استشرافات
تفكيك العقد الأساسية في المفاوضات الإيرانية-الأمريكية
01-Jun-2026
على الرغم من إدراك واشنطن وطهران أن التفاوض يبقى أقل كلفة من المواجهة العسكرية، فإن كل جولة حوار تصطدم بخلافات جوهرية حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمي لإيران، والضمانات المطلوبة لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي. وقد أظهرت التجارب السابقة أن التوصل إلى تفاهم أولي لا يعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق نهائي، لأن كل طرف يسعى إلى حماية مصالحه الأساسية وتجنب تقديم تنازلات قد تُفسَّر داخليًا على أنها تراجع أو ضعف.
وتتمسك الولايات المتحدة بأن أي اتفاق يجب أن يضمن عدم
امتلاك إيران قدرة عسكرية نووية، مع فرض رقابة صارمة على أنشطة التخصيب والمواد
النووية الحساسة، بينما تشترط إيران رفع العقوبات الاقتصادية بصورة ملموسة والحصول
على ضمانات تمنع تكرار الانسحاب الأمريكي من أي اتفاق مستقبلي. وبين هذه الشروط
المتبادلة تبقى المفاوضات رهينة فجوة واسعة في التصورات والمصالح، ما يجعل مسارها
طويلًا ومتعرجًا رغم استمرار الحاجة المتبادلة إلى الحل الدبلوماسي.
تداخل الجبهات
في السياق تمر المنطقة بواحدة من أعقد وأخطر المراحل
الجيوسياسية في تاريخها الحديث، حيث تشتبك الخيوط وتتداخل الجبهات من غزة ولبنان
وصولاً إلى المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن. ورغم جولات الدبلوماسية المتقطعة
والهدن الهشة، يبدو المشهد الإقليمي معلقاً بين رغبة الأطراف في تجنب حرب شاملة
مدمرة، وبين غياب الإرادة السياسية لتقديم تنازلات جوهرية تصنع سلاماً مستداماً.
يتناول هذا
المقال تفكيك العقد الأساسية في المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، وأبرز العقبات
التي تحول دون الوصول لاتفاقات دائمة لوقف الحروب المستعرة، مع استشراف
السيناريوهات المحتملة لمجريات الأمور.
أولاً: عقد المفاوضات
المفاوضات بين
واشنطن وطهران ليست مجرد خلاف دبلوماسي على بنود تقنية، بل هي صراع إستراتيجي
وجودي يفتقر إلى الحد الأدنى من الثقة المتبادلة. وتتمحور العقد الإستراتيجية بين
الطرفين حول ثلاث نقاط رئيسية:
الكل أو لا شيء في
الملف النووي
تصر الولايات
المتحدة على ضرورة عودة إيران إلى قيود صارمة على برنامجها النووي، خاصة بعد
التقدم الهائل الذي أحرزته طهران في نسب تخصيب اليورانيوم ومخزونه. في المقابل،
ترى إيران أن أي تراجع من طرفها يجب أن يقابله رفع كامل وفوري لكافة العقوبات
الاقتصادية، مع تقديم ضمانات قانونية ملزمة بعدم انسحاب أي إدارة أمريكية مستقبلية
من الاتفاق ، وهو ما تعجز الإدارة الأمريكية الحالية عن تقديمه بسبب التعقيدات
التشريعية داخل الكونغرس.
حلفاء إيران والنفوذ الإقليمي
بالنسبة لواشنطن،
لا يمكن فصل الملف النووي عن "سلوك
إيران الإقليمي" ودعمها
المالي والعسكري لشبكة حلفائها في المنطقة (حزب الله، حماس، الحوثيين، والفصائل
العراقية). أما طهران، فترفض قطعياً إقحام هذا الملف في المفاوضات، وتعتبر
تحالفاتها الإقليمية وعمقها الإستراتيجي خط الدفاع الأول والأهم عن أمنها القومي،
وأداة ردع حيوية غير قابلة للمساومة.
أمن الممرات المائية وحرية الملاحة
يعتبر أمن الطاقة
وحرية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز وباب المندب عقدة مستحكمة؛ إذ تستخدم
إيران ورقة إغلاق أو تقييد الحركة في مضيق هرمز كأداة ضغط قصوى للتصدي للحصار
البحري والعقوبات الأمريكية، بينما ترى واشنطن في ذلك تهديداً مباشراً للاقتصاد
العالمي والأمن السلمي الدولي.
ثانياً: صعوبات الوصول
لاتفاق وقف الحرب
على الرغم من
إعلان هدن مؤقتة واتفاقات وقف إطلاق نار هشة (مثل الهدنة المؤقتة في لبنان)، فإن
الانتقال إلى مرحلة السلام الدائم وتفكيك الأزمات يواجه حوائط صد صلبة:
غياب الرؤية
السياسية الشاملة: إن أي اتفاق لوقف الحرب في غزة أو لبنان يظل مؤقتاً ومحكوماً
بالفشل ما لم يرتبط برؤية سياسية واضحة ومستدامة. في فلسطين، تصطدم خطط الإدارة
الانتقالية المدعومة دولياً برفض حماس التخلي عن سلاحها، ورفض إسرائيل القاطع
لتقديم مسار حقيقي يقود لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
شروط نزع السلاح
والانسحاب المتبادل: تشترط الخطط المدعومة أمريكياً تفكيك القدرات العسكرية
للفصائل المسلحة وبدء عملية نزع سلاح حقيقية كشرط مسبق لتمويل إعادة الإعمار
وإعادة السيادة المدنية. هذا الشرط تراه الفصائل انتحاراً سياسياً وعسكرياً، خاصة
في ظل استمرار القصف الإسرائيلي المتقطع وغياب القوات الدولية القادرة على توفير
الحماية.
