دراسات أمنية
المشهد الأمني في مالي: بين انهيار الدولة وصعود المسلحين
30-Apr-2026
لم يعد الصراع في مالي محصورًا في هوامشها الجغرافية أو مناطقها الهشة، بل انتقل بشكل لافت إلى قلب الدولة ومراكز ثقلها السيادي، في تحول يعكس انهيارًا تدريجيًا لأمن البلاد. فقد كشفت الهجمات المنسقة التي طالت العاصمة باماكو، إلى جانب مدن الشمال والوسط مثل كيدال وغاو وسيفاري وموبتي، عن انتقال نوعي في طبيعة التهديدات، من تمردات محلية متفرقة إلى عمليات مركبة تستهدف بنية الدولة ذاتها. ولم يكن استهداف محيط المطار الدولي وقاعدة كاتي العسكرية سوى مؤشر على أن الفاعلين المسلحين باتوا يمتلكون قدرة متقدمة على التخطيط المتزامن وضرب الأهداف السيادية، بما يضع الدولة المالية أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
انزلاق غير مفاجئ:
عندما استولى العقيد أسيمي غويتا على السلطة في مالي بانقلابين متتاليين
عامي 2020 و2021، تعهد بإعادة تأسيس دولة ذات سيادة وآمنة. لكن الجيش الذي دُرب
على مكافحة الإرهاب انتهى به المطاف إلى تفكيك ما تبقى من أسس الدولة، حيث كان من
المتوقع في البداية أن يعزز الاستيلاء على السلطة الجيش، لكنه لم يؤد إلا إلى
تعميق انقساماته. كما أدى انسحاب القوات الدولية "مينوسما" من مالي
نهاية عام 2023 إلى تشرذم قوات الجيش وهجر
مواقعها، ووقوع الأسلحة في أيدي الانفصاليين الطوارق، فضلا عن توسع نفوذ الجهاديين
في الريف الشمالي، إضافة إلى تحديات إعادة هيكلة
الوجود الروسي. ومضاعفة عمليات التطهير
الداخلية، وانصراف أجهزة الاستخبارات المعنية بملاحقة الإرهابيين إلى الداخل،
محولة تركيزها نحو المعارضين السياسيين. وقد جسد سجن رئيسي الوزراء السابقين شوغيل
مايغا وموسى مارا، هوس الأجهزة بالولاء أكثر من مكافحة الإرهاب، الأمر الذي جعل المشهد المالي مزيجًا من الأزمات الأمنية والسياسية.
يذكر تقرير للباحثين راما يادي وحسين با، في موقع أتلانتك كاونسل، أن عزلة
باماكو تفاقمت مع ازدياد الهشاشة الداخلية للدولة، بسبب عزلتها الممنهجة عن
شركائها الإقليميين والعالميين. فبينما يمكن تصوير قطيعتها مع فرنسا على أنها رد
فعل على عقدين من عمليات مكافحة الإرهاب الفاشلة، فإن ابتعاد باماكو عن حلفائها
الأفارقة، لاسيما المجموعة الاقتصادية (إيكواس)، أكد تفضيل المجلس العسكري العزلة
على التعاون. حتى العلاقات مع الجزائر التي كانت ودية نسبيًا، تدهورت بشكل حاد.
كل هذه المعطيات منحت الجماعات المسلحة خلال عامي 2025 و2026 الفرصة لنقل
معركتها من الأطراف إلى المراكز الحضرية الكبرى والمرافق الحيوية. واستغلال انحسار
سيطرة الحكومة المركزية لتعزيز تموضعها في الأقاليم الشمالية، ما وضع سلطات مالي في
مواجهة مأزق مركب ومرتبك.
تحالف هجين بين القاعدة والانفصاليين:
مع دخول عام
2026، انتقل التحالف بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (تنظيم القاعدة)
ذات الأجندة الجهادية، و"جبهة
تحرير أزواد" (تحالف الحركات الطارقية) ذات المطالب الانفصالية، من مجرد
تفاهمات ميدانية إلى تحالف هجين منظم أحدث زلزالًا في موازين القوى. هذا التحالف التكتيكي أدى إلى تشتيت جهد الجيش المالي في جبهات
متعددة، فالأولى تضغط على المراكز الحضرية في الوسط والجنوب، والثانية تحكم قبضتها
على مدن الشمال الاستراتيجية مثل كيدال.
