تشير التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق عملية “مشروع الحرية” الخاصة بمرافقة السفن في مضيق هرمز، إلى تحوّل لافت في طبيعة التوازنات الجيوسياسية والأمنية في الخليج العربي، وخصوصاً في أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.

وتكشف هذه التطورات عن مرحلة جديدة من إدارة الصراع الأميركي – الإيراني، تتجاوز منطق المواجهة العسكرية المباشرة إلى توظيف أدوات الضغط البحري والطاقة والتفاوض السياسي ضمن معادلة ردع متبادلة، تسعى من خلالها طهران إلى فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، بينما تحاول واشنطن تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد استقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة الدولية.

 

أولاً: دلالات حديث قاليباف عن معادلة جديدة في مضيق هرمز

يحمل تصريح قاليباف عدة رسائل سياسية وأمنية تتجاوز الإطار الإعلامي، ويمكن قراءته ضمن ثلاثة مستويات رئيسية:

تكريس مبدأ الردع البحري الإيراني: إشارة قاليباف إلى أن “الولايات المتحدة وحلفاؤها عرّضوا أمن الملاحة ونقل الطاقة للخطر” تعكس محاولة إيرانية لقلب الرواية الغربية التقليدية، عبر تحميل واشنطن مسؤولية التوتر في المضيق، وتقديم إيران باعتبارها طرفاً يملك القدرة على ضبط الإيقاع الأمني في المنطقة. كما أن حديثه عن أن “استمرار الوضع الراهن أمر لا يمكن للولايات المتحدة تحمله” يوحي بأن طهران ترى أن أوراق الضغط الاستراتيجية أصبحت تميل تدريجياً لصالحها، خاصة مع ارتفاع كلفة أي تصعيد عسكري على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط.

التلويح باستخدام ورقة الطاقة والممرات البحرية: مضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية. وبالتالي، فإن الحديث عن “معادلة جديدة” يعني عملياً أن إيران تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن أمن الطاقة العالمي بات مرتبطاً بشكل مباشر بأمنها القومي ومصالحها السياسية. وتحاول طهران من خلال ذلك فرض قناعة دولية بأن أي حصار أو ضغط اقتصادي عليها ستكون له تداعيات مباشرة على حركة الملاحة الدولية.

تعزيز موقع إيران التفاوضي: التصريحات الإيرانية جاءت بالتزامن مع مؤشرات عن تقدم في المسار التفاوضي غير المباشر مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل خطاب قاليباف جزءاً من استراتيجية تفاوضية تقوم على الجمع بين التصعيد المحسوب والانفتاح السياسي، بهدف تحسين شروط التفاوض وانتزاع تنازلات تتعلق بالعقوبات أو النفوذ الإقليمي.

 

ثانياً: أبعاد قرار ترامب تعليق مشروع الحرية

قرار الرئيس ترامب تعليق عملية مرافقة السفن عبر مضيق هرمز بعد يوم واحد فقط من إطلاقها يحمل في طياته رسائل متعددة، سواء تجاه إيران أو الحلفاء الإقليميين أو الداخل الأميركي.

تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة: رغم الخطاب الأميركي المتشدد تجاه إيران، فإن قرار تعليق العملية يعكس إدراكاً أميركياً لحساسية أي اشتباك عسكري في مضيق هرمز، لما قد يترتب عليه من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. ويبدو أن واشنطن فضّلت الحفاظ على سياسة “الضغط دون الانفجار”، عبر الإبقاء على الحصار والردع العسكري، مع تجنب الاحتكاك البحري المباشر.

إعطاء فرصة للمسار التفاوضي: تصريح ترامب بأن التعليق يأتي في ظل “إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي مع ممثلي إيران” يشير إلى وجود قنوات تفاوض نشطة، ربما بوساطات إقليمية ودولية، تسعى إلى احتواء التصعيد وإعادة صياغة تفاهمات جديدة بين الطرفينكما أن الإشارة إلى طلب “باكستان ودول أخرى” توحي بوجود ضغوط إقليمية لتفادي انفجار الوضع في الخليج، خصوصاً من الدول التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على استقرار الملاحة والطاقة.

إعادة تعريف أدوات القوة الأميركية: إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو انتهاء العمليات الهجومية ضد إيران يعكس انتقالاً أميركياً من مرحلة العمليات العسكرية المباشرة إلى مرحلة إدارة الأزمة عبر الردع السياسي والاقتصادي والدبلوماسي. وهذا لا يعني تراجعاً أميركياً كاملاً، بقدر ما يشير إلى محاولة إعادة ضبط الإيقاع بما يخدم المصالح الأميركية دون تحمل أعباء حرب طويلة ومكلفة.

