعقود استغلال حقول الغاز في موريتانيا. فمن بين المزايا حسب بعض الباحثين، أن الحكومة الموريتانية لا تتحمل تكاليف التنقيب وتتجنب أخطار عدم اكتشاف كميات مهمة وتجارية، كما أنها تستفيد من خيرة الشركات العالمية في البحث وإدارة هذا النوع من المشاريع، وتستفيد الدولة كذلك من وجود حصة من الإنتاج كإتاوة، لا تقل عن 10 بالمائة كما هو محدد في مدونة المحروقات. وبالطبع فإن الدولة الموريتانية لها حق رفع هذه النسبة، إذ وصلت 14% بخصوص عقد أحميم المشترك و29% بخصوص عقد حقل بئر الله، وهناك مزايا أخرى في تحصيل الأرباح.

لكن رغم ذلك هناك عيوب كثيرة من ضمنها، أن العقود المبرمة ما بين الدولة والشركات الكبرى، طويلة المدى؛ قد تتخطى أكثر من نصف قرن من الزمن بالنسبة للغاز، وهي مدة طويلة جداً خاصة مع تسارع التغيرات في قطاع الطاقة العالمي، فقد ينفذ الاحتياطي أو يحقق العالم نقلة نوعية إلى مصادر أخرى للطاقة قبل انتهاء فترة العقد، بالإضافة إلى أن طول مدة العقود تخفي وراءَها تجاوزاً على حقوق الأجيال القادمة ونصيبهم من الثروة الوطنية"، (الأخبار انفو، 19/10/2022). وبالفعل فإن الشركات العالمية الكبرى، تمارس نفوذها على الدولة، وتسيطر على قطاع الغاز والنفط، وتقوم بتضخيم تكاليف التنقيب والبحث، وتتلاعب بالأسعار وتستحوذ على حصة كبيرة من الأرباح، لا تتحمل مسؤوليتها في مجال حماية البيئة.

وتعتبر منطقة الساحل المشتركة بين موريتانيا والسنغال حسب الخبراء، منطقة غنية جداً بالحياة البرية، "إذ تُفسِح آلافُ الأميال من الصحراء الكبرى الطريقَ للتربة التي يسقيها نهر السنغال، ما يوفر مساحة راحة لملايين الطيور المائية في رحلتها بين إفريقيا والقطب الشمالي"، (محمد فرج، موقع الطاقة)

هناك حاجة كبيرة إلى تقديم ضمانات من طرف الشركات الكبرى لحماية النظام البيئي في موريتانيا، ذلك أن بئر "اوكرا 1" هو أضخم اكتشاف للهيدروكربونات في المياه العميقة في العالم حتى الآن هذا العام.." كما قال الرئيس التنفيذي لشركة كوسموس. 

وقد أعلنت وزيرة البترول والطاقة في السنغال، عيشة صوفية غلاديما بأن احتياطات السنغال من الغاز، تقدر بحوالي 910 مليارات متر مكعب، وبذلك تحتل المرتبة الخامسة في إفريقيا و27 على مستوى العالم. كما شرعت السنغال في تنفيذ مشروع محطة للغاز الطبيعي المسال على بعد 10 كيلومترات قبالة الساحل بين سان لوى Saint Louis وموريتانيا، وتوقعت الوزيرة، أن تقوم السنغال بتصدير أولى شحناتها من النفط والغاز في عام 2023، وذلك استغلالاً للحقل المشترك بين موريتانيا والسنغال "أحميم الكبير"، وحقلها المستقل "سانغومار"، (موقع الأخبار انفو، 3/12/2022).

المدير العام لشركة "بتروسن" السنغالية، تييرنو سيدو لي، أكد أن العائدات المحتملة من مشاريع النفط والغاز، ستصل إلى 30 مليار دولار في حدود الـ 30 سنة القادمة، أي مليار دولار سنوياً. ويتوقع بأن تتمكن السنغال من ربح حوالي 52 بالمائة من مشروع "سانغومار" و64 بالمائة من مشروع "السلحفاة الكبرى". وقد صرح وزير البترول والطاقة والمعادن الموريتاني السابق، محمد عبد الفتاح، في فبراير 2020، بأن عائدات موريتانيا المحتملة من مشروع الغاز المشترك بين موريتانيا والسنغال، ستصل إلى مليار دولار سنوياً وأن استغلال هذا الحقل سيستمر حوالي 30 سنة. (صحراء ميديا، 31/10/2022).

ورغم النقاش الحاد في البرلمان السنغالي سنة 2018 حول الاتفاق الموريتاني-السنغالي، المتعلق باستغلال حقل "السلحفاة الكبير"، وادعاء المعارضة السنغالية أن الاتفاق "غامض"؛ فإن البرلمان السنغالي، صادق عليه.

وقد سبق أن وقع الرئيس السنغالي ماكي صال أثناء زيارته نواكشوط في مطلع 2018، على اتفاقية تقاسم عائدات حقل "السلحفاة الكبير"، بنسبة 50 بالمائة لكل بلد؛ هذا إضافة إلى تقاسم العائدات غير المباشرة" بالتساوي. (الشيخ محمد حرمة، صحراء ميديا).

وهناك مفاوضات أوروبية مع السنغال للتزود بالغاز المسال في نهاية 2023، وهكذا فإن ألمانيا تكثف التفاوض مع الحكومة السنغالية في هذا المجال. ويتوقع الرئيس السنغالي إنتاج حوالي 2.3 مليون طن من الغاز المسال كل سنة ابتداء من ديسمبر 2023، و10 ملايين طن ابتداء من 2030. ويدعو الرئيس السنغالي الحكومة الألمانية إلى التعاون مع بلده، في مجال الاستثمار وإنتاج الغاز المسال.

عموماً فان موريتانيا والسنغال سيتقاسمان ما بين 80 و90 مليار دولار من عوائد الغاز خلال الـ 20 سنة القادمة. (2022/5/31، Franceinfo). ويعتبر حقل "Sangomar" حقلاً من الغاز تستقل به السنغال، وتقدر احتياطياته بحوالي 113 مليار متر مكعب، ويوجد الحقل على بعد 90 كيلومتراً جنوب العاصمة دكار، وتتولى شركة وودسايد انيرجي، الإشراف على المشروع.

وقد بدأت عمليات الحفر في منتصف 2021 بواسطة سفينة "Ocean Black Rhino" كما وصلت سفينة "Océan Black hank" في منتصف 2022، فتم إنجاز حوالي 69.6 بالمائة من أعمال التطوير، في 31 أكتوبر 2022. ويتوقع في المرحلة الأولى، إنجاز حوالي 23 بئراً للغاز، أما البترول فسيتم عن طريق المنصة العائمة FPSO ويتوقع إنتاج حوالي مائة ألف برميل يومياً.

إن الاحتياطات المشتركة بين السنغال وموريتانيا من الغاز، ستمكن البلدين معاً من الالتحاق بنادي منتجي الغاز في العالم، وتسعى دول أوروبية عديدة للتفاوض معهما لتأمين الطاقة والاستغناء عن الغاز الروسي مستقبلاً، أو على الأقل الاطمئنان لوجود بديل حقيقي، كفيل بتجاوز الأزمة الطاقية حالاً ومستقبلاً. لكن يتعين على موريتانيا والسنغال التنسيق معاً للتفاوض مع الشركات العالمية والسعي للحصول على عقود جيدة واشتراط نقل التكنولوجيا والاستفادة من الخبرة الدولية، كما يتعين العمل على المحافظة على المنظومة البيئية، والاستفادة بشكل كبير من العائدات لتحقيق تنمية اجتماعية حقيقية، وتوظيف الأرباح في بناء صناعة تحويلية ذات قيمة مضافة.

كما يفترض أن تنخرط جل الدول الإفريقية المنتجة للغاز والبترول في ترسيخ عمل تشاركي يكفل لها الدفاع عن حق الشعوب الإفريقية في التنمية، والاستفادة من الموارد الطبيعية وحماية حقوق الأجيال الإفريقية القادمة.


مصادر ومراجع:

يربان الحسين الخراشي، مزايا وعيوب عقود استغلال حقول الغاز الموريتانية، موقع الأخبار انفو، 19 أكتوبر 2022.

www.akhbar.info

عائد عميرة، اكتشافات جديدة.. موريتانيا تستعد لدخول نادي منتجي الغاز الطبيعي، موقع نون بوست، 29/10/2019.

www.nonpost.com

محمد فرج، مخطط الغاز في موريتانيا بشير المخارف البيئة.. هل تغير "بي بي" قواعد اللعبة؟ موقع الطاقة، 28/08/2022.

www.attaqa.net

حقل باندا يمهد الطريق لأول محطة كهرباء بالغاز في موريتانيا، موقع الطاقة، 22/12/2021.

عبد الله مولود، موريتانيا: إقرار عقد استغلال بئر الله الغازي مع "بي بي" و"كوسموس". جريدة القدس العربي، 21 أكتوبر 2022.

www.alquods.co.uk

محمد اكا، مشروع استغلال حقل "باندا" للغاز، تجربة جديدة على المحك، موقع موريتانيا الحدث، 2/9/2022.

www.alhadath.mr

هذا ما ستجنيه السنغال خلال 30 سنة، صحراء ميديا، 31 أكتوبر 2012.

www.saharamedia.net

حقل جديد يضاعف احتياطي موريتانيا من الغاز 6 مرات، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، 29/10/2019.

www.essahara.net

Bp، جريدة مشروع تورتو أحميم الكبير، جريدة فصلية، العدد 2، أغسطس 2022.

www.bp.com

 2023، موقع العربي الجديد، 18 فبراير 2022.

www.alaraby.uk

راديو موريتانيا إنتاج حقل "السلحفاة أحميم"، سيبدأ مع نهاية 2025، موقع Radio-m، 81/2/2023.

www.radio-m.net

أحمد برد، عبد الرحمن صلاح، هل تنضم موريتانيا إلى منتدى الدول المصدرة للغاز (خاص)، موقع الطاقة، 26/10/2022.

