تُعد الحركة الإسلامية السودانية (إخوان السودان) نموذجاً فريداً في "التلون السياسي" والقدرة الفائقة على إعادة إنتاج نفسها عبر واجهات متعددة تتناسب مع طبيعة كل مرحلة تاريخية. هذا التحول المستمر لم يكن مجرد تغيير في المسميات، بل كان استراتيجية واعية لإدارة الصراع، والالتفاف على الأزمات، وتوسيع القاعدة الشعبية أو النخبوية حسب الحاجة، مما جعلها الرقم الأصعب في المعادلة السياسية السودانية لعقود طويلة.

استراتيجية الحرباء :

   تعتمد الحركة الإسلامية في تغيير جلودها على مبدأ "المرونة التنظيمية مقابل الجمود الأيديولوجي"؛ فهي تظل وفية لغاياتها الكبرى في الوصول إلى السلطة وتطبيق رؤيتها، لكنها تبدي مرونة مدهشة في اختيار القالب السياسي الذي يحقق ذلك. في بداياتها كـ "حركة تحرير إسلامي"، اختارت القالب الطلابي النخبوي لمواجهة المد الشيوعي في الجامعات، حيث كانت المعركة حينها فكرية بامتياز وتستهدف صناعة كادر متعلم يقود المستقبل.

من التنظيم العقدي إلى التحالف العريض:

   وما أن تم إعدام بعض قادة الإخوان في مصر حتى وسارعت بالتحدي عبر اسمها الجديد (الإخوان المسلمون). وعندما انتقلت الحركة إلى مرحلة "جبهة الميثاق الإسلامي" في الستينات في أعقاب ثورة أكتوبر 1964، أظهرت قدرة مبكرة على "السودنة" والتحالف، حيث خرجت من ضيق التنظيم الإخواني الصارم إلى رحابة التحالفات مع الطرق الصوفية والسلفيين.

كان هذا التغيير يهدف إلى كسب مشروعية شعبية ودستورية داخل البرلمان، مما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المجتمع السوداني المتدين بطبعه، واستغلال ذلك كمنصة للضغط السياسي.

بناء الدولة الموازية:

في مرحلة "المصالحة الوطنية" مع نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري، لم يكن الهدف مجرد المشاركة في الحكم، بل كان تغيير الواجهة لتصبح "شريكاً في البناء الوطني". استغلت الحركة هذه المظلة لإنشاء إمبراطورية اقتصادية ومؤسسات تعليمية وخيرية، فكانت الواجهة هنا "تنموية واقتصادية" تخفي خلفها عملية اختراق ممنهجة لأجهزة الأمن والجيش، وهي الفترة التي شهدت ولادة ما يُعرف بالدولة العميقة.


الواجهة القومية والتمويه العسكري:

   برزت "الجبهة الإسلامية القومية" كواجهة سياسية حديثة تتجاوز المفهوم التقليدي للجماعة الدينية، حيث قدمت نفسها كبديل للأحزاب التقليدية. وعندما حانت لحظة الانقلاب في 1989، استخدمت الحركة أقصى درجات التمويه السياسي عبر شعار "ثورة الإنقاذ الوطني"، حيث تم إخفاء الهوية الحزبية خلف البزة العسكرية والخطاب الوطني العام، لإدارة الصدمة الداخلية والدولية وتثبيت أركان الحكم.

إدارة الصراع من الداخل والخارج:

   مثلت "المفاصلة" بين "المؤتمر الوطني" و "المؤتمر الشعبي" قمة التصدع في الحركة وإن كان الصدام حقيقاً، فقد سمح هذا الانقسام للحركة بالتواجد في السلطة والمعارضة في آن واحد؛ فبينما كان الجناح الحاكم يدير الدولة بالحديد والنار، كان الجناح المعارض يمتص الغضب الشعبي ويقدم رؤى إصلاحية، مما ضمن بقاء الفكر الإسلامي مهيمناً على المشهد السياسي السوداني بمختلف تموجاته، كما استفاد المؤتمر الوطني من حل واجهات صنفت بالإرهاب مثل المؤتمر الشعبي الإسلامي وفي المقابل بعد ابعاد مجموعة الترابي تواصل مع التنظيم العالمي وتحالف مع السروريين بقيادة عبدالحي يوسف وغيرهم من الجماعات المتطرفة.