لم يكن التحالف
نتاج توافق إيديولوجي، لكن فرضته ضرورة ميدانية، فقد اتفقت الجماعتان على أن
الوجود الروسي يمثل تهديدًا وجوديًا لهما، ما دفعهما لتجاوز الخلافات الفكرية لصد
التقدم العسكري الروسي-المالي نحو الشمال. كما أن انسحاب القوات الدولية، جعل
الطرفان في مواجهة مباشرة مع الجيش المالي، مما حتم التنسيق لتجنب الصدامات
البينية وتركيز الجهد العسكري ضد باماكو مع تقاسم الأدوار والخرائط، فيتولى الأزواد
الجانب السياسي والسيطرة في أقصى الشمال، حيث تقدم نفسها كقوة تحرر وطني. وفي
المقابل تمثل جماعة نصرة الإسلام القوة الضاربة القادرة على تنفيذ العمليات
الانتحارية والهجمات المعقدة في العمق (وسط وجنوب مالي).
تذكر واشنطن
بوست، أن ملامح تنسيق معلوماتي شوهدت في هجمات إبريل 2026، من خلال تزويد الأزواد
للجماعة بمعلومات حول تحركات الجيش في الشمال، مقابل تزويد الجماعة للأزواد
بتقنيات التفخيخ والمسيرات. كما تم السماح لمقاتلي الجماعة بالتحرك عبر مناطق نفوذ
الطوارق لشن هجمات مباغتة، وهو ما ظهر في انسحاب القوات المالية من كيدال وتزامن
ذلك مع انفجارات باماكو.
لقد أدى هذا
التحالف الهجين إلى تشتيت الجيش المالي، الذي أصبح يواجه جبهة ممتدة من أقصى
الشمال إلى العاصمة، مما جعل من المستحيل تأمين جميع النقاط الحساسة في وقت واحد.
بالإضافة إلى أن المجلس العسكري وجد صعوبة في تصنيف العدو، فهو أمام إرهاب عابر
للحدود يتمثل في وكلاء تنظيم القاعدة، وتمرد وطني متمثل في الطوارق. هذا التداخل عقد
مساعي الحصول على دعم دولي موحد لمواجهة الأزمة.
وبالرغم من نجاح
هذا التحالف حتى الآن، لكنه يظل هشًا، فتنظيم القاعدة يريد دولة خلافة، بينما يريد
الطوارق دولة علمانية. يؤكد الباحث قاسم كايتا لموقع أخبار شمال إفريقيا، أن
التحالف هش بطبيعته وقد ينهار إذا لم يتوافق الطرفان على شكل الحكم في مناطق
نفوذهما، هل هو مدني انفصالي أم إسلامي متشدد؟ كذلك الخلاف حول تقييم سيناريو ما
بعد النصر، ففي حال ضعف السلطة المركزية تمامًا، قد ينفجر الصراع بينهما حول هوية
الحكم في المناطق المحررة كما حدث في عام 2012.
اهتزاز شرعية المجلس العسكري:
استمد المجلس العسكري الحاكم بقيادة أسيمي غويتا شرعيته من وعود
استعادة السيادة وتوفير الأمن. لكن وصول الانفجارات إلى منزل وزير الدفاع في كاتي
وسقوط كيدال يضع هذه الشرعية على المحك. فقد يواجه المجلس ضغوطًا داخلية من النخب
السياسية والمؤسسة العسكرية نتيجة الإخفاق في حماية العاصمة والمواقع الحيوية.
ويمثل مقتل وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كامارا، في هجمات 25 إبريل
2026، ضربة قاصمة لجوهر التحالف بين باماكو وموسكو، كونه العقل المدبر والضامن
الرئيسي لهذا الارتباط. هذا الحدث لا
يُفقد النظام عنصرًا قياديًا فحسب، بل يبعث برسالة مفادها أن دائرة السلطة الضيقة
لم تعد محصنة، مما قد يدفع نحو إعادة ترتيب الأوراق داخل المجلس وبروز خلافات حول
كيفية إدارة الأزمة.