دينا قدري، 5 دول تستحوذ على نصف إنتاج الغاز في إفريقيا بحلول 2038.. المغرب وموريتانيا بالقائمة، موقع الطاقة، 16/02/2023.

إعلان أحدث أرقام احتياطات الغاز والنفط في موريتانيا، موقع الطاقة، 09/02/2023.

موريتانيا تمنح توتال إنرجي حقوق التنقيب عن النفط والغاز بالحوض الساحلي، موقع الطاقة، 03/02/2023.

دينا قدري، موريتانيا تستعد لإنتاج الغاز المسال قبل نهاية 2023، موقع الطاقة، 14/02/2023.


مقاتلات إف-16 والحرب الروسية الأوكرانية.. آراء الخبراء

في دفعة قوية لكييف، قررت الولايات المتحدة السماح لحلفائها الغربيين بتزويد أوكرانيا بطائرات مقاتلة متطورة، بما في ذلك طائرات إف-16، وقد صرح مستشار الأمن القومي جيك سوليفان أن الرئيس جو بايدن "أبلغ نُظراءَه في مجموعة السبع" بالقرار في قمة التكتل في اليابان في 19 مايو 2023. قال سوليفان إن القوات الأمريكية ستدرب أيضاً الطيارين الأوكرانيين على استخدام الطائرات، كما أن الولايات المتحدة وحلفاءَها "ركزوا حتى الآن على تزويد أوكرانيا بالأسلحة والتدريبات التي تحتاجها للقيام بعمليات هجومية". يضيف: "مع بدء التدريب في الأشهر المقبلة سنعمل مع حلفائنا لتحديد موعد تسليم الطائرات، ومن سيسلمها، وعددها."

منذ بداية الحرب تسعى أوكرانيا للحصول على طائرات متطورة، وضغطت مراراً على حلفائها الغربيين لتوفير طائرات للمساعدة في قتالها ضد روسيا. ويقول خبراء إن المقاتلات الحديثة مثل إف-16 ستساعد أوكرانيا على الضرب خلف الخطوط الروسية. 

قبل الإعلان الرسمي عن القرار في 20 مايو 2023، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الطائرات "ستعزز جيشنا بشكل كبير في السماء". وبعد إعلان القرار الأمريكي، أشاد زيلينسكي بهذه الخطوة ووصفها بأنها "قرار تاريخي". نشير هنا إلى أنه لا يمكن لأي دولة إعادة بيع أو إعادة تصدير المعدات العسكرية الأمريكية، إلا إذا وافقت الولايات المتحدة على ذلك، لذا فإن هذا القرار يمهد الطريق أمام الدول الأخرى لإرسال مخزوناتها الحالية من طائرات إف-16 إلى أوكرانيا. 

روسيا، في المقابل، رأت أن تزويد أوكرانيا بطائرات إف-16 ستتبعه مواجهة الدول التي ستزوِّد بهذه الطائرات "أخطاراً هائلة". يقول نائب وزير الخارجية ألكسندر جروشكو لوكالة تاس الرسمية للأنباء إن الدول الغربية "متمسكة بسيناريو التصعيد"، مضيفاً "سيؤخذ ذلك في الاعتبار في جميع خططنا، ولدينا كل الوسائل اللازمة لتحقيق أهدافنا". وفي 28 مايو 2023، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن الغرب "يلعب بالنار" بشأن تزويد أوكرانيا بطائرات إف-16.

مقاتلات "إف-16" تستخدم على نطاق واسع من قبل جيوش عدد من الدول الأوروبية والشرق أوسطية فضلاً عن الولايات المتحدة، التي لا تزال تصنع الطائرة. الخطوة الأمريكية وجدت ترحيباً من مجموعة من الدول الغربية. فرئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك قال في تغريدة على تويتر "ستعمل المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة وهولندا وبلجيكا والدنمارك لتزويد أوكرانيا بالقوة الجوية القتالية التي تحتاجها". يشار هنا إلى أن المملكة المتحدة لا تمتلك أي طائرات من طراز إف-16 في قواتها الجوية، غير أنها قد تدعم العملية لوجستياً وسياسياً.

من جانبها قالت الدنمارك إنها ستعمل على دعم عملية تدريب الطيارين، لكنها لم تؤكد ما إذا كانت سترسل أي طائرات إلى أوكرانيا. علماً أن القوات الجوية الدنماركية تمتلك حوالي 40 مقاتلة من طراز إف-16. كذلك أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استعداد بلاده في مجال التدريب لكنها لن تقدم طائرات من هذا النوع لكييف، (بي بي سي، 20 مايو 2023).


تردد وشكوك 

في بداية الأمر كانت واشنطن مترددة في تزويد أوكرانيا بطائرات مقاتلة حديثة، على الأقل في المدى القريب. بدلاً من ذلك، انصب تركيزها على تقديم الدعم العسكري على الأرض، وقد عبرت بعض الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي عن قلقها من أن تسليم طائرات لأوكرانيا سينظر إليه على أنه تصعيد للحرب مما يهدد بمواجهة مباشرة مع روسيا.

في السياق، كان مسؤولون عسكريون أمريكيون كبار يشككون في السابق في قدرة الطائرات المقاتلة المقرر تزويد أوكرانيا بها على تغيير الصراع بشكل كبير، فهناك الكثير من أنظمة الدفاع الجوي على الأرض، إضافة إلى جهود القوات الجوية الروسية الكبيرة لتحقيق التفوق الجوي. تجلت هذه الشكوك حين أخبر بايدن صحفيين في فبراير الماضي أنه "يستبعد في الوقت الحالي" إرسال مقاتلات متقدمة إلى أوكرانيا.

يمثل التوجه الأمريكي نحو الموافقة على إمداد أوكرانيا بالمقاتلات تغيراً في السياسة الأمريكية ينذر بدخول الحرب مرحلة جديدة من التصعيد، خاصة حال دخول مقاتلات "إف-16" الحرب، وهو ما سيستغرق وقتاً لتدريب الطيارين الأوكرانيين على قيادة المقاتلات. يشار هنا إلى أنه يوجد في أوكرانيا طيارون مقاتلون مدربون على طائرات من الحقبة السوفيتية، لذلك تحتاج عملية تدريب هؤلاء الطيارين، على الرغم من خبرتهم، فترة قد تستغرق ما يصل إلى أربعة أشهر.

تركز جانب من الانتقادات المرتبطة بإرسال الطائرات حول موضوع الصيانة، حيث قال المسؤول السابق في حلف شمال الأطلسي الدكتور جيمي شيا إن هذا النوع الطائرات يحتاج صيانة مكثفة بعد كل قتال تقريباً. 

في بداية الحرب، كان يعتقد أن أوكرانيا لديها حوالي 120 طائرة ذات قدرة قتالية، تتكون بشكل أساسي من طائرات ميج 29 وسوخوي 27 القديمة من الحقبة السوفيتية، غير أن المسؤولين في كييف يقولون إنهم بحاجة إلى ما يصل إلى 200 طائرة لمضاهاة القوة الجوية لموسكو، والتي يعتقد أنها أكبر بخمس أو ست مرات من كييف. وفي وقت سابق من هذا العام، أرسلت بعض دول أوروبا الشرقية طائرات مقاتلة من طراز ميغ تعود إلى الحقبة السوفيتية إلى أوكرانيا.

طائرات إف-16 قادرة على الطيران بسرعة ضعف سرعة الصوت ويمكن أن تشتبك مع أهداف في الهواء أو على الأرض. وعلى الرغم من أن مقاتلات "إف-35" الأحدث قد طغت على الطرازات القديمة، فإن تلك الطرازات لا تزال تستخدم على نطاق واسع. 


تحديات متوقعة

1/ إشكالية الإمدادات

حتى الآن، تعتمد القوات الجوية الأوكرانية على أعداد محدودة من الطائرات القديمة التي تعود إلى الحقبة السوفيتية. ووفقاً لموقع التحليل العسكري (Global Firepower). قد لا تتمتع كييف بالسيطرة الكاملة على المجال الجوي الأوكراني، لكن لديها العديد من أنظمة الدفاع المضادة للطائرات التي تردع الطائرات المقاتلة الروسية عن القيام بعمليات خارج خط المواجهة، غير أنها تستنزف بسرعة إمداداتها من الأسلحة المضادة للطائرات.

يقول مستشار الدفاع مارك تشاسيلان: "بدأت مخزونات الصواريخ المضادة للطائرات في النفاد بشكل خطر لأن أوكرانيا تستهلك الكثير منها. في مرحلة ما، يمكن أن تتولى إف-16 المسؤولية لتعويض النقص المؤقت. إنها طائرة قادرة تماماً على إسقاط صاروخ كروز". يشير ذلك إلى تحد آخر سيتعين على أوكرانيا وحلفائها التغلب عليه، وهو نفاد مخزونات الأسلحة الغربية، حتى في حال إمداد كييف بالمقاتلات، فهناك مجموعة كاملة من المعدات التي تأتي مع الطائرة، وليس هناك ما يضمن أنها ستكون متاحة بالشكل الكافي للاستمرار في تشغيل المقاتلات.