العودة عبر بوابة الشرعية العسكرية :

   بعد ثورة ديسمبر 2019، لم تتلاشَ الحركة بل انحنت للعاصفة، وسرعان ما أعادت إنتاج نفسها تحت مسمى "التيار الإسلامي العريض". ومع نشوب حرب أبريل 2023، انتقلت الحركة من الواجهة السياسية إلى "الواجهة العسكرية والجهادية" عبر كتائب متمرسة مثل "كتيبة البراء بن مالك". هذه الواجهة الجديدة تهدف إلى استعادة الشرعية المفقودة من خلال بوابة "الدفاع عن الدولة والجيش"، مما يثبت أن الحركة تمتلك قدرة فريدة على تحويل الأزمات الوجودية إلى فرص للعودة، مستخدمة في كل مرة القالب الذي يفرضه الواقع الميداني والسياسي.

الواجهات السياسية الجديدة:

  يُعد "التيار الإسلامي العريض" المظلة السياسية والأيديولوجية الأبرز للحركة الإسلامية السودانية، حيث يمثل محاولة لإعادة إنتاج نفوذ الإسلاميين في المشهد السوداني بعد ثورة ديسمبر 2019، عبر تحالف يتجاوز حزب المؤتمر الوطني "المحلول" شكلياً ليشمل طيفاً أوسع من الكيانات التي تلتقي في هدف مشترك وهو العودة إلى السلطة ومواجهة القوى المدنية.

تركيبة التيار الإسلامي :

   تأسس هذا التحالف في أبريل 2022، ويضم 11 تنظيماً إسلامياً تتباين في قوتها وتتحد في أهدافها. تبرز "الحركة الإسلامية" (جناح المؤتمر الوطني) كعمود فقري لهذا التيار، يحيط بها "منبر السلام العادل"، و"حركة الإصلاح الآن"، وفصيلان من "جماعة الإخوان المسلمين". كما يضم التحالف كيانات أكثر راديكالية مثل "حزب دولة القانون والتنمية" بقيادة محمد علي الجزولي، و"تحالف العدالة القومي"، بالإضافة إلى قوى ظلت على الحياد تاريخياً مثل "مبادرة وحدة الصف". هذا التنوع يمنح التيار قدرة على المناورة والادعاء بأنه يمثل "الإجماع الإسلامي" في السودان وليس مجرد امتداد للنظام السابق.

القيادة السرية خلف الواجهة العلنية:

 انتخاب علي كرتي رئيساً لهذا التيار في لأكثر من مرة لم يكن مجرد إجراء لويحي دوري، بل هو إعلان صريح عن انتقال القيادة من الظل إلى واجهة إدارة المشهد. كرتي، الذي يشغل منصب أمين الحركة الإسلامية، يعد رجل "الدولة العميقة" بامتياز، نظراً لتاريخه في تأسيس الدفاع الشعبي وإشرافه الطويل على التنظيم العسكري داخل القوات المسلحة. اختياره يهدف إلى توحيد الشتات الإسلامي تحت قيادة تملك مفاتيح العلاقة مع الجيش، رغم العقوبات الدولية المفروضة عليه واتهامات الفساد التي تلاحقه، مما يجعله الشخصية الأكثر قدرة على ربط الطموح السياسي بالواقع الميداني والعسكري.

دوافع سيطرة دعاة الحرب على التيار:

  تسيطر المجموعة المؤيدة للاستمرار في النزاع المسلح على مفاصل التيار الإسلامي العريض لعدة أسباب استراتيجية ووجودية. أولاً، يرى هذا التيار في الحرب وسيلة لقطع الطريق أمام أي اتفاق سياسي (مثل الاتفاق الإطاري) قد يؤدي إلى تفكيك نفوذهم الاقتصادي والعسكري. ثانياً، تمثل الحرب "طوق نجاة" لقيادات الصف الأول المطلوبين دولياً أو محلياً، حيث توفر حالة الطوارئ والقتال غطاءً يحميهم من الملاحقة ويحولهم من "متهمين" إلى "مدافعين عن الدولة". لذا، فإن الخطاب السائد داخل التيار هو خطاب تعبوي يرفض التفاوض، ويحرض المؤسسة العسكرية على المضي قدماً في الحسم العسكري لضمان بقاء التنظيم كجزء أصيل من السلطة القادمة.

