أقدم حزب "جبهة العمل الإسلامي"، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، على تغيير اسمه إلى "حزب الأمة". في توقيت حساس، ومحاولة صريحة للالتفاف على قرارات الحظر المحلية التي أصدرتها السلطات الأردنية في (أبريل) 2025 القاضية بحظر الجماعة بشكل كامل، واعتبارها كياناً غير مشروع. والتصنيفات الدولية بالإرهاب التي طالتها أيضا، وما تبعها من عقوبات مالية.

 

تيارات الجماعة

طوال السنوات الماضية تناور الجماعة بتياراتها المختلفة الدولة الأردنية، ما بين القانوني الشرعي والسياسي، إذ ينقسم الإخوان في الأردن وفق الكاتب المختص "ناهض حتر" إلى 4 تيارات رئيسية:

1.    الأول هو الأصولي القطبي ، وهو يؤمن بالمغالبة لا المشاركة، وكعادة القطبيين له مزاج انعزالي ومتأثر بالسلفية الجهادية، ويعمل وفق خطة ممنهجة تؤمن بالأممية الإسلامية، ومن أبرز رموزه همام سعيد، محمد أبو فارس، علي العتوم.

2.    والقسم الثاني هو ما يطلق عليه التيار الملكي، الذين يؤمنون بحاجتهم لنظام ملكي في ظل أنظمة جمهورية محيطة بالأردن، وهم مؤمنون بوجوب تحييد الأردن عن الصراع، وأن النظام شرعي لأنه يرجع في اصوله لآل البيت، ويريدون الحفاظ على المكتسبات الإخوانية للجماعة، التي حصلوا عليها في ظل هذا النظام، ومن أبرز رموزهم عبد المجيد ذنيبات، وعبد الحميد القضاة.

3.    أما القسم الثالث من جماعة الإخوان الأردنية هم الحمساويون، وهم يقتربون من الدولة بقدر قرب الأخير من حركة حماس، فهم يؤمنون بشرعية حماس وبقاءها والربط بين الدولة ومصالحها داخل الأردن، وأبرز رموزهم مراد العضايلة، عبد المجيد الخوالدة، سعود أبو محفوظ، جميل أبو بكر، وزكي بن إرشيد، وخلال الفترة الأخيرة سيطر هذا القسم العريض على الحزب والجماعة معاً.

4.    فيما القسم الأخير هو الإصلاحي، وأتباعه وسط بين الأصوليين والحمساويين، وهم يخافون من التوطين، وتأخير الإصلاح، ويرون أردنية شرق الأردن، وأبرز رموزه هو سالم الفلاحات.

ويحلو لكثيرين وضع خارطة أخرى لإخوان الأردن، وأنهم ينقسمون إلى الصقور والإصلاحيون والوسط، ويرون أنه خلال السنوات الأخيرة تعمل الجماعة في سرية ووفق بيئة تنظيمية مغلقة تعتمد على التعبئة الفكرية والحركية، والجناح الأقرب إلى قيادات "حماس" هو (تيار الوسط) الذي تمكّن من السيطرة على معظم المناصب القيادية في الجماعة، وهو التيار نفسه الذي قامت مجموعات منه بالتجمهر، وتمويل خلايا مسلحة. وعلى هذا فقد تراجع تيار الصقور لصالح تيار الوسط، الذين يمثلهم سياسيا حزب جبهة العمل الإسلامي، الذي تحول لحزب الأمة، ومن رموزه مراد العضايلة، ومحمد عبد الرحمن خليفة، بسبب الصراع على مِلْكية الجماعة، والعلاقة مع التنظيم الدولي، وكذلك العلاقة مع حماس، التي تمثل لب الموضوع الحالي، وعبرت عنه وثيقة الفكر السياسي التي أطلقتها الجماعة، والتي عبروا فيها عن حتمية الصراع مع إسرائيل.

ولعدة أسباب أهمها توتر علاقة الدولة بالجماعة، والمأزق القانوني الذي يواجه الإخوان التي تم حظر أنشطتها بالأردن في أبريل (نيسان) 2025، بدأت مناورة جديدة حيث غير الحزب اسمه من (جبهة العمل الإسلامي) إلى (حزب الأمة) دون كلمة (إسلامي). إذ إن «اسم الحزب يعد جزءاً لا يتجزأ من نظامه الأساسي ويعبر عن هويته السياسية، ما يوجب خلوه من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية أو تمييزية وفق القانون».


إعادة التموضع

كان مجلس مفوضي الهيئة الأردنية المستقلة للانتخاب، أبلغ حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، بوجوب تغيير اسمه ليخلو «من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية». ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال المجلس في بيان إنه «أخطر الحزب بوجوب تصويب المخالفات خلال 60 يوماً من تاريخ الإخطار، استناداً إلى أحكام المادة 33 من قانون الأحزاب السياسية رقم 7 لسنة 2022». وقال الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي، وائل السقا، إن الحزب اختار اسم "حزب الأمة" بديلا لمسمّى "حزب جبهة العمل الإسلامي". موضحاً "أن الحزب لم يسجل اسمه الجديد في الهيئة المستقلة للانتخاب بعد، مستبعدا مواجهة أي مشاكل في الاسم الجديد".