الحسابات
السياسية الداخلية للقادة: يلعب الداخل السياسي دوراً معطلاً؛ فرئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطاً من اليمين المتطرف ويربط بقاءه السياسي
باستمرار الضغط العسكري وعمليات "الردع
والتطهير". وعلى
المقلب الآخر، تجد القيادة في طهران أن تقديم تنازلات كبرى تحت الضغط قد يُفسر
محلياً وإقليمياً على أنه انكسار للإستراتيجية الإيرانية.
مقاربات أميركية للمفاوضات
ينظر مركز بروكينغز إلى التفاوض مع إيران باعتباره
أداة ضرورية لإدارة المخاطر النووية والإقليمية، وليس وسيلة لتحويل إيران إلى شريك
استراتيجي. ويرى باحثوه أن التجربة أثبتت محدودية سياسة "الضغط الأقصى"
عندما تُستخدم منفردة، وأن أي تسوية مستدامة يجب أن تقوم على قيود قابلة للتحقق
على البرنامج النووي مقابل حوافز اقتصادية وسياسية محدودة. كما يؤكد المركز أن
البديل عن الدبلوماسية هو إما سباق تصعيد نووي أو مواجهة عسكرية مكلفة للولايات
المتحدة وحلفائها.
ويتبنى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مقاربة
أمنية واقعية؛ فهو لا يعارض التفاوض، لكنه ينظر إليه كجزء من استراتيجية أوسع تشمل
الردع العسكري، وطمأنة الحلفاء الخليجيين، واحتواء النفوذ الإيراني الإقليمي. ويرى
باحثوه أن نجاح أي مفاوضات يتوقف على وجود آليات رقابة صارمة وقابلة للتنفيذ، وأن
الاتفاقات التي لا تعالج التوازنات الأمنية الإقليمية قد تؤجل الأزمة ولا تحلها.
لذلك يركز المركز على الربط بين الدبلوماسية والقدرة على فرض التزامات إيران إذا
أخلّت بالاتفاق.
أما معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى فيرى أن
إيران تستخدم المفاوضات في كثير من الأحيان لكسب الوقت وتخفيف الضغوط دون تقديم
تنازلات استراتيجية جوهرية. لذلك يدعو إلى التفاوض من موقع قوة، مع الإبقاء على
العقوبات والتهديد العسكري كأدوات ضغط موازية. ويشدد باحثوه على أن أي اتفاق جيد
يجب ألا يقتصر على الملف النووي فحسب، بل يأخذ في الاعتبار الصواريخ الباليستية
والشبكات الإقليمية المرتبطة بإيران، مع نظام تحقق صارم وطويل الأمد.
ثلاثة سيناريوهات
عليه يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار
المفاوضات الأمريكية–الإيرانية وتداعياتها الإقليمية:
اتفاق مرحلي واحتواء التصعيد
ينجح الطرفان في التوصل إلى تفاهمات محدودة تتناول
الملف النووي بصورة جزئية، مقابل تخفيف محدود للعقوبات والإفراج عن بعض الأصول
المالية الإيرانية. ويؤدي هذا السيناريو إلى خفض مستوى التوتر في المنطقة واحتواء
احتمالات المواجهة المباشرة، دون معالجة الملفات الخلافية الكبرى مثل النفوذ
الإقليمي والصواريخ الباليستية. ووفق هذا المسار، تستمر إدارة الأزمات بدلاً من
حلها، مع بقاء الاتفاق هشًا وقابلًا للانتكاس عند أي تغير سياسي في واشنطن أو
طهران.
استمرار الجمود والتصعيد المنضبط
يفشل الطرفان في تجاوز معضلة "الكل أو لا
شيء" المتعلقة بالعقوبات والبرنامج النووي، فتستمر المفاوضات بصورة متقطعة
دون اختراق حقيقي. وفي الوقت نفسه تتواصل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية،
مقابل استمرار إيران في تطوير قدراتها النووية وتعزيز أوراق نفوذها الإقليمي.
ويُرجح أن يبقى التصعيد في هذا السيناريو تحت سقف الحرب الشاملة، من خلال
المواجهات غير المباشرة والضربات المحدودة وحروب الوكالة في عدة ساحات إقليمية.
انهيار المسار التفاوضي والمواجهة الواسعة
يتحقق هذا السيناريو إذا انهارت قنوات الحوار بالكامل،
أو إذا وقع تطور أمني كبير في الخليج أو الساحات المرتبطة بإيران يدفع الأطراف إلى
التصعيد المباشر. عندها قد تتجه الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تشديد الضغوط وربما
تنفيذ عمليات عسكرية أوسع، فيما تستخدم إيران أوراقها الإقليمية وقدراتها المرتبطة
بأمن الممرات البحرية للرد. ويُعد هذا السيناريو الأكثر كلفة وخطورة على الاستقرار
الإقليمي والاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل معظم الأطراف تحاول تجنبه رغم استمرار
التوترات القائمة.