 

السيناريوهات المحتملة

1.    التوصل إلى تفاهم مؤقت: السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في نجاح الوساطات في الوصول إلى تفاهم مؤقت يضمن خفض التصعيد البحري مقابل تخفيف نسبي للضغوط على إيران، مع استمرار المفاوضات حول الملفات الأوسع.

 

2.    لا حرب ولا سلام: قد يستمر الوضع الحالي في إطار معادلة “لا حرب ولا سلام”، حيث تواصل إيران التلويح بأوراق الضغط البحرية، فيما تحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكري دون الدخول في مواجهة مباشرة.

3.    عودة التصعيد: يبقى احتمال التصعيد قائماً في حال فشل المفاوضات أو وقوع حادث أمني في المضيق، خاصة أن البيئة الإقليمية لا تزال شديدة الهشاشة، وأي خطأ ميداني قد يؤدي إلى انفجار واسع يصعب احتواؤه.

 

الإعلام الغربي: ردع متبادل

في السياق يمكن تلخيص المزاج العام في الإعلام الغربي تجاه أزمة هرمز في عدة نقاط رئيسية:

1.    وجود قناعة متزايدة بأن إيران نجحت في فرض نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أمن الملاحة الخليجية.

2.    إدراك أميركي وأوروبي أن الحرب الشاملة في الخليج ستكون ذات كلفة اقتصادية عالمية هائلة.

3.    النظر إلى “مشروع الحرية” باعتباره محاولة أميركية لاستعادة زمام المبادرة دون الانزلاق إلى حرب مباشرة.

4.    الاعتقاد بأن المرحلة الحالية هي مرحلة “ردع متبادل وتفاوض تحت الضغط”، وليست مرحلة حسم عسكري نهائي.

5.    تصاعد المخاوف الغربية من استخدام إيران ورقة الطاقة والممرات البحرية كورقة استراتيجية طويلة المدى.

مثلا اعتبرت نيويورك تايمز أن تعليق “مشروع الحرية” لا يعني تراجعاً أميركياً، بل يمثل “مناورة تفاوضية” من ترامب لإجبار إيران على تقديم تنازلات في الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه. كما ركزت الصحيفة على أن واشنطن ما زالت تحتفظ بأدوات الضغط الأساسية، خصوصاً الحصار البحري والعقوبات، حتى مع وقف العمليات الهجومية المباشرة.

ورأت واشنطن بوست أن قرار ترامب تعليق العملية بعد يوم واحد فقط من إطلاقها يكشف حجم التعقيد العسكري والسياسي في مضيق هرمز، خاصة مع وجود أكثر من ألف سفينة متأثرة بالأزمة. كما أشارت إلى أن الإدارة الأميركية باتت تخشى أن يتحول المضيق إلى ساحة استنزاف طويلة ومكلفة.

وركزت الغارديان البريطانية على أن تعليق ترامب لمشروع الحرية يعكس إدراكاً أميركياً بأن أي مواجهة بحرية مفتوحة مع إيران في مضيق هرمز قد تتحول إلى أزمة دولية واسعة تؤثر مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة. كما رأت أن واشنطن تحاول استخدام “التهدئة المؤقتة” كنافذة لدفع المفاوضات مع طهران.

 

خلاصات

1.    تكشف المؤشرات السياسية والعسكرية الراهنة أن منطقة الخليج تتجه نحو مرحلة “إعادة ضبط توازنات” أكثر من اتجاهها إلى مواجهة شاملة، حيث يبدو أن الطرفين الأميركي والإيراني يحاولان توظيف التصعيد المحدود لتحسين شروط التفاوض دون الوصول إلى نقطة الانفجار.

2.    فإيران تسعى إلى ترسيخ معادلة مفادها أن أمن الممرات البحرية والطاقة لا يمكن ضمانه بمعزل عن مصالحها الاستراتيجية، بينما تعمل الولايات المتحدة على الحفاظ على الردع العسكري مع تقليل كلفة الانخراط المباشر في صراع طويل قد ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي والمصالح الأميركية في المنطقة.

3.    وفي ضوء ذلك، يمكن تقدير أن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً في الضغوط السياسية والرسائل العسكرية غير المباشرة، بالتوازي مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية الهادفة إلى إنتاج تفاهمات مرحلية تمنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

4.    مع ذلك، فإن هشاشة الوضع الأمني في مضيق هرمز تجعل أي حادث ميداني أو سوء تقدير كفيلاً بإعادة التصعيد إلى الواجهة، الأمر الذي يبقي المنطقة أمام حالة من التوتر المزمن القابل للاشتعال في أي لحظة، خاصة في ظل ارتباط أمن المضيق المباشر باستقرار أسواق الطاقة والتوازنات الدولية الكبرى.