يضيف تشاسيلان: "هناك أيضاً مشكلة الأسلحة التي ستزود بها هذه الطائرات، وهل لدى الحلفاء الغربيين ما يكفي من القنابل والصواريخ والقذائف؟ فالمخزونات الحالية ليست كافية، ولن تكون لمقاتلات "إف-16" أي قيمة على الإطلاق إذا لم تكن لديها الأسلحة الكافية الخاصة بها"، (فرانس24، 19 مايو 2023). 


2/ تحدي التكنولوجيا

من غير المرجح أن تحصل أوكرانيا على طائرات إف-16 جديدة تماماً، فهي باهظة الثمن، وسيكون الغرب متردداً في المخاطرة بأسلحة متطورة في هذا الصراع. ما يعني أن أوكرانيا ستحصل على مقاتلات برادارات أقل قدرة، وإلكترونيات طيران أقدم. على الرغم من أن طائرات إف-16 القديمة لا تزال قادرة، فإن العديد من الدول تتطلع الآن إلى ترقية أسطولها من طائرات إف-16 ودمج طراز أف-35.

إضافة إلى الرادار، تحتاج المقاتلات الحديثة أيضاً أحدث تقنيات الحرب الإلكترونية، والمساعدات الدفاعية، وأجهزة استشعار الأشعة تحت الحمراء، ونظام كمبيوتر لبرمجة وتقديم أحدث جيل من الأسلحة جو-جو وجو-أرض عالية التقنية. علاوة على ذلك، هناك حاجة أيضاً إلى طيارين مدربين وطاقم أرضي، وأسلحة، وقطع غيار، ومرافق تخطيط أرضي، واستخبارات، ومجموعة من البنى التحتية الداعمة. عليه، تحتاج المقاتلات إلى منظومة دعم كاملة، من أجل أن تؤدي دوراً فعالاً في القتال. 

نتناول فيما يلي بشكل أعمق مقاتلات الجيل الرابع، وبالخصوص إف-16، من حيث مميزاتها وتطورها والمعارك التي شاركت فيها، لفهم الأهمية الإستراتيجية لهذه المقاتلات.


التفوق الجوي: مقاتلات الجيل الرابع

شهد مجال الطيران العسكري تطورات ملحوظة عبر التاريخ، حيث قدم كل جيل من الطائرات المقاتلة قدرات جديدة وتوسيع مدى القتال الجوي. وتمثل مقاتلات الجيل الرابع قفزة كبيرة إلى الأمام من حيث التكنولوجيا والتصميم والقدرات التشغيلية. تتميز هذه الطائرات بقدرتها الفائقة على المناورة، وأنظمة إلكترونيات الطيران المتقدمة، وزيادة نطاق القتال، وقدرات الاستشعار المحسنة. وهي مصممة للسيطرة على المجال الجوي، والتفوق في مهمات جو-جو وجو-أرض.

واحدة من السمات المميزة لمقاتلات الجيل الرابع هي تصميمها الديناميكي الهوائي المتقدم، الذي يعتمد على أجنحة دلتا، وكانارد، وأسطح تحكم متقدمة، مما يسمح بزيادة القدرة على المناورة وخفة الحركة. بالإضافة إلى ذلك، يستخدم أغلب مقاتلات الجيل الرابع تقنيات التخفي، مثل مواد امتصاص الرادار، مما يقلل قدرة الرادار على التنبه لوجودها ما يعزز القدرة على البقاء في ساحة المعركة.

تتميز أيضاً بأحدث أنظمة إلكترونيات الطيران وتقنيات دمج أجهزة الاستشعار، وقد تم تجهيزها بأنظمة رادار متقدمة يمكنها تتبع أهداف متعددة في وقت واحد واكتشاف التهديدات من مسافات بعيدة، كما تجمع تقنية دمج أجهزة الاستشعار بين البيانات من أجهزة الاستشعار المختلفة، مثل الرادار والأشعة تحت الحمراء وأنظمة الحرب الإلكترونية، مما يوفر للطيارين وعياً شاملاً بالموقف، ما يمكنهم من اتخاذ قرارات فعالة في سيناريوهات القتال.

هذه المقاتلات المتقدمة هي جزء لا يتجزأ من الحرب التي تركز على شبكة متكاملة، وتستفيد من قدرات الاتصالات المتقدمة وتبادل البيانات. يمكن لهذه الطائرات تبادل المعلومات في الوقت الفعلي مع المنصات الصديقة الأخرى، بما في ذلك القوات البرية والبحرية ومراكز القيادة، مما يعزز الفعالية التشغيلية الشاملة، حيث يتيح هذا التكامل السلس العمليات المنسقة ومشاركة الأهداف، ويزيد ذلك كفاءة العمليات العسكرية بشكل كبير.


بروفايل: مقاتلات إف-16

مقاتلات إف-16 من صنع شركة لوكهيد مارتن الأمريكية، وهي طائرة نفاثة ذات محرك واحد ومتعددة الأدوار من الجيل الرابع يمكن استخدامها في مهمات الهجوم الجوي أو الأرضي. يصف سلاح الجو الأمريكي "إف-16"، التي حلقت لأول مرة في سبعينات القرن العشرين، بأنها "نظام سلاح منخفض التكلفة نسبياً وعالي الأداء". ووفقاً لدليل القوات الجوية العالمية الصادر عن منصة (Flight Global)، فإن ما يقرب من 2200 طائرة من طراز إف-16 نشطة في مناطق مختلفة مما يجعلها أكثر طائرة مقاتلة شعبية.

يبلغ طول الطائرة ذات المحرك الواحد الأكثر مبيعاً، والمفضلة لدى حلفاء الولايات المتحدة بسبب سرعتها ومرونتها، 15 متراً ويبلغ طول جناحيها حوالي 10 أمتار. على مر السنين، خضعت إف-16 للعديد من التغييرات في تصميمها منذ ظهورها لأول مرة، وقد تم بناء الطائرة المقاتلة في الأصل للقتال الجوي، وهي الآن قادرة على القيام بكل شيء تقريباً، من الدفاع الجوي إلى القصف التكتيكي.

كانت مقاتلات إف-16 منذ نسختها الأولى المعروفة بـ"فايتينغ فالكون" من صنع شركة جنرال موتورز الأمريكية، معروفة بخفة وزنها وقدراتها العالية، ومنذ بدء الولايات المتحدة تصديرها، سرعان ما أصبحت أكثر طائرة مقاتلة تصديراً على نطاق واسع في العالم. 

يمثل الرادار العنصر الرئيسي في إمكانيات المقاتلات الحديثة، وتزامن مع التطور التكنولوجي الذي مكن الرادارات من رؤية أبعد وأوسع وأوضح، مع تطور وتنوع تقنيات خداع الرادارات. في الحرب العالمية الثانية، تم نشر شرائط دقيقة من الألومنيوم لإرباك رادارات العدو، ولكن يتم الآن استغلال تكنولوجيا التخفي الحديثة ومجموعة متنوعة من التدابير الإلكترونية المبتكرة لتحسين القدرة على البقاء، (سكاي نيوز، 28 مايو 2023).

مرت تكنولوجيا إلكترونيات الطيران الخاصة بـ"إف-16" بتحديثات، من أجل تحسين قدراتها على التأقلم مع متغيرات ومتطلبات الحروب الحديثة. في السياق، قال تشاسيلان عن المقاتلات: "بمرور الوقت، أصبحت أكثر تنوعاً، بما في ذلك أحدث الإصدارات مثل Block-52 التي تم بيعها مؤخراً لبولندا. مع ذلك، [عندما] يتم تسليم طائرات إف-16 إلى أوكرانيا، فإنها بالتأكيد لن تكون أحدث الإصدارات، بل الإصدارات القديمة من الاحتياطيات العسكرية البلجيكية أو الهولندية أو الدنماركية أو النرويجية"، (فرانس24، 19 مايو 2023)، لذلك، تظل هنالك شكوك حول مدى قدرة الإصدارات القديمة من المقاتلات على إحداث الفارق وقلب موازين الحرب بين أوكرانيا وروسيا.


حروب شاركت فيها إف-16

تم نشر مقاتلات إف-16 المشهورة بإمكانياتها القتالية وتعدد استخداماتها، في العديد من النزاعات والحروب في جميع أنحاء العالم، حيث أحدثت فرقاً كبيراً في ساحة المعركة. نعرض فيما يلي بعض الحروب البارزة التي أدت هذه المقاتلات دوراً حاسماً فيها وأبرزت قدراتها.


حرب الخليج الثانية 

شكلت حرب الخليج الثانية (1990-1991) نقطة تحول لمقاتلات إف-16، حيث أظهرت قدراتها على التفوق الجوي وقدرات الضربات الدقيقة. وقامت هذه الطائرات بمهمات قتالية جو-جو، وحققت العديد من الانتصارات الجوية ضد الطيران العراقي. علاوة على ذلك، أدت دوراً حيوياً في تدمير أهداف رئيسية خلال الحملة، وتحييد الدفاعات الجوية العراقية بشكل فعال والإسهام في النجاح الشامل لقوات التحالف.