وفقًا لتحليل الموقع الإخباري الكيني ستريم لاين، يعني مقتل كامارا فقدان
روسيا لأكثر حليف موثوق به داخل المجلس، مما قد يخلق فجوة في التنسيق العسكري
والسياسي المباشر مع الكرملين. كما أن وقوع هجوم في قاعدة كاتي الاستراتيجية التي
تتمركز فيها قوات روسية، يبعث برسالة سلبية حول قدرة الحليف الروسي على تأمين حتى
أرفع قيادات الدولة في قلب معاقلهم. كان كامارا يمثل الجناح المتشدد في التعامل مع
الجماعات المسلحة، وغيابه قد يفتح الباب لصراعات أجنحة داخل المجلس العسكري حول
جدوى استمرار الاعتماد على روسيا.
انحسار النفوذ الروسي:
اعتمدت باماكو بشكل شبه كامل على دعم مجموعة فاغنر الروسية (فيلق
إفريقيا) بعد طرد القوات الفرنسية. ومع ذلك، أظهرت الهجمات الأخيرة في كيدال محدودية
فاعلية النفوذ الروسي في مواجهة الفصائل المسلحة. وتشير كافة التوقعات إلى أن
روسيا قد تجد نفسها أمام خيارين: إما زيادة الانخراط العسكري بتكلفة باهظة، أو
تقليص وجودها والاكتفاء بحماية المنشآت الحيوية فقط.
ومن المعروف أن
كيدال تعد رمزًا محوريًا للسيادة في مالي، حيث روج لسيطرة الجيش المالي عليها في
نوفمبر عام 2023 بدعم روسي، كانتصار عسكري كبير. لذا، فإن انسحاب فاغنر منها يعكس
ضغوطًا ميدانية هائلة أو إعادة تقييم استراتيجي من جانب موسكو. ويأتي هذا التراجع
بعد سلسلة من الكمائن الدامية التي استهدفت القوات الروسية والمالية، أبرزها
"معركة تينزواتين" في يوليو عام 2024، التي بحسب تقرير لميدل إيست
أونلاين، كبدت فيلق إفريقيا خسائر بشرية اعتبرت الأكبر خارج الساحة الأوكرانية.
وتزامن قرار الانسحاب الروسي من كيدال مع إعلان متمردي الطوارق عن هذا
الاتفاق، مما يشير إلى انكسار استراتيجية التمدد نحو الشمال التي دعمها الروس. ونقلت
وكالة الأنباء الفرنسية في 26 إبريل، عن قيادي في صفوف المتمردين قوله: "تم
التوصل إلى اتفاق يسمح للجيش وحلفائه في فيلق إفريقيا بمغادرة المعسكر رقم 2"،
علما بأن هذا المعسكر يمثل أحد أهم معسكرات الروس في كيدال. وبهذا الانسحاب المهين
قد تجد موسكو نفسها مضطرة لإعادة تقييم كلفة وجودها في مالي، خاصة مع اضطرار
قواتها للتفاوض المباشر مع المتمردين لتأمين مرور آمن للجنود المنسحبين، ما يؤكد عجز موسكو
عن حماية مكتسباتها الميدانية. كما يضع مقتل وزير الدفاع مستقبل الاتفاقيات
الأمنية والعسكرية المباشرة في حالة من الغموض، خاصة بعد أن فشل الوجود الروسي في
حمايته، مما يزعزع ثقة النخبة العسكرية المالية في الجدوى الأمنية لهذا التحالف.
تواجه روسيا
حاليًا حلفًا مضادًا متصاعدًا نجح في تدويل الصراع، ويتضح من خلال تقرير راما يادي في موقع أتلانتك كاونسل، أن مالي أصبحت وسط كل هذه الفوضى
ساحة حرب بالوكالة. حيث تورطت أوكرانيا بشكل غير مباشر في نشاط يشمل تقديم مساعدات
استخباراتية، وإمدادات بطائرات مسيرة، ودعم جماعات معادية للمرتزقة الموالين
لروسيا. في الوقت نفسه، تعزز تركيا نفوذها بتزويد الجيش المالي بطائرات بيرقدار المسيرة
وتقديم الدعم التقني. وبذلك تحولت مالي فعليًا إلى ساحة صراع جيوسياسي، تتصادم
فيها المصالح الخارجية مع الطموحات المحلية المتنافسة.