 

التحديات الداخلية وصراع الأجنحة:

رغم محاولة التيار الظهور بمظهر المتماسك، إلا أن انتخاب كرتي كشف عن صراعات مكتومة داخل "بيت الإسلاميين". فهناك انقسام حاد بين جبهة كرتي وأحمد هارون، وبين مجموعات أخرى يقودها إبراهيم محمود ونافع علي نافع، وهو صراع حول أحقية القيادة والسيطرة على موارد الحزب. هذا التشرذم دفع مجموعة كرتي إلى استخدام "التيار الإسلامي العريض" كمنصة تقوية خارجية للضغط على الخصوم الداخليين ولتأكيد شرعيته أمام القواعد الإسلامية وأمام قيادة الجيش، مما يحول التحالف إلى أداة لتصفية الحسابات الداخلية بقدر ما هو أداة لمواجهة الخصوم السياسيين.

مآلات التحالف وتأثيره على السلام:

  يشكل وجود علي كرتي على رأس هذا التيار عقبة كأداء أمام جهود الحل السلمي في السودان. فالتيار يستخدم نفوذه داخل أجهزة الدولة وبين صفوف المقاتلين المتطوعين (المستنفرين) للضغط على قيادة الجيش لرفض مبادرات التفاوض. وبحكم أن الحرب هي الطريق الوحيد لعودة هذا التيار إلى المشهد السياسي وتجنب المحاسبة، فإن سيطرة "جناح الحرب" على التيار الإسلامي العريض تعني استمرار التصعيد العسكري، وتكريس الانقسام المجتمعي، مما يجعل مسار التحول الديمقراطي في السودان أكثر تعقيداً في ظل وجود تنظيم مسلح يمتلك واجهات سياسية متعددة وإرادة صلبة للاستمرار في الصراع مهما كانت التكلفة الوطنية.

حركة المستقبل للإصلاح والتنمية:

  تُمثل حركة المستقبل للإصلاح والتنمية حلقة جديدة ومطورة في سلسلة الواجهات السياسية التي تشكلها الحركة الإسلامية السودانية، وهي تعبر بوضوح عن استراتيجية "التشبيب" بإحلال وجوه  شابة جديدة لتجاوز عقبات الماضي السياسي المرتبط بعهد "الإنقاذ"، مع الحفاظ على ذات المنهج التنظيمي والارتباطات العضوية بالمؤتمر الوطني المحلول.

إعادة تدوير النخبة الإسلامية :

  يعكس صعود محمد الأمين أحمد إلى الأمانة العامة للحركة عملية انتقال مدروسة من جيل "التأسيس العسكري والتنفيذي" الذي مثله المهندس عبد الواحد يوسف (والي شمال دارفور الأسبق)، إلى جيل القيادات الشابة التي لم تتلوث صورتها الذهنية بالعمل الحكومي المباشر في الصفوف الأولى إبان عهد البشير. هذا التحول يهدف إلى تقديم الحركة ككيان "مستقبلي" قادر على استقطاب القوى الشبابية والطلابية التي كانت الوقود الحيوي للحركة الإسلامية تاريخياً، وتوفير مظلة سياسية آمنة للنشاط الإسلامي بعيداً عن ملاحقات لجنة إزالة التمكين أو الوصمة السياسية للنظام السابق.

التغلغل عبر الكيانات الأهلية والوطنية:

  يعد لقاء محمد الأمين أحمد بالناظر محمد الأمين ترك ، رئيس الجبهة الوطنية السودانية احد واجهات المؤتمر الوطني، والذي تبعه قيام مؤتمر أركويت دلالة واضحة على الدور الوظيفي الذي تلعبه حركة المستقبل كـ "جسر" يربط بين التنظيم الإسلامي والكيانات القبلية والجهوية المؤثرة. فمن خلال الانخراط في ترتيبات "مؤتمر أركويت الثاني"، كانت الحركة تحاول انتزاع مشروعية سياسية جديدة عبر بوابة "الدعم الوطني للجيش" والاصطفاف خلف المؤسسة العسكرية في حربها ضد الدعم السريع. هذه التحركات تمنح الحركة غطاءً اجتماعياً عريضاً يجعل من الصعب عزلها سياسياً، حيث تقدم نفسها كجزء من تحالف عريض يضم الإدارات الأهلية والقوى المجتمعية.