عملية القوات المتحالفة في كوسوفو

خلال عملية القوات المتحالفة (حرب كوسوفو، 1999) بقيادة الناتو، أبرزت إف-16 تنوعها وقدراتها الضاربة الدقيقة في حملة جوية معقدة. قامت المقاتلات خلال العملية بمجموعة متنوعة من المهمات، بما في ذلك الهجمات جو-أرض، وقمع الدفاعات الجوية، والدعم الجوي، ونجحت في تدمير الأهداف العسكرية الصربية، وتعطيل عملياتها، وتقديم الدعم الحاسم للقوات البرية. وقد أثبتت إلكترونيات الطيران المتقدمة لهذه المقاتلات وقدرتها على إطلاق ذخائر موجهة بدقة، أنها مفيدة في تقليل الأضرار الجانبية وتحقيق أهداف المهمة.


العمليات العسكرية في أفغانستان

أدت إف-16 دوراً محورياً في العمليات العسكرية في أفغانستان، حيث تم نشرها من قبل دول متعددة، بما في ذلك الولايات المتحدة. شنت المقاتلات ضربات دقيقة ضد مواقع طالبان، ونفذت مهمات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وضمنت التفوق الجوي. إن قدرة إف-16 على التكيف وقدرتها على العمل من مطارات غير مؤهلة بالكامل جعلتها رصيداً قيماً في عمليات مكافحة التمرد في أي مكان.


الحرب الأهلية الليبية 

خلال الحرب الأهلية الليبية، أدت مقاتلات إف-16 من مختلف الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة والناتو، دوراً رئيسياً في فرض منطقة حظر طيران وشن ضربات دقيقة. أسهمت إلكترونيات الطيران المتقدمة للمقاتلات وقدراتها جو-جو وذخائرها الموجهة بدقة في تحييد الدفاعات الجوية الليبية وتعطيل العمليات العدائية، كما ضمنت خفة الحركة والاستجابة في الاشتباكات الجوية التفوق الجوي وحماية قوات التحالف العاملة في المنطقة.


عملية العزم الصلب - منذ 2014 

يتم استخدام إف-16 على نطاق واسع في الحملة المستمرة ضد داعش في العراق وسوريا، وقد نشرت الدول المشاركة، بما في ذلك الولايات المتحدة، هذه الطائرات لشن غاراتها الجوية ضد مواقع داعش، وتعطيل خطوط الإمداد، وتقديم الدعم الجوي للقوات البرية. وإمكانيات تنفيذ ضربات دقيقة وأنظمة الاستهداف المتقدمة الخاصة بها في هذه الحملة، حاسمة في إضعاف البنية التحتية لداعش ودعم الحملة البرية ضد التنظيم.


استنتاجات ونقاشات

تصاحب قرار إمداد أوكرانيا بمقاتلات إف-16 العديد من الأخطار والتحديات، تجعلها أكثر خطوة حساسية منذ بداية الحرب. فعلى المستوى السياسي، تظهر هذه الخطوة الغربية عزم الولايات المتحدة وحلفائها على دعم كييف. في الوقت نفسه، تبقى أخطار هذا النوع من التصعيد قائمة، خاصة في حال استخدام هذه المقاتلات لاستهداف الأراضي الروسية، وأبدت واشنطن وحلفاؤها حرصاً على تحقيق التوازن بين الدعم الكامل لأوكرانيا والحكمة بشأن التصعيد، ومن غير المرجح أن يختفي الحذر بشأن الأخطار بعد القرار الأخير.

سلط تشاسيلان الضوء على هذه المعضلة، قائلاً: "المشكلة تدور حول عبور الحدود الروسية، والغرض من الطائرات المقاتلة هو جلب القتال إلى العدو، مع ذلك، توجد عقبة سياسية هنا". في الوقت نفسه، أكد الخبير العسكري أن إبقاء طائرات إف-16 داخل أوكرانيا سيكون قيداً كبيراً عليها، موضحاً: "القوات الأوكرانية ستستخدم هذا النوع من الأسلحة بشكل محدود للغاية إذا لم تعبر الحدود مع روسيا، فتحليق طائرات إف-16 فقط داخل المجال الجوي الأوكراني سيكون مثل وضع الطيور في قفص"، (فرانس24، 19 مايو 2023).

علاوة على معضلة الموازنة بين دعم كييف وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين الناتو وروسيا، تظل هنالك تحديات أخرى مثل تدريب الطيارين وموظفي صيانة المقاتلات. وقد ذكر عدد من الخبراء أنه بالنسبة لطائرة مقاتلة حديثة مثل إف-16، يمكن أن يستغرق تدريب موظفي الصيانة وقتاً أطول من تدريب الطيارين. في السياق، يقول بيتر لايتون، الخبير في معهد غريفيث آسيا والضابط السابق في سلاح الجو الملكي الأسترالي: "أعتقد أنه من الممكن تعليم طيار أوكراني قيادة طائرة إف-16 في ثلاثة أشهر، لكن تدريب موظفي الصيانة يمكن أن يستغرق شهوراً أو سنوات، وذلك اعتماداً على المستوى المطلوب من الكفاءة"، وفقاً لتقرير صدر في مارس من خدمة أبحاث الكونجرس (CRS) حول عمليات النقل المحتملة لطائرات إف-16. 

تشير هذه التحديات إلى محدودية قدرة مقاتلات إف-16 على تغيير مسار الحرب الروسية الأوكرانية بالكامل، ورجحان أن يمثل استخدامها في هذه الحرب دافعاً معنوياً ومثالاً للتماسك بين القوى الغربية وإمكانيات التنسيق والتنفيذ العالية بينها. 

يؤكد ذلك روبرت هوبكنز، خبير الطيران العسكري والطيار السابق في سلاح الجو الأمريكي، مشيراً إلى أن حرباً سياسية تخاض حالياً، وهناك حاجة إلى تحقيق انتصارات في هذه الساحة. قال: إن إرسال طائرات إف-16 إلى أوكرانيا سيظهر "تعاوناً سياسياً ودبلوماسياً قوياً عبر العديد من الدول الغربية (وخاصة الناتو)".   


قراءة في عودة الإخوان المسلمين إلى الساحة السياسية في السودان

تبحث هذه الدراسة في التحركات المتزايدة للتيار الإسلامي في السودان، التي تتزامن مع تقدّم عملية التحول المدني في البلاد. وفي الوقت الذي اتفق فيه المدنيون والعسكريون في السودان على توقيع "الاتفاق السياسي النهائي" في الأول من أبريل المقبل، وتوقيع دستور انتقالي في السادس من نفس الشهر، وكذلك تشكيل الحكومة المدنية الانتقالية في الحادي عشر من الشهر ذاته، وذلك عقب اجتماعين موسعين بين القوى الموقعة على "الاتفاق الإطاري" وكل من رئيس مجلس السيادة قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات "الدعم السريع" الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي"، وبحضور ممثلين عن "الآلية الدولية الثلاثية" و"اللجنة الرباعية الدولية"؛ فإن التيار الإسلامي في السودان كان يدفع قدماً بأجندته لمزاحمة العملية السياسية وعرقلتها لصالح عودته إلى السلطة التي فقدها.


توصّلت الدراسة إلى ما يلي من نتائج:

أنّ جماعة الإخوان تحشد في الوقت الراهن مختلف أوراقها لإفشال الاتفاق الإطاري.

أنّ الجيش السوداني الذي لم يكن الاتفاقُ الإطاري خيارَه الأوّل، يتّسق ضمنياً مع تحركات الإخوان لإعادة خلط الأوراق في البلاد مجدداً.

يُستبعد أن يتجه الإخوان المسلمون نحو التصادم في الوقت الراهن، بل العمل التدريجي لتفكيك الاتفاق الإطاري والتقرب من الجيش.


تجلّت خطوات التيار الإسلامي -وعلى رأسه الأخوان المسلمون- نحو محاولة العودة إلى المشهد السياسي في السودان مبكراً، في مجموعة من المفاصل الرئيسية التي يمكن تلخيصها بما يلي: 

أولاً، في أكتوبر 2019، تمّ الإعلان عن انطلاق "حركة المستقبل للإصلاح والتنمية"، وكان القيادي السابق في المؤتمر الوطني المحلول عبد الواحد يوسف إبراهيم أميناً عامّاً للحركة، وانضم إليها الصف الثاني من قيادات حزب المؤتمر الوطني المحلول. ومنتصف مارس 2023، عقدت الحركة مؤتمرَها العامَّ الأول، وانتخبت محمد الأمين أحمد أميناً عامّاً خلفاً لعبد الواحد.

ثانياً، في أبريل 2022، وقعت 8 كيانات سياسية سودانية على وثيقة تأسيس لتحالف جديد تحت اسم "التيار الإسلامي العريض"، لتحقيق الاندماج التنظيمي بينها. وضمّ الكيانُ الحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين وحركة الإصلاح الآن، وحزب دولة القانون والتنمية، ومنبر السلام العادل.

ثالثاً، كان من البارز يوم 18 مارس 2023 ظهور القيادي الإسلاموي في النظام السوداني المعزول، علي كرتي بولاية الجزيرة في وسط السودان، حيث خاطب كرتي حشداً من أنصار حزبه المحلول "المؤتمر الوطني"، الأمر الذي أثار جدلاً في السودان حول السماح له بعقد مثل هذا التجمع. 

جدد كرتي، التزام الحركة الإسلامية وأعضاء حزب "المؤتمر الوطني" المنحل، بالاصطفاف خلف القوات المسلحة باعتبارها الضامن الحقيقي لأمن السودان. ووصف الثورة التي أطاحت بنظامه بأنها "انقلاب ضد رئيس دولة منتخب، قادته أحزاب تتشدق بالديمقراطية، وتتخذ كافة الوسائل لتشويه صورة الإسلاميين".