وتؤكد التطورات
الحالية في مالي أن روسيا انتقلت من وضعية المهاجم الساعي لبسط السيطرة إلى وضعية
الدفاع عن وجودها في القواعد المتبقية. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الانحسار إلى بحث باماكو
عن بدائل، مثل شركات أمنية تركية أو العودة لتفاهمات إقليمية. فضلًا عن تقليص
موسكو لمهام الفيلق الإفريقي ليقتصر على حماية المناجم والشخصيات القيادية
المتبقية لتقليل الخسائر البشرية المتزايدة.
على أية حال، تثبت الهجمات الأخيرة ضد القوات الروسية والمالية أن الجماعات
المسلحة باتت قادرة على خوض حرب متناظرة ومباشرة، مما يضعف صورة القوة التي حاولت
روسيا تسويقها في منطقة الساحل كبديل ناجح للغرب. فمقتل وزير الدفاع المالي
والانسحاب من بعض المناطق الاستراتيجية، لم يكن مجرد خسارة عسكرية، لكنه تصدع في
الركيزة الأساسية التي قام عليها التحالف المالي الروسي، مما قد يدفع باماكو التي
تعاني من ضغوط أمنية واقتصادية نحو خيارات قد لا تعجب الروس.
عزل باماكو
اقتصاديا:
خلصت دراسة لمعهد
تمبكتو في داكار، إلى أن جماعة نصرة الإسلام باتت تعتمد استراتيجية تقوم على
الحصار الاقتصادي المنهجي، لا على الضربات العسكرية المعزولة، في توصيف دال على
تحول نوعي في نشاط الإرهاب. واعتبرت الدراسة منطقة كايس هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا
للجماعة، نظرًا لدورها الحيوي في الاقتصاد المالي، إذ تُنتج نحو 80% من ذهب
البلاد، وتمر عبرها قرابة 30% من واردات مالي البرية، خاصة الوقود والحبوب، عبر
الطريق الوطني رقم 1 الرابط بين ميناء داكار والعاصمة باماكو.
ويبدو أن
الإرهاب يستهدف تعطيل هذه الشرايين الحيوية لزعزعة استقرار الاقتصاد المالي وعزل
باماكو، وزيادة الضغط الاقتصادي على السلطات الانتقالية. كما تعكس الهجمات المتكررة على قوافل الصهاريج ومشاريع
الطرق والمواقع الصناعية والتعدينية رغبة واضحة في شل حركة التجارة وفرض ما وصفه الخبراء
بالسيطرة الاقتصادية الموازية، التي تقوم على التحكم في الوقود والنقل وفرض
الإتاوات، بما يقوض شرعية الدولة ويحول الجماعة إلى سلطة أمر واقع في بعض المناطق.
وقد يؤدي هذا الحصار إلى انفجار اجتماعي نتيجة غلاء الأسعار وانقطاع
الكهرباء، مما قد يمهد لاحتجاجات شعبية واسعة ضد السلطة القائمة. وهكذا انتقل عمل الجماعات
المسلحة المالية من المواجهات العسكرية المباشرة إلى الإرهاب الاقتصادي، بهدف خنق
النظام الانتقالي.
انعكاسات الأحداث على دول الجوار:
تتجاوز الأزمة في مالي الحدود الوطنية لتلقي بظلالها على كامل منطقة الساحل
وغرب إفريقيا، حيث ينذر انهيار الأمن في باماكو بسلسلة من التداعيات الاستراتيجية
والإنسانية على دول الجوار. وقد يواجه جيران مالي في كونفدرالية الساحل خطر تأثير
الدومينو، حيث يخشى المراقبون من أن يؤدي نجاح الجماعات المسلحة إلى تشجيع فروعها
في النيجر وبوركينا فاسو على شن هجمات مماثلة لإسقاط الأنظمة العسكرية الحليفة. يشير
تقرير لموقع مونت كارلو الدولية إلى أن الأزمة لم تعد حبيسة دول اليابسة، فهناك
مخاوف جدية من تمدد نشاط جماعة نصرة الإسلام نحو الدول الساحلية مثل بنين وتوغو
وكوت ديفوار، مستغلة حالة الفوضى لتوسيع نفوذها نحو الأطلسي.