الحرب كمنصة لإعادة التمكين السياسي:

  تستثمر حركة المستقبل في ظرف الحرب الحالي لتسويق رؤيتها حول "المشروع الوطني لإدارة الفترة الانتقالية"، وهي رؤية تتقاطع تماماً مع رغبة الإسلاميين في تجاوز استحقاقات ثورة ديسمبر والاتفاق الإطاري. وعبر المناداة بالتحول الديمقراطي من خلال "انتخابات حرة" (في وقت تدرك فيه الحركة تفكك القوى المدنية المنافسة)، تسعى الحركة إلى فرض واقع سياسي جديد يضمن عودة التيار الإسلامي تحت مسميات "مدنية" و"شبابية". كما أن تركيزها على استصحاب الأكاديميين ومراكز البحوث يهدف إلى إضفاء صبغة "تكنوقراطية" وعلمية على أنشطتها الحزبية.

الرمزية والتمويه في الهياكل التنظيمية:

 يكشف تكوين مجلس شورى الحركة واختيار شخصيات مثل "مارثا جوزيف" في منصب نائب رئيس المجلس عن محاولات حثيثة لكسر الصورة النمطية للحركة الإسلامية كحزب "أحادي" أو "ديني مغلق". هذا "التنوع الموجه" يهدف إلى مخاطبة المجتمع الدولي والقوى الإقليمية بلغة سياسية معاصرة تتحدث عن التعددية وحقوق المرأة والشباب، بينما يظل المطبخ السياسي والقرار التنظيمي مرتبطاً بالدوائر العليا للحركة الإسلامية الأم، مما يجعل من "حركة المستقبل" الواجهة الأكثر مرونة وقدرة على الحركة في مشهد ما بعد الحرب.

 

 حركة المستقبل للإصلاح والتنمية 2:

  يمثل الشق الذي يقوده د. محمد المجذوب حالة "مراجعة سياسية" حادة داخل تيار الإسلام السياسي السوداني. فانتقال مجموعة من الناشطين من "المؤتمر الشعبي" (حزب الترابي تاريخياً للمؤتمر الوطني) نحو موقف فكري أقرب للتطابق مع "المؤتمر الوطني" والحركة الإسلامية الأم، يشير إلى تلاشي الفوارق التي أحدثتها "المفاصلة" الشهيرة. هذا الانصهار يتجلى في العضوية داخل "التيار الإسلامي العريض"، وهو الكيان الذي يسعى لتوحيد شتات الإسلاميين تحت مظلة واحدة، مستفيداً من حالة الحرب الحالية لإعادة تقديم نفسه كقوة وطنية "حمائية" للدولة.


تحليل خطاب "بيان الكرامة" والدلالات السياسية:

يعكس بيان الصادر عن هذا الفصيل تحولاً من العمل السياسي الحزبي التقليدي إلى "الخطاب التجييشي" الوطني، ويمكن استخلاص عدة دلالات منه:

الشرعية عبر المؤسسة العسكرية: استخدام مصطلحات مثل "معركة الكرامة"، "التمرد الغاشم"، و"دنس المتمردين" يعكس تبنياً كاملاً لرواية القوات المسلحة. الحركة هنا لا تقدم نفسها كطرف محايد أو وسيط، بل كـ "ظهير سياسي" و"سند مدني" للجيش، وهو تموضع يمنحها مشروعية الوجود في مشهد ما بعد الحرب.

تجاوز العزلة السياسية: من خلال التركيز على قضايا إنسانية وعسكرية في (كردفان ودارفور)، تحاول الحركة كسر صورة "نخبة الخرطوم" والتقرب من قواعد الهامش المتضررة من انتهاكات المليشيات، مما يعيد إنتاج صورتها كحركة قومية الاهتمامات.

الضغط لتعزيز دور الدولة : من خلال المطالبة بتحرك "مؤسسات الدولة الأخرى" وعدم الاكتفاء بالجهد العسكري في مدن الفاشر والنهود وكادوقلي، هو خطاب يهدف لملء الفراغ الإداري والخدمي، ويلمح إلى ضرورة تفعيل أجهزة الدولة التي يمتلك فيها الإسلاميون خبرات تراكمية طويلة.

 

 علاقة حركة المستقبل بالحركة الإسلامية (الاندماج الوظيفي):

العلاقة بين حركة المستقبل بل والحركة الإسلامية لم تعد مجرد "تنسيق"، بل أصبحت "اندماجاً وظيفياً" تفرضه طبيعة الصراع الوجودي الذي يواجهه التيار الإسلامي في السودان. ويمكن تلخيص هذه العلاقة في النقاط التالية:

التوافق على "الأمن القومي": تجاوز الخلافات الفكرية حول (الديمقراطية، الحريات، وشكل الحكم) لصالح الأولوية القصوى وهي "بقاء الدولة"، وهو المبدأ الذي تلتف حوله الحركة الإسلامية حالياً.