مهددات أمام التحول المدني 

من الواضح أن الإسلاميين في السودان عادوا إلى التحرّك بوتيرة متسارعة خلال الأيام الأخيرة، وقد يكون انعقاد المؤتمر العامِّ الأول لـ"حركة المستقبل" -التي تعتبر ذراعاً سياسية للحركة الإسلامية- منتصف مارس الجاري، أبرزَ مثال على هذا الحراك. ويرى مراقبون أن انعقاد المؤتمر يعتبر مؤشراً على بدء تنفيذ البرتوكولات السرية التي أقرها مؤتمر شورى الحركة في يونيو الماضي؛ وأن تأسيس "حركة المستقبل" بمثابة معركة وجودية أخيرة للحركة الإسلامية تقودها عبر واجهة سياسية.

ويُنظر إلى الحركة على أنها محاولة لجمع صفوفهم بعد فشل تجربة التيار الإسلامي العريض ونداء السودان الذي قاده رجل الصوفية الشيخ الطيب الجد. وينظر إليها أيضاً على أنها مؤشر على الانقسام الداخلي للحركة الإسلامية بين مجموعة قيادة المؤتمر الوطني المحلول (إبراهيم غندور وإبراهيم محمود)، وتيار علي كرتي الذي تعبر عنه الحركة.

كذلك يُنظر إلى عقد مؤتمر الحركة على أنه محاولة للضغط السياسي والعسكري على رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بعد استجابته للضغوط الدولية، وأن انعقاد المؤتمر في قاعة الصداقة مؤشر على محاولات السلطة تجاوز عقبة حظر المؤتمر الوطني وإفساح المجال للكيان الجديد.

في هذا السياق، أكد جعفر حسن الناطق الرسمي باسم "الحرية والتغيير"، وجود مهددات للعملية السياسية تتمثل بما يقوم به الفلول الآن من خلال منصات متعددة داخل وخارج السودان تعمل على تغذية خطاب الكراهية بشكل مستمر، والغرض منها الوصول بالسودان إلى حالة انسداد مجتمعي شامل. واتهم في مؤتمر صحفي مجموعة علي كرتي بتغذية الصراع بين الأجهزة العسكرية في السودان، وخلق فوضى داخل الدولة السودانية، وأيضاً عرقلة العملية السياسية وبث خطاب الكراهية بين مكونات الشعب السوداني، (موقع "دبنقا" السوداني، 17 مارس 2023).

ولعل من الملاحظ أيضاً أن الإسلاميين في السودان، بدأوا التحرك على جبهات متزايدة، وبشكل أكثر وضوحاً وبملامح أكثر تهديداً لأمن واستقرار السودان، برز هذا في فبراير الماضي، خلال اجتماع لتنسيق حملة للمطالبة بإطلاق سراح الرئيس المعزول عمر البشير وأعوانه المعتقلين على ذمّة القضية الخاصة بانقلاب 30 يونيو 1989، ولوحوا بإسقاط توقيع الاتفاق النهائي حول العملية السياسية عبر إغلاق إقليم شرق السودان. 

وقد كشف أحد المتحدثين خلال الاجتماع عن ترتيبات سرية وجيوش أعدّت لإغلاق إقليم شرق السودان بالتزامن مع توقيع الاتفاق النهائي حول العملية السياسية. وقال مبارك النور، وهو نائب سابق في البرلمان بولاية القضارف، إنه "قادر على تحريك جيش لإغلاق الشرق، من أجل إطلاق سراح عمر البشير وأعوانه متى طلب منه ذلك"، (صحيفة العرب اللندنية، 23 فبراير 2023).

في الواقع، منذ سقوط نظام البشير في أبريل 2019، ظل الإخوان المسلمون من أنصار النظام السابق يعملون دون هوادة على إعاقة مسار الانتقال الديمقراطي في السودان بمختلف السبل، ومن الواضح أنهم قد جمعوا أمرها على تبني استراتيجية لإفشال الاتفاق السياسي بين العسكريين والمدنيين والحكومة الانتقالية التي ستنجم عنه. وتستند استراتيجية أنصار النظام السابق الهادفة لإفشال الاتفاق السياسي وعرقلة أداء الحكومة القادمة على مرتكزات هي: 

1. تكوين المليشيات الجهوية والقبلية.

2. المضاربة في أسعار العملة الصعبة.

3. الإضرابات المطلبية.

4. تأجيج الصراع بين مختلف المكونات الاجتماعية (القبائل). 

أما المستجد في الفترة الأخيرة فهو إقدامهم على تكوين مليشيات عسكرية مسلحة تحت دعوى مساندة الجيش السوداني والدفاع عن المكونات الاجتماعية في وسط وشمال السودان، وتكمن خطورة الخطوة في أنها حتماً، وفي ظل الاحتقان الاجتماعي العميق الذي تعيشه البلاد، ستؤدي إلى مواجهات مسلحة تصعب السيطرة عليها، (موقع برق السودان، 13 مارس 2023).


قيادة الجيش وتحركات الإخوان المسلمين

من المفهوم أن تحركات الإخوان المسلمين في السودان لم تكن لتحظى بهذا الكمّ من الزخم لولا وجود ضوء أخضر ضمنيّ من قبل الجيش أو بعض أجنحته. ويمكن ملاحظة هذه الحقيقة في الخلافات العلنية التي تكشّفت خلال الأسابيع الأخيرة بين رأسي المكوّن العسكري في السودان، عبد الفتاح البرهان قائد الجيش ومحمد حمدان دقلو حميدتي قائد قوات الدعم السريع، قبل أن تهدأ تلك العاصفة مؤقتاً باتفاق الطرفين على تكوين لجنة أمنية مشتركة لمتابعة الأوضاع الأمنية في البلاد.

ويُنظر إلى الاتفاق الإطاري -الذي وُقع في ديسمبر 2022- على أنه السبب في تجدد الخلافات بين البرهان وحميدتي. فرغم توقيعهما على نصه بخروج المؤسسة العسكرية من السلطة، فإن تصريحاتهما اللاحقة كشفت عن تباين، فبينما أقرّ حميدتي بـ"فشل الانقلاب"، وأعلن دعمه الكامل للاتفاق باعتباره مخرجاً، أخذت تصريحات البرهان لغة التملص من الاتفاق.

في هذا الصدد، سبق أن نقلت (صحيفة سودان تريبيون) في سبتمبر 2022 عن مسؤولين سودانيين أن إرشادات قدمها مقربون من حميدتي وتحليلات أجرتها استخبارات الدعم السريع، أكدت أن البرهان سعى عقب إجراءات 25 أكتوبر 2021 والإطاحة بحكومة عبد الله حمدوك، لتعزيز سيطرته على مفاصل الخدمة المدنية، وإعادة الإسلاميين عبر قرارات قضائية لضمان الولاء. و"جاء اتخاذ البرهان تلك الخطوةَ للحد من سيطرة حميدتي عليها". 

ونقلت الصحيفة عن مستشار سابق لحميدتي أن الجزئيات الخاصة بإعادة الإسلاميين ومنسوبي النظام السابق لوظائفهم بالخدمة المدنية، ذات أهمية بالغة في التأثير على قائد الدعم السريع من منطلق مشاعر الكراهية التي لا يخفيها الإسلاميون لحميدتي، (موقع "مصر 360"، 16 مارس 2023).

يقول الكاتب الصحفي الجميل الفاضل أن قادة الإنقلاب من ضباط الجيش، بدأوا في غضون اليومين الماضيين تحركات أقل حذراً، تسعى لإيجاد مقاربة، تُمكَّنُ الحركة الإسلامية بزعامة علي كرتي، من الحصول على موطئ قدم أياً كانت مساحته وحجمه، على خارطة الفترة الانتقالية المرتقبة، التي دخلت بالفعل عمليةُ التأسيس لها المراحلَ النهائية تحت وطأة ضغط دولي متنوع وكثيف.

ومما يعزز فرضية دعم قادة الجيش لاستعادة الحركة الإسلامية أدوارها السياسية، سماح السلطات الانقلابية لحركة كرتي بتدشين نشاط ذراعها السياسية "حركة المستقبل للإصلاح والتنمية" الحزب المُستنسخ من حزب "المؤتمر الوطني" المحظور، من قاعة الصداقة بالخرطوم الأربعاء الماضي. فيما كشفت أنباء متواترة عن لقاء ضم قائد الانقلاب وعناصر فاعلة من حزب المؤتمر الوطني المحلول بمدينة القولد (شمال السودان)، ورجح مراقبون أن لقاءات البرهان بعناصر الحزب المحظور تأتي ضمن استراتيجية شاملة تهدف للحيلولة دون خروج الجيش من العمل السياسي، وبالتالي انكشاف ظهر العناصر الإخوانية أمام السلطة المدنية الجديدة، (سودان تربيون). 


قراءة ظهور علي كرتي علناً 

"الضوء الأخضر" الممنوح للإخوان المسلمين في السودان كان واضحاً عندما ظهر القيادي الإسلامي في النظام السوداني المعزول، علي كرتي، المطلوب قضائياً، بشكل مفاجئ وعلني أمام سكان ولاية الجزيرة في وسط السودان، كما أشرنا.

ويرى مراقبون أن الظهور العلني لكرتي لا يخرج عن الحراك الذي تقوده التيارات الإسلامية لترتيب أوضاعها الداخلية، وينصب تركيزها الأكبر في الاستعداد للانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية المقبلة. وأن قيادات الإسلامية لها تقديرات مختلفة في التعامل مع الأوضاع السياسية الراهنة. 