يرى حسام الحداد في تحليل للبوابة نيوز، أن هذا التصعيد يضع فاعلية الفيلق
الإفريقي الروسي في اختبار صعب أمام دول أخرى في المنطقة راهنت على موسكو كبديل
أمني للغرب، مما قد يدفع هذه الحكومات مستقبلًا للتفاوض المباشر مع الجماعات
المسلحة لتجنب الانهيار. كما يمكن أن تسببت العمليات العسكرية المالية الروسية في
توترات دبلوماسية حادة مع نواكشوط، إثر تقارير عن توغلات داخل الأراضي الموريتانية
وسقوط ضحايا مدنيين في مارس 2026، مما دفع موريتانيا لاستدعاء سفير مالي للاحتجاج.
كما أدت سيطرة الجماعات المسلحة على الطرق الرئيسية بين باماكو ونواكشوط إلى
احتجاز شاحنات وقود وتعطيل سلاسل إمداد تجارية حيوية بين البلدين.
إضافة إلى ذلك، تم رصد موجات نزوح جماعية لآلاف العائلات الفارة من المعارك
في كيدال وغاو باتجاه العمق الموريتاني، مما يزيد الضغط على الموارد في مناطق
الحدود الرخوة. وقد يتجاوز هذا النزوح، بحسب صحيفة الساعة الليبية، دول الجوار
ليصل إلى سواحل جنوب المتوسط عبر ليبيا، مما يحول الأزمة إلى قضية أمن إقليمي تؤرق
دول شمال إفريقيا وأوروبا.
إن ما يحدث في مالي زلزال استراتيجي قد يعيد رسم خريطة النفوذ في الساحل الإفريقي،
ويفرض على دول الجوار إعادة تقييم تحالفاتها الأمنية لمواجهة خطر التمدد المسلح
العابر للحدود.
تدويل الأزمة وتآكل التحالفات الإقليمية:
يعاني تحالف دول الساحل المتمثل في مالي وبوركينا فاسو والنيجر من
استنزاف عسكري متبادل. ومع انشغال مالي بأمنها الداخلي، قد تضعف قدرتها على دعم
جيرانها، مما يفتح الباب أمام تمدد الجماعات المسلحة نحو الدول الساحلية، مثل بنين
وتوغو، وهو ما سيعيد طرح ضرورة العودة للتعاون الأمني الإقليمي والدولي.
كما أثارت الهجمات الإرهابية المنسقة في مالي ردود فعل دولية وإقليمية واسعة،
تراوحت بين التنديد الشديد والدعوة لتحرك دولي عاجل لمواجهة خطر التوسع الجهادي في
الساحل الإفريقي. ووفقًا لموقع أخبار الأمم المتحدة، أدان الأمين العام للأمم أنطونيو غوتيريش هجمات إبريل بشدة، معربًا عن تضامنه
مع الشعب المالي. ودعا إلى تنسيق دولي قوي لمواجهة التهديدات الإرهابية المتطورة
وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة.
واستنكرت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الهجمات، ووصفتها بالبربرية،
داعية جميع دول المنطقة وآلياتها الأمنية إلى التوحد ضد هذا الوباء. وبالرغم من توتر
العلاقات مع المجلس العسكري، أكدت المجموعة التزامها بدعم أمن المنطقة واستقرارها.
كذلك أدان كل من الاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي العمليات العسكرية التي
تستهدف المدنيين وتهدد السلم والأمن الإقليميين، مؤكدين الالتزام باستعادة
الاستقرار في مالي.
وعبرت كل من الصين وتركيا عن دعمهما لسيادة مالي وجهود السلطات في الحفاظ
على وحدة البلاد، مع إبداء تركيا استعدادها للمساعدة في تعزيز السلام الإقليمي.