الغطاء السياسي: توفر "حركة المستقبل" وجهاً سياسياً جديداً (بقيادات أكاديمية مثل د. المجذوب) قد يكون أكثر قبولاً في بعض الأوساط من الوجوه التقليدية للمؤتمر الوطني، بينما تظل المرجعية الفكرية والتنظيمية مرتبطة بالتيار الإسلامي العريض.

يمثل شق د. محمد المجذوب في حركة المستقبل "رأس الرمح" في عملية إعادة صياغة التحالفات داخل التيار الإسلامي. هو فصيل اختار مغادرة مربع "المعارضة الترابية" ليدخل في صلب "تحالف الدولة والمؤسسة العسكرية"، مستخدماً لغة وطنية جامعة تهدف إلى تجاوز إرث الماضي والتموضع كشريك أساسي في صياغة مستقبل السودان تحت شعار "الكرامة والسيادة".

المؤتمر الشعبي والإصلاح الآن:

من الواجهات التي عادت مرة أخرى للعمل مع الحركة الاسلامية مجموعة من حزب المؤتمر الشعبي بقيادة د. الأمين محمود وإبراهيم السنوسي انحازت للتيار الإسلامي العريض وشاركت مع الجيش في معركة الكرامة اما مجموعة الشعبي بقيادة د.علي الحاج ما زالت ترفض الانقلابات وتؤيد الاتفاق الإطاري، حركة الإصلاح الآن التي يقودها د. غازي صلاح الدين وحسن رزق عادت هي نفسها لأحضان الحركة الاسلامية من جديد.

الواجهات العسكرية الموازية:

  تُعد الواجهات العسكرية الموازية في السودان أحد أخطر العوامل التي ساهمت في تعقيد المشهد الأمني والسياسي حيث تمثل هذه الكيانات امتداداً عضوياً وفكرياً لتنظيم الإخوان المسلمين الذي عمل منذ منتصف الثمانينات على تغلغل ممنهج داخل المؤسسة العسكرية عبر تنظيم الضباط المزروعين وتأسيس أذرع عقائدية مثل الدفاع الشعبي والخدمة الوطنية والشرطة الشعبية مما خلق حالة من الازدواجية في الولاء العسكري جعلت من العقيدة التنظيمية منافساً قوياً للعقيدة الوطنية المهنية داخل الجيش.

 لقد أدت سيطرة قيادات إسلامية بارزة على مفاصل الملفات العسكرية والأمنية،  إلى ترسيخ فكرة التغيير عبر القوة بدلاً من الحلول السياسية خاصة في أعقاب سقوط نظام البشير.  حيث سعت هذه القيادات لإعادة إنتاج نفوذها من خلال بناء واجهات جديدة تحت مسميات مختلفة تتجاوز قرارات الحل الرسمية التي طالت الدفاع الشعبي في عام ألفين وتسعة عشر.  وبدأت هذه القوى في إعادة تنظيم صفوفها عبر "الربط الخيطي" للخلايا ، وتفعيل العمل الخاص الذي برزت من خلاله كتيبة البراء بن مالك ، كقوة ضاربة لا تعبر فقط عن رغبة في القتال بل عن انتقام سياسي من القوى الديمقراطية التي أزاحت النظام السابق.

لعبت هذه الواجهات دوراً محورياً في تأجيج الصراع المسلح، من خلال استغلال الغطاء الشرعي للقوات المسلحة لتمرير أجندة حزبية حيث ظهر ذلك جلياً في التنسيق المسبق للحرب، وتصدر أوامر التسليح لهذه الكتائب، حتى قبل صدور نداءات الاستنفار الرسمي للدولة مما يشير إلى وجود غرف عمليات موازية تدير المعارك وتسعى لفرض واقع ميداني يقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية محتملة ويعزز من حالة الاستقطاب المجتمعي والعسكري.

وتكمن خطورة هذه التشكيلات في كونها لا تخضع بشكل كامل لسلسلة التراتبية العسكرية التقليدية،  بل تستمد شرعيتها من ولائها التنظيمي مما يحول الحرب من نزاع بين قوتين عسكريتين إلى صراع وجودي تغذية الخطابات الجهادية، والتحريض المستمر عبر منصات التواصل الاجتماعي التابعة للحزب المنحل، وهو ما يضعف من وحدة القرار العسكري للدولة،  ويجعل من استمرار الحرب وسيلة وحيدة لهذه الواجهات لضمان البقاء في المشهد السياسي والأمني السوداني وتجنب المحاسبة القانونية والتاريخية.