ويأتي ظهور كرتي العلني في إطار العمل التنشيطي الذي بدأ وسط جماهير الإسلاميين لاستعادة القواعد التي فقدوها خلال المرحلة السابقة. ويُشير مراقبون إلى خلافات كبيرة بين قيادات النظام المحظور الموجودة داخل السجون والقيادات بالخارج، حول التعاطي مع الأوضاع السياسية في البلاد، إذ ترى المجموعة الأولى أن قيادات الخارج لا تتحرك في اتجاه خيارات سياسية حقيقية تعيدهم إلى السلطة مرة أخرى. وتميل المجموعة الثانية إلى وجوب مواجهة أحزاب تحالف "الحرية والتغيير" وأيضاً المكون العسكري، من خلال نشاط سلمي ومظاهرات مستمرة، فإن مجموعة كرتي تميل للمهادنة السياسية باعتبار أن خيار التصعيد لن يكون مضمون العواقب، (صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، 19 مارس 2023).

ويمكن فهم ظهور كرتي في سياق الحملة الإعلامية التي يشنها الإعلام الموالي للتيار الإسلامي في السودان، والذي يعمل على استثمار الخلافات بين البرهان ودقلو، للضغط على الأول باتجاه التملص من العملية السياسية الراهنة والدفع بدلاً من ذلك باتجاه الانتخابات. وكانت صحيفة النيلين السودانية نشرت في الـ 7 مارس 2023 تقريراً قالت فيه: "بدلاً من أن تتم محاصرة البرهان باعتباره ضد المدنية وضد التحول الديمقراطي، ويزايد عليه حميدتي على أنه مع تسليم السلطة لحكومة مدنية بالكامل؛ فإن على قائد الجيش أن يحسم هذه المزايدة بإعلان موعد للانتخابات وتسليم السلطة لمن ينتخبه الشعب".


حديث الفريق ياسر العطا حول عقد اتفاق مع التيار 

من خلال تزامن ظهور كرتي، مع تصريحات أطلقها عضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا، بأن الجيش يعتزم توقيع اتفاق مع التيار الإسلامي لإبعاد التطرف الديني، وضمان ترسيخ الديمقراطية وعدم الانقلاب عليها؛ فإن المزيد من الشكوك باتت مطروحة حول تنسيق ومحادثات داخل الغرف المغلقة بين الجيش والإسلاميين. ومن المهم عند قراءة تصريحات الفريق العطا، معرفة أن الرجل لا يحمل ميولاً إسلاموية، ما قد يُشير إلى أن هذه التصريحات تنبع من أحد اتجاهين: الأول، وفاؤُه لقادته من الإسلاميين خلال حكم البشير؛ والثاني، الصراعُ على السلطة في سياق عدم الرغبة في نقل الحكم إلى المكون المدني.

في هذا السياق  تحدثت وسائل إعلام سودانية عن محادثات سرية بين المكون العسكري والنظام البائد تهدف لعقد مصالحة بين رموز وقيادات من الصف الثاني وما قبله من غير المتورطين في دماء الشعب ووقف عمل لجنة إزالة التمكين. ويرى مراقبون أن تصريحات العطا، تعد بمثابة اتفاق بين المنظمات الإسلامية، حتى التي ليس لديها انتماء للحركة الإسلامية وكان لديها ولاء لسلطتها، (صحيفة التغيير السودانية، 20 مارس 2023).

ومن الممكن ملاحظة هذه المصالحة بين الجيش والإسلاميين فيما أشارت إليه تقارير حول تحرك مليشيا "درع السودان" التابعة للإخوان المسلمين في مدن رئيسية بالبلاد بينها العاصمة الخرطوم بكامل عتادها وهي تنشط في عمليات تجنيد واستقطاب حاد وسط السكان، في وقت تغض فيه السلطات الطرف عن هذه التحركات، (شبكة عاين السودانية، 1 مارس 2023).

من ناحية أخرى، فإن تصريح العطا يحمل ملمحاً تحذيرياً، باعتبار أن الإسلاميين، إذا لم يتم التواصل معهم، يمكن أن يتبعوا منهجاً جديداً وسلوكاً يمكن أن يكون فيه تهديد للأمن القومي وينحو منحى الإرهاب، (صحيفة التغيير السودانية، 20 مارس 2023).


استنتاجات 

من المفهوم أنّ قيادة الجيش وبعض أعضاء مجلس السيادة العسكريين واصلوا بشكل متكرر التعبير عن تحفظات حول الاتفاق الإطاري رغم توقيعهم عليه. كذلك يظل الاتفاق الإطاري للتحول المدنيليس خيارا لهم ، فالعسكريون يفضلون استمرار الوضع الذي تمّ بعد إجراءات البرهان في 25 أكتوبر. 

وفيما يستفيد التيار الإسلامي من هذه الحقيقة ويعمل على تحويلها إلى فرصة للعودة إلى المشهد السياسي في البلاد، إلا أنهم يواجهون معضلاتهم الخاصة، بما في ذلك خلافات بين القيادات القابعة داخل السجون والقيادات في الخارج.            


صوت الإخوان يرتفع في الدول العربية ويخفت في أوروبا

منذ اندلاع الحرب في غزة، نشط تنظيم الإخوان بكثافة، ورغم أنه كان من المتوقع أن يشكل عبر دعواته لمظاهرات واحتجاجات ضخمة في الدول الأوروبية ضغطاً لإيقاف الحرب، فإن ما فعله كان العكس، حيث أحجم عن الظهور في الواجهة هناك؛ لتخوف قياداته من تضرر مصالحهم الشخصية وطردهم أو سحب الإقامات والجنسيات منهم في الدول الأوروبية، وفي المقابل أعلنوا النفير العام في بعض الدول العربية، وباتوا يقدمون أنفسهم في واجهة قيادة المظاهرات والاحتجاجات، الأمر الذي كشف ازدواجية التنظيم في التعامل مع حرب غزة، وأنه يراها في الأساس فرصة للعودة إلى الواجهة السياسية في الشرق الأوسط. ارتباطاً بالموقف المشار إليه تسلط هذه الدراسة الضوء على التداعيات المحتملة لحرب غزة على نشاط الإخوان المسلمين في أوروبا، وتحاول تفسير المقاربة التي يتبنونها في التعاطي مع الأحداث الجارية في الأراضي الفلسطينية. 

المواقف الأوروبية من الإخوان بعد حرب غزة

رغم أن الإخوان أحجموا عن الظهور في المظاهرات بالدول الأوروبية، فإن الحكومات هناك باتت تتوجس من أخطار التنظيمات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان بعد حرب غزة، وهناك العديد من الأسباب التي أثارت المخاوف بهذا الخصوص، منها تنامي مشاعر الاحتقان بين المسلمين واصطفاف الكثير من الدول الأوروبية، مع إسرائيل، فضلاً عن تنامي اليمين المتطرف في العديد من تلك الدول، وتزايد نشاط الإخوان الذين يستغلون كل تلك الأحداث لاستقطاب الأفراد المتطرفين وتجنيديهم خاصة بين المهاجرين، والذين كانوا منتمين أو مؤيدين لتنظيمي داعش والقاعدة في سوريا والعراق.

استناداً إلى تلك المخاوف، كثفت الاستخبارات الأوروبية عامة والألمانية والفرنسية بشكل خاص جهودها في جمع المعلومات عن طبيعة العلاقات المستترة بين الإخوان المسلمين والمنظمات الإسلامية من جانب، والإخوان وباقي التنظيمات المتطرفة مثل تنظيمي داعش والقاعدة؛ للحد من أخطار التنظيم وسد الطريق أمام أي محاولات لتنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا.

ومن بين الإجراءات التي تحاول ألمانيا اتخاذها والتي قد تكون الأخطر على الإخوان ونشاطهم، سن قانون يمنع مَن ارتكبوا أفعالاً معادية للسامية من الحصول على الجنسية الألمانية (موقع الحرة، 25 أكتوبر 2023). فتمرير قانون كهذا سيسمح بحظر الكثير من المنظمات والجمعيات الإخوانية بتهمة دعم حماس، وبالتالي معادة السامية، وطرد الكثير من عناصر الإخوان المؤيدين لحماس، أو حرمانهم من الجنسية، وكل هذه الأمور قد تثير مخاوف الجالية المسلمة في ألمانيا وتؤدي إلى نفورها من التنظيم. 

وهذه المخاوف ستدفع الإخوان إلى البحث عن أساليب بديلة لضمان تغلغلهم داخل الجالية المسلمة، وذلك عبر تأسيس منظمات وجمعيات جديدة تختلف كلياً عن الشكل القديم للمنظمات الإخوانية وخاصة التي باتت مكشوفة الانتماء بالنسبة للسلطات الألمانية، فيما سيحرص الإخوان على أن ترفع المنظمات الجديدة شعارات تدعو إلى الديمقراطية والسلام والاندماج وغيرها من الشعارات التي تُبعد الشبهات عن أي صلة بينها وبين الإخوان، وذلك بهدف الحفاظ على مصادر تمويلها والقدرة على التغلغل داخل الجاليات المسلمة دون أن يثير ذلك مخاوف تلك الجاليات.