وأيضًا عملت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على إدانة الممارسات
الإرهابية في مالي، مع التأكيد على ضرورة حماية المدنيين ومعالجة المظالم السياسية
والاقتصادية لسكان الشمال بعيدًا عن الحلول العسكرية البحتة. كما شدد بيان صدر عن
وزارة الخارجية الإماراتية على أن دولة الإمارات تستنكر هذه الأعمال الإرهابية، وترفض
جميع أشكال العنف والتطرف التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار في دولة مالي.
وعلى الرغم من اتفاق المجتمع الدولي على خطورة الوضع في مالي، أمنيا
وإنسانيا، لكن الانقسام حول هوية الشريك الأمني بين المحور الروسي والمحور الغربي
يعيق تشكيل جبهة موحدة، مما يمنح الجماعات المسلحة مساحة أكبر للتمدد مستغلة هذا
الفراغ الدبلوماسي.
خلاصات
1. بناء على المعطيات الميدانية، يتجه المشهد حتى الوقت الراهن نحو ترييف الدولة، حيث تسيطر الجماعات المسلحة على الأرياف والطرق الرئيسية، بينما تتحول المدن الكبرى إلى جيوب معزولة تعيش تحت رحمة القصف أو التسللات الإرهابية.
2. هذا السيناريو سيؤدي بطبيعة الحال إلى
موجات نزوح بشرية ضخمة نحو دول الجوار، مما يعمق الأزمة الإنسانية في المنطقة. كما
يشير سيناريو السقوط التدريجي في مالي إلى
نمط عسكري يعتمد على الخنق البطيء للمدن الكبرى بدلًا من المواجهة المباشرة
والمكلفة داخل أزقتها، وهو تكتيك تتبعه جماعة نصرة الإسلام لإسقاط المراكز الحضرية.
3. وقد تحقق الجماعات المسلحة هذا السيناريو على
مراحل عدة، فتبدأ بفرض طوق أمني حول مدن مثل باماكو وغاو وسيفاري، واستخدام أسلوب
الخنق الجغرافي عبر السيطرة على الطرق الرئيسية. كذلك الاستمرار في استهداف صهاريج
الوقود وشاحنات الإمداد القادمة من دول الجوار، كالسنغال وموريتانيا وكوت ديفوار،
مما يحول المدن إلى جزر معزولة تعاني من نقص حاد في الطاقة والغذاء. وفي الوقت
نفسه تنفيذ هجمات مباغتة ضد الثكنات العسكرية ومنازل القادة في قلب المدينة، مما
يضرب الروح المعنوية للقوات النظامية ويخلق حالة من الذعر الشعبي. فضلًا عن استهداف
مطارات المدن وتعطيل الملاحة الجوية لمنع وصول التعزيزات العسكرية السريعة من
باماكو أو من الحلفاء الروس، أو أي تدخل خارجي محتمل.
4. ومن الممكن أن يؤدي الانقطاع المستمر
للكهرباء وغلاء الأسعار نتيجة الحصار إلى تآكل الثقة في المجلس العسكري، وانهيار
الحاضنة الشعبية، ليحدث الانفجار من الداخل. وعلى الأغلب يراهن المسلحون على أن
الضغط المعيشي سيدفع السكان للاحتجاج أو التمرد ضد السلطات المحلية، مما يسهل
عملية دخول الفصائل الإرهابية للمدن الحضرية دون مقاومة تذكر. ومن المتوقع أن يدفع
إنهاك الدفاعات وقطع الإمدادات القوات الحكومية للانسحاب نحو العاصمة أو مغادرة
المدن الطرفية، لتتحول المدن الحضرية إلى مركز إدارة جديد للجماعات المسلحة والقوى
الانفصالية.
5.
على أية حال، تضع هذه الاحتمالات، فضلًا عن مسار الأحداث، السلطات
المالية أمام مسارين، إما الاستمرار في خيار الحسم العسكري الذي أثبت محدوديته
أمام حرب العصابات المتطورة، أو القبول بتفاوض صعب مع الجماعات المسلحة والقوات
الانفصالية، لإنقاذ ما تبقى من كيان الدولة. لأن الاتجاه الحالي يشير إلى أن مالي
مقبلة على مرحلة من عدم الاستقرار السياسي المزمن قد تنتهي بتغيير في هيكلية السلطة
أو إعلان حالة طوارئ وطنية طويلة الأمد.