حرك العدل والمساواة:

من الواجهات العسكرية التي اقترحت قيادات المؤتمر الوطني الاستفادة منها هي حركة العدل والمساواة خاصة بعد الاجتماعات التي تمت بين زعميها ووزير المالية جبريل ابراهيم مع (كرتي – هرون) وتم اتفاق على استيعاب عضوية المؤتمر الوطني في العدل والمساواة ، واستفاد المؤتمر الوطني من العدل والمساواة واستخدمها كوسيط لتجسير العلاقة مع إيران ، ما جعل الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات على د.جبريل إبراهيم.

 

مؤتمر كولالمبور:

 خلال مشاركة مجموعة من الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية في لقاءات  بكوالالمبور في أغسطس 2025 ، في إطار مشاورات سياسية غير رسمية تجريها منظمة (بروميديشن) الفرنسية منذ سنوات حول مستقبل العملية السياسية في السودان، ظهرت  قدرة تنظيمية لحزب المؤتمر الوطني في المناورة السياسية عبر صناعة واستثمار "الواجهات" التي تساعده في التحرك في الفضاءين الإقليمي والدولي، مع الحفاظ على موقفه الرسمي المتصلب تجاه المبادرات التي لا تخدم تصوره للحل.

إن وجود أحزاب مثل "حركة الإصلاح الآن" و"الحركة الوطنية للبناء والتنمية" إلى جانب المؤتمر الوطني (جناح نافع) في طاولة واحدة برعاية منظمة دولية يعكس استراتيجية توزيع الأدوار حيث تظهر هذه الكيانات كأطراف "أكثر اعتدالاً" أو "أحزاباً مدنية" تطرح رؤية التيار الإسلامي تحت غطاء وطني واسع مما يكسر العزلة الدولية المفروضة على الحزب المنحل ويسمح له بتمرير أجندته السياسية والسيادية من خلال منصات تشاورية تبدو في ظاهرها تعددية.

لقد ركزت مخرجات اللقاء على ترسيخ "الشرعية" و"السردية الرسمية" للحرب بوصفها تمرداً ضد الدولة وهو الهدف الاستراتيجي الأبرز للمؤتمر الوطني في هذه المرحلة لضمان عدم مساواته سياسياً مع الأطراف الأخرى في أي تسوية مستقبلية. ومن خلال استغلال مناخ الأزمة الإنسانية والسياسية نجحت هذه المجموعة في طرح مفهوم "وحدة الجبهة الداخلية" كمدخل لشرعنة وجودها في المشهد السياسي المقبل مستفيدة من التنسيق مع جهات دولية لتقديم ميثاق شرف سياسي يدعي التعبير عن تطلعات الشعب السوداني بينما هو في جوهره يعيد إنتاج تموضع التيار الإسلامي كشريك أساسي في بناء "خارطة الطريق" المزعومة.

خلال هذه الاجتماعات  تأكد أن المؤتمر الوطني لم يتخلَّ عن طموحه في العودة للسلطة ، بل طور أدواته للتعامل مع المجتمع الدولي عبر تبني لغة "العدالة الانتقالية" و"حرية التعبير" و"إعادة الإعمار"، وهي مصطلحات جاذبة للوسطاء الدوليين لكنها تُستخدم هنا كواجهات لتمرير رؤية أحادية تهدف لتثبيت مؤسسات الدولة القائمة التي يمتلك الحزب فيها نفوذاً تاريخياً. وبذلك ينجح الحزب في الالتفاف على الرفض الشعبي والدولي المباشر له عبر خلق "كتلة تاريخية" جديدة تضم حلفاءه والمنشقين عنه سابقاً لضمان مقعد في أي طاولة مفاوضات نهائية حول مستقبل السودان.