وما قد يدفع الإخوان إلى التحرك بسرعة أكبر لتأسيس تنظيمات وجمعيات بديلة عن التي باتت مكشوفة، هو الجهود التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الأكثر شعبية في ألمانيا، منذ نهاية شهر أغسطس الماضي، بهدف وضع برنامج جديد يتضمن مكافحة الإخوان (DW الألمانية، 16 ديسمبر 2023). وهذا الأمر إن دخل حيز التنفيذ سيشكل ضربة قوية لنشاط وتمويل الإخوان في ألمانيا، خاصة أن البرنامج الجديد للحزب يشمل منع الجمعيات الإسلامية والقومية من أن تكون شريكة في المناقشات أو العقود وتلقي التمويل الحكومي. 

ولا شك في أن مثل هذا البرنامج في حال تطبيقه ستكون له تداعيات كبيرة على مصادر تمويل الإخوان ونشاطهم داخل ألمانيا، خاصة أنه يوجد في ألمانيا ما يقارب 960 جمعية ومركزاً إسلامياً، غالبيتها تعمل تحت مظلة الاتحاد التركي الإسلامي (DITIB). إلا أنه وفي ظل التطورات الجديدة التي أحدثتها حرب غزة والتي أثارت مخاوف الحكومات والشعوب الأوروبية، يبدو أن تنظيم الإخوان سيواجه مصيراً مظلماً داخل القارة الأوروبية التي لطالما وفرت حواضنَ للتنظيم وقدمت كافة أوجه الدعم له. حتى وإن أسست جمعيات ومنظمات جديدة، فإن فائدتها ستقتصر على النواحي المادية أكثر من الأيديولوجية، لأنها ستكون محكومة هذه المرة بالحرص على عدم الكشف عن توجهاتها الإخوانية، وبالتالي لن تتمكن من التأثير في الجاليات المسلمة في ألمانيا كما كانت تفعل سابقاً.

وفيما تتشكل ملامح جبهة جديدة ينوي "حزب الحرية النمساوي" فتحها ضد الإسلام السياسي، باتت تتصدر المشهد السياسي والإعلامي في البلاد، وخاصة بعد اجتماع اللجنة الفرعية "للتطرف" في برلمان ولاية النمسا العليا بتاريخ 28 سبتمبر 2023. وقال سكرتير حزب الحرية الشعبوي، مايكل جروبر خلال الاجتماع: "إن الخطر الكبير هو الإسلام السياسي (..) تم مؤخراً إنشاء خلية مكونة من عشرة من المتعاطفين مع داعش في لينز لاند، مما شكل تهديداً حقيقياً؛ لهذا السبب، وبإصرارنا، سيكون الاجتماع القادم للجنة الفرعية للتطرف أيضاً تحت عنوان الإسلام السياسي".

بالنسبة لأوروبا لا تكمن المشكلة في ازدياد عدد المسلمين وإنما في التطرف والإرهاب والسلوك العنيف الذي يُمارَس نتيجة للتربية الأيديولوجية المتطرفة التي يكرسها تنظيم الإخوان المسلمين والسلفيون في البلاد. تلك الأيديولوجية تمنع المسلمين من الاندماج في المجتمع النمساوي وتعزز الانفصالية الإسلاموية وتؤدي إلى خلق كيان موازٍ داخل الدولة النمساوية، وهذا ما يثير مخاوف الحكومة والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في البلاد. لذا توقع مسؤولو أمن أوروبيون تزايد التهديدات بوقوع هجمات ينفذها إسلاميون أصبحوا متشددين بسبب الحرب بين إسرائيل والفلسطينيين، مرجحين أن تمثل "الذئاب المنفردة" الخطر الأكبر. 

في المحصلة، قد تواجه الدول الأوروبية بعد حرب غزة خطرين: الأول، هو تصاعد نفوذ الإخوان المسلمين وسيطرتهم على أكبر المراكز الإسلامية؛ والثاني، يتمثل في انتشار جماعات اليمين المتطرف وممارساتها العنصرية ضد الأقليات وبالأخص الجالية المسلمة. لذا ومع تزايد أخطار تيار الإسلام السياسي، تصبح قضية دمج المسلمين في المجتمع الأوروبي من أولويات عمل الحكومة ومنظمات المجتمع المدني لسد أي ثغرات في العلاقات بين الجاليات المسلمة وباقي فئات المجتمع، وصد محاولات الإخوان استقطاب فئات الشباب نحو التطرف باستغلال حرب غزة وممارسات جماعات اليمين المتطرف العنصرية ضد المسلمين.

ويبدو أن إعلان الحكومة الفرنسية في السابع من أكتوبر 2023 دعمها الكامل لإسرائيل، وسط تأكيد إيمانويل ماكرون أن الحرب ضد الإرهاب هي قضية مشتركة، بمثابة دعوة فرنسية صريحة لدول الاتحاد الأوروبي إلى توحيد موقفها حيال حماس والإخوان والتعاون في محاربة الإرهاب (المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، أكتوبر 2023).

الترويج لـ"الإسلاموفوبيا"

مقابل هذا التشديد من قبل الحكومات الأوروبية على نشاط الإخوان، بات التنظيم يحاول استغلال ذلك لتقديم نفسه كضحية سياسات عنصرية تمارس ضد المسلمين، إذ تُلاحَظ في الفترة الأخيرة زيادة ترويج الإخوان لمصطلح "محاربة الإسلاموفوبيا"، حيث يعقدون تحت هذا العنوان العديد من المؤتمرات ويدعون إليها العديد من العلماء والمفكرين والفنانين والشخصيات البارزة والأسماء المعروفة في الساحة الأوروبية بشكل خاص؛ لجذب الانتباه إلى هذه المؤتمرات ومخرجاتها ومطالبها. ومن خلال تتبع الأوضاع والظروف التي يمر بها التنظيم، يمكن استنتاج عدة أسباب وأهداف وراء تكثيفه عقد مؤتمرات "الإسلاموفوبيا"، ومنها:

- حالة التصدع غير المسبوقة التي يشهدها تنظيم الإخوان لافتقاده أدوات الترويج لأفكاره، عقب الرفض الشعبي له في الشرق الأوسط وظهور الخلاف الداخلي للعلن وتزامن الإجراءات المشددة ضده في عدة دول وخاصة تركيا. وفي الوقت الذي يستعد فيه التنظيم لتغيير إستراتيجيته للتأقلم مع التغيرات، يصطدم بغياب الرؤية الموحدة بين جبهتي "لندن وإسطنبول"، وهو ما يزيد الانقسام ويدفعه إلى البحث عن أساليب جديدة كعقد هذه المؤتمرات واستخدام "الإسلامفوبيا" كسلاح خطابي في لعبته السياسية. فباستخدام هذا المصطلح، يمكنه نشر التصور الخاطئ بأنّهم مسلمون عاديون معرضون لـ"الإسلاموفوبيا" بدلاً من كونهم جزءاً من "أيديولوجية تهدد المجتمع الأوروبي وقوانينه". والهدف هو خلق شعور بالمظلومية لدى كافة المسلمين في أوروبا، ودفع المسلمين حول العالم إلى التعاطف معهم.

- يحاول التنظيم تلميع صورته أمام الغرب عبر هذه المؤتمرات التي جاءت بالتزامن مع إجراءات غير مسبوقة من أوروبا ضده، حيث وضعت العديد من الدول قيادات وعناصر من التنظيم والكثير من جمعياته وشركاته ومنظماته على القائمة السوداء، وهو ما أدى إلى انكماش أنشطته وأثر في مصادر تمويله. ويبدو أن الإخوان يريدون تبرير التضييق الذي تتعرض له نشاطاتهم في أوروبا "بالإسلاموفوبيا" لا بمخططاتهم وأهدافهم التي باتت مكشوفة للاستخبارات الأوروبية كنشر التطرف والسعي لخلق مجتمعات موازية، ومنع اللاجئين المسلمين من الاندماج في المجتمعات الأوروبية. 

استنتاج

من الأضرار التي قد تلحق بشبكة التنظيمات الإسلامية والإخوان بشكل خاص، أنه مع صعود اليمن المتطرف، قد تتجه الأحزاب القومية واليسارية، التي كان بعضها يتقرب سابقاً من الإخوان ويتحالف معهم للحصول على أصوات المسلمين في الانتخابات، لتشكيل تحالفات مع أحزاب اليمين، وهذا يعني أنّ تلك الأحزاب التي كانت تغض النظر عن نشاط الإخوان داخل أوروبا لكسب أصواتهم في الانتخابات، قد تتخلى عنهم مقابل الحصول على أصوات المتطرفين، الأمر الذي سيزيد الضغوط والملاحقات لنشاط الإخوان في البلدان الأوروبية.

ولكن من بين الأمور التي قد تساعد الإخوان في التحايل على البرامج والقوانين الجديدة فيما يخص محاربة الإسلام السياسي، الدعم الذي يحظون به من قبل شخصيات وأحزاب داخل عدد من الحكومات الأوروبية وخاصة الألمانية والبريطانية. ومن بوادر ذلك الجدل الذي أثاره تمويل حكومة برلين، مجلس الأئمة في العاصمة الألمانية، والذي يضم أعضاء مرتبطين بالإخوان، رغم أن هذا المجلس تم تأسيسه لمنع الإخوان والإسلام السياسي من تدريب الأئمة.   

نشاط الإخوان في الدول العربية 

بعد خفوت بريق تنظيمات الإسلام السياسي في العقد الأخير في الكثير من البلدان العربية نتيجة ظهور التنظيمات الإرهابية كداعش والقاعدة وفروعهما التي ارتكبت الكثير من الجرائم، إضافة إلى فشل تنظيم الإخوان في إدارة البلدان التي حكمها كمصر وتونس، جاءت هجمات حماس الأخيرة على المستوطنات الإسرائيلية لتعيد الحركات الإسلامية إلى واجهة الأحداث، ولتفتح الباب أمام التنظيمات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان لإعادة الترويج لنفسها.