 

شرعية جديدة

يقول الكاتب الأردني طارق ديلواني: إن إخوان الأردن يقدمون تنازلات صامتة بحثا عن شرعية جديدة، فتغيير المعادلات الدولية أيضاً ساهم في تردي موقف الإخوان في الأردن بعد أن فقدت الدعم الذي كانت تحصل عليه من قطر، كما فعلت شقيقتها حماس في غزة والتي يعتقد بأنها تقود الجماعة في الأردن من خلال ما يعرف بالتيار الرابع بالجماعة، من خلال الورقة التي أطلقت عليها "ورقة المراجعة"، التي تناقش أهم ما تطالب به الدولة الأردنية الجماعة وهو الفصل بين الجانب الدعوي للجماعة والجانب السياسي، بالإضافة إلى قضايا أخرى مثل المواطنة والموقف من الآخر والتعددية الفكرية والسياسية والدينية والحريات العامة والمجال الفني والأدبي.

ويرى مراقبون آخرون أن حزب جبهة العمل الإسلامي، وجد نفسه فجأة محاطاً بعزلة قانونية وسياسية متزايدة، فقدم تنازلات مثل تغيير الاسم، وهي أشبه بـ"إعادة التموضع السياسي"، لكن هذا لا يعني أن لحظة الانفصال عن عباءة الجماعة التقليدية قد حصلت، وأنها أصبحت خياراً أيديولوجياً.

 

التزام الصمت

ومن الملاحظ، أن الجماعة التزمت الصمت حيال هذه الخطوة، لأنها تدرك أن تغيير الاسم هو نوع من التحول البراغماتي، في محاولة للبقاء ضمن المشهد السياسي الأردني المتغير والتكيف مع الحقائق القانونية الجديدة، من العمل ككيان مواز للدولة إلى العمل ضمن الدولة وتحت مظلتها، رغم أن الأمر يتطلب خطاباً سياسياً أكثر انفتاحاً على الداخل والخارج، على عكس ما شهده الاحتفال بتغيير الاسم من هتافات إسلامية يستخدمها الإخوان، وكذا دمج الحزب كوادر الجماعة المحظورة في قوائمه التي حضرت الفعالية، وهي نفسها التي تدير المشهد منذ عقود، ممّا يؤكد أن التغيير لا يعدو كونه تغييرا للاسم دون تغييرات ستجري في المضمون والأيديولوجيا، فتغيير "اللافتة" لا يعني الانفصال عن الولاءات التنظيمية، التي ما تزال مرتبطة بالجماعة الأم التي صدرت بحقها أحكام قضائية قطعية بالحل.

تقول شبكة سي ان ان، إن تغيير الاسم وتعديل الأهداف لا يعني إلغاء المفاهيم التي بقيت ولم تُلغَ أي فكرة، حيث ما جرى هو تعديل بعض الألفاظ"، من أجل إغلاق ملف ما يسمى بغسيل الأموال وإنهاء ملف المعتقلين والقفز على قرارات الحل التي كانت قاب قوسين أو أدنى من جبهة العمل الإسلامي.

كما يرى محللون أن الارتباط العضوي بين الحزب وجماعة الإخوان لا يزال قائمًا على مستوى الخطاب، وتعتبر هذه الخطوة "مناورة بقاء" أكثر من كونها تحولاً جذرياً في الفكر أو البنية التنظيمية، لأن الجماعة تنظيم "لولبي" تمتلك قدرة فائقة على تغيير جلدها وأسمائها، من أجل الالتفاف على القوانين، ومواصلة نشاطها تحت لافتات مختلفة.

يقول الباحث عمر الرداد في تصريحات صحافية: إن تغيير اسم الحزب أقرب إلى خطوة تكتيكية مدروسة اتخذها تيار براغماتي داخل جبهة العمل الإسلامي، يدرك حجم الضغوط والتحولات الإقليمية التي لم تعد تصب في صالح تيارات الإسلام السياسي، ويسعى من ثم إلى إعادة التموضع بما يضمن بقاء الحزب ضمن الإطار القانوني والسياسي الجديد.


خلاصة

إن الإخوان لا يختفون بل يغيّرون الواجهة فقط، وفي كل مرة يظهر اسم جديد، تبقى الفكرة واحدة، والهدف لا يتغير، وتغيير المسمى الحزبي إنما يعكس محاولة للجمع بين الحفاظ على المرجعية الفكرية من جهة، وإرسال إشارات انفتاح وتكيّف مع ضغوطات الدولة الأردنية من جهة أخرى، خوفا من التواجد على طاولة "الحل النهائي" إلحاقاً بالجماعة الأم.