تحديات وجودية وقانونية:

  تواجه واجهات المؤتمر الوطني السياسية تحديات وجودية وقانونية معقدة في أعقاب قرار وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في مارس 2026  بتصنيف "جماعة الإخوان المسلمين في السودان" كياناً إرهابياً عالمياً منظماً ، حيث أدى هذا التحول الجذري في الموقف الدولي إلى وضع كافة التشكيلات والواجهات المرتبطة بالتنظيم تحت طائلة الملاحقة القانونية والحظر المالي، مما يعيق قدرتها على المناورة كأطراف مدنية في العملية السياسية المقبلة ويفقدها الغطاء الذي كانت توفره بعض العواصم والمنظمات الدولية لفاعلياتها الخارجية مثل لقاءات كوالالمبور.

هذا التصنيف الذي شمل صراحة الحركة الإسلامية وكتيبة البراء بن مالك، كأذرع أساسية للجماعة جعل من الصعب على الواجهات السياسية "المستقلة اسمياً" تسويق نفسها كبديل ديمقراطي، أو طرف في طاولة المفاوضات، نظراً لأن التهم الموجهة للتنظيم تشمل استخدام العنف المفرط ضد المدنيين والارتباط بشبكات نفوذ إقليمية مثيرة للجدل، مما يضع أي كيان سياسي يتعامل مع هذه الواجهات تحت خطر التعرض للعقوبات الثانوية أو العزلة الدبلوماسية، ويقلص من فرص نجاح استراتيجية "التعددية الحزبية" التي كان يتبعها المؤتمر الوطني لتوزيع الأدوار وتخفيف الضغط الدولي عليه.

وعلى الرغم من محاولات هذه الواجهات التمترس خلف سردية "السيادة الوطنية" و"دعم مؤسسات الدولة" ، إلا أن انتقال الملف السوداني في الرؤية الدولية من دائرة النزاع الداخلي إلى دائرة الأمن القومي ومكافحة الإرهاب يفرض ضغوطاً هائلة على الحلفاء العسكريين لفك الارتباط مع هذه الكيانات لضمان استمرار الاعتراف الدولي بالدولة السودانية ، وهو ما يجعل نجاح هذه الواجهات في العمل السياسي العلني محاصراً بضغوط قانونية دولية، ورفض محلي متزايد يرى في هذه التنظيمات عقبة أساسية أمام استعادة المسار المدني وبناء سلام مستدام يتجاوز إرث النظام السابق وأذرعه المختلفة.

خلاصات:

تخلص هذه الدراسة إلى تمكن الحركة الإسلامية السودانية من إعادة إنتاج نفسها عبر واجهات سياسية وعسكرية واجتماعية متعددة تتبدل بتبدل المناخ السياسي والميداني، فضلا عن عبور الأزمات الوجودية من خلال استراتيجية الحرباء التي تضمن لها الوجود في السلطة والمعارضة والعمل المسلح والنشاط المدني في آن واحد مستغلة التغلغل العميق في مؤسسات الدولة والجيش لبناء دولة موازية تحمي مصالحها وتضمن استمرار نفوذها.

 ويظهر جلياً أن نشوب حرب أبريل 2023 قد وفر للحركة منصة للانتقال من مربع الدفاع والانحناء للعاصفة بعد ثورة ديسمبر إلى مربع "الشرعية العسكرية"، عبر كتائب جهادية موازية مثل كتيبة البراء بن مالك وتيارات سياسية عريضة تسعى لاحتكار تمثيل الإجماع الوطني ودعم القوات المسلحة. هذه التحركات تهدف بالأساس إلى قطع الطريق أمام أي تحول مدني ديمقراطي وربط مصير قياداتها المطلوبين دولياً ومحلياً بمصير الدولة والمؤسسة العسكرية مما يجعل من الحرب بالنسبة لهم وسيلة بقاء ضرورية لتجنب المحاسبة القانونية.

ومع ذلك يظل التصنيف الأمريكي الأخير للتنظيم ككيان إرهابي عالمي حجر عثرة كبيراً أمام نجاح هذه الواجهات في نيل الاعتراف الدولي أو الإقليمي مستقبلاً. واستراتيجية تعدد الواجهات التي بلغت ذروتها في لقاءات كوالالمبور ومحاولات "التشبيب" عبر حركات مثل حركة المستقبل للإصلاح والتنمية ، باتت تصطدم اليوم بجدار العزلة الدبلوماسية والملاحقة المالية مما يضع الحركة الإسلامية السودانية أمام تحدي التآكل الداخلي وفقدان القدرة على المناورة السياسية العلنية ويجعل من استمرار رهانها على الحسم العسكري خياراً انتحارياً يهدد وحدة الدولة السودانية وتماسكها الاجتماعي.