ومع تصاعد المعارك في غزة، وتوسع المظاهرات الشعبية في الشارع العربي الداعم للفلسطينيين، سارع تنظيم الإخوان إلى استغلال الفرصة لإظهار نفسه في الواجهة مدافعاً رئيسياً عن فلسطين، وذلك عبر نشر عدد من قيادات الإخوان دعوات لما يسمى "النفير العام" والمشاركة في "طوفان الأقصى" والهدف الأساسي تحريض الشعوب العربية ضد حكوماتها وتشويه صورة الحكام، ومحاولة استقطاب الشباب. وبهدف العودة بقوة إلى الواجهة سارع الإخوان بكافة جبهاتهم وتياراتهم إلى إصدار بيانات كان القاسم المشترك بينها دعوة العالم العربي والإسلامي لدعم حركة حماس، والهدف أن يُظهر الإخوان أنفسهم أنهم يقودون الحراك والتظاهرات التي يشهدها الشارع الداعم للقضية الفلسطينية.

وتمكن ملاحظة ذلك في بيانات كل من جبهتي "لندن وإسطنبول"، حيث جاء في البيان الصادر عن جبهة لندن باسم صلاح عبد الحق القائم بأعمال المرشد العام للإخوان المسلمون: "ردود الفعل الشعبية في العالم الإسلامي اليوم، هي رسالة بأن المقاومة الفلسطينية باتت تمثل ضمير العالم الإسلامي..، ولذلك فإننا ندعو المسلمين في كل بقاع الأرض أن يهبُّوا بالتظاهر والتفاعل الشعبي لدعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة". لتعقبها جبهة إسطنبول ببيان صدر باسم محمود حسين بتاريخ 7 أكتوبر، جاء فيه: "معركة طوفان الأقصى ليست معركة أهل فلسطين وحدهم، ولكنها معركة الأمة كلها..، يجب على كافة الشعوب العربية والإسلامية أن تهب نجدةً للأقصى". 

وبجانب محاولات جبهات التنظيم تقديم نفسها وكأنها تقود الشارع العربي الداعم للفلسطينيين، حاولت كافة أفرع الإخوان في البلدان العربية ركوب موجة التظاهرات والاحتجاجات واستغلالها للظهور في واجهة المشهد السياسي، وذلك باتباع أسلوبين، الأول الدعوة والمشاركة في التظاهرات وإصدار البيانات باسم المتظاهرين، والثاني استغلال المشاعر العربية الغاضبة تجاه إسرائيل لمهاجمة الحكومات العربية المناهضة للإخوان.

ورغم حدوث تراجع واضح في الحراك التنظيمي للإخوان خلال الفترة الأخيرة بفعل تغير اتجاهات السياسة الخارجية في المنطقة، فإنه كان مُلاحَظاً استغلالهم مساحة التحرك التي سُمح بها في الخارج، تحت وطأة التأثر النفسي للحكومات والشعوب بأحداث غزة المأساوية، عن طريق تنظيم فعاليات ومؤتمرات وندوات وتجمعات، يدعون من خلالها إلى الجهاد بالنفس والمال والكلمة، حيث يؤكد المشاركون في تلك الفعاليات على "الجهاد"، مما قد ينتج عنه ارتفاع نسبة التجنيد ضمن صفوف الجماعات الجهادية بفعل شحن المشاعر، خاصة في ظل تكرار عرض المشاهد الإنسانية المأساوية في غزة، كما أنه من المحتمل أن تؤدي الاستجابة إلى دعوة الجهاد بالمال إلى تزايد حصيلة التبرعات التي ستصب في خزائن الإخوان.

وإلى جانب النشاط التنظيمي للإخوان، يبث إعلام الجماعة من خلال قنواته ومنصاته على مدار الساعة، بشكل حصري مادة إعلامية تمجد "بطولات حماس" ممزوجة بالترويج لأدبيات الإخوان. من الواضح أن عملية "طوفان الأقصى" كانت متنفَّساً بالنسبة للإخوان وأعادتهم إلى الواجهة من بوابة فلسطين، حيث أفسحت المجال أمامهم للعب على وتري القومية والدين معاً هذه المرة للعودة إلى المشهد السياسي في العديد من البلدان العربية.

بات واضحاً أن الإخوان وجدوا في أحداث غزة فرصة لمهاجمة الدول العربية، مقابل محاولة تقديم أنفسهم على أنهم أكثر وطنية. أما الهدف الأساسي من دعوات قيادات الإخوان للشعب والشباب العربي للنفير فليس دعماً لفلسطين في مواجهة إسرائيل، بل محاولة لاستغلال هذا الحدث، لتحريض الشعوب ضد حكوماتها، وخاصة في الدول المجاورة لإسرائيل كمصر والأردن وسوريا ولبنان، وهو ما ينذر بمزيد من الانقسامات الاجتماعية في المنطقة، مما قد يتسبب في مزيد من الإحباط والعدوانية لدى الشباب، ومزيد من التطرف والإرهاب في المنطقة. 

خاتمة: 

وسط الخسائر والنكسات المتتالية التي تعرض لها الإخوان في معظم الدول العربية، وفقدانهم السطلة والكثير من القاعدة الشعبية في العديد من البلدان العربية، ووسط الانقسامات الداخلية لتنظيم الإخوان التي أفقدته الكثير من تأثيره، جاءت عملية "طوفان الأقصى" التي أطلقتها حماس الإخوانية كفرصة جديدة للتنظيم لاستغلالها للصعود إلى المشهد السياسي والاجتماعي في الوطن العربي، مستغلاً تناميَ المشاعر المتعاطفة مع أهالي غزة والفلسطينيين، ليظهر الإخوان في واجهة العديد من المظاهرات والحراك الشعبي الذي تشهده دول المنطقة.

ورغم تقارير الاستخبارات الأوروبية بشأن تنظيمات الإسلام السياسي، وأنها باتت أكثر خطورة من التنظيمات الجهادية السلفية لأن عملها يعتمد على التخفي والسرية واتخاذ المساجد والمراكز الإسلامية واجهة، فإنه لا يزال هناك بعض القصور بشأن كيفية تنفيذ قرارات إدراج الأفراد والكيانات والتنظيمات الإرهابية على قوائم الإرهاب في أوروبا. ويبدو أن ما يدفع دول أوروبا إلى التأني والحذر بشأن حظر أو تصنيف أو إدراج التنظيم على قوائم الإرهاب، هو الخوف من استهداف مصالحها حول العالم لاسيما في الشرق الأوسط، وكذلك الخوف من تنفيذ هجمات إرهابية على أراضيها، كما أن لبعض السياسيين مصالحَ في التقرب من الإسلام السياسي لكسب الأصوات المسلمة في الانتخابات؛ لأن الإخوان يضعون أنفسهم ممثلين للجاليات المسلمة في المراكز والجمعيات. 

قائمة المراجع:

- 1-مقترح قانون في ألمانيا يمنع "من يعادون السامية" من الحصول على الجنسية، موقع الحرة، 25/10/2023: https://icss.ae/short/link/1708329684 

- 2- ويليام جلوكروفت: ألمانيا.. الموقع الجديد للكنيسة الكاثوليكية من الإسلام والجدل حوله، DW الألمانية، 16/12/2023: https://icss.ae/short/link/1708329853 

- 3- جاسم محمد: الإسلام السياسي في ألمانيا ـ مشروع قانون لرصد تمويل الجماعة، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات: https://icss.ae/short/link/1708330094 

- 4- بيان جبهة لندن التابعة للإخوان المسلمين بشأن عملية "طوفــان الأقــصى"، 7/10/2023: https://icss.ae/short/link/1711092395 

- 4- بيان جبهة إسطنبول التابعة للإخوان المسلمين بشأن "طوفان الأقصى"، 7/10/2023: https://icss.ae/short/link/1711092505 


No record found!!!

About Us
  • المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية هو منصةٌ مؤسسية بحثية مقرها أبوظبي، يسعى لخدمة المجتمع متوخيا الموضوعية، والدقة، والشفافية، والابتكار. في سبيل ذلك يعمل المركز كحاضنة لصناعة الافكار والحقائق التي تثري الحوار العام وتدعم اتخاذ القرار السليم، ملتزما بإجراء البحوث والدراسات بطريقة محايدة ومنفتحة وتفي بأعلى معايير النزاهة المنهجية.
  • ولفهم ومعالجة أفضل للقضايا المحلية والإقليمية والعالمية الأكثر تحديًا، ينشط المركز في إجراء الدراسات والبحوث الميدانية في دولة الإمارات العربية وخارجها، فضلا عن الدراسات التحليلية في الشئون السياسية، والجيوسياسية والعلاقات الدولية، كما يدرس التغيرات الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية علاوة على البحث في إشكاليات التطرف والإرهاب بشكل خاص.
  • وفي سبيل تجويد إصداراته، يتعاون المركز مع مجموعة من الباحثين والخبراء المحليين والدوليين ذوي الخبرات الواسعة والرؤى المعمقة في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مستخدما كافة وسائل النشر التقليدي والرقمي في المخرجات النهائية. علاوة على ذلك كله، يشارك المركز في معارض الكتب والمؤتمرات المحلية والخارجية، وينظم اللقاءات والمحاضرات وورش العمل التدريبية، في مجالات متعددة.