حاولت جماعة الإخوان أن تمسك العصا من المنتصف وتخفي موقفها بشأن الحرب بين (إيران-أمريكا وإسرائيل) إلا أن تطور الأحداث واستمرار المعركة حتى الآن، ثم استهداف طهران لدول الخليج بالقصف، دفع الجماعة لكشف موقفها الحقيقي، وهذا ما نستهدف توضيحه للوصول إلى إجابات قاطعة بشأن تأثير ذلك على الجماعة ومستقبلها، ومن هنا سنبدأ باستقراء الوضع الحالي وموقع التنظيم الدولي من الحرب الدائرة، ثم ننتقل إلى
تحليل الاتجاهات النهائية.

 استقراء الوضع

لم تختلف مواقف الإخوان من إيران، منذ 1979 وحتى الآن، فرغم الخلافات المذهبية إلا أنها كانت في تحالف متخفي طوال السنوات الماضية، وكان موقفها الواضح أنهما معا طوال الوقت، وخلال هذه الحرب اختارت أن تسير في نفس سياسة التخفي، واختارت فروعها الصمت مثل حماس، إلا أنه مع بداية قصف دول الخليج من قبل طهران، ثم مقتل المرشد خامنئي، بدأت تظهر المواقف بوضوح.

1) التنظيم الدولي: في الأيام الأولى للحرب أصدر القائم بأعمال المرشد صلاح عبد الحق، ممثلا عن الجماعة وتنظيمها الدولي، بيانا أعرب فيه عن استنكاره لضرب إيران، واستهدافها من قبل إسرائيل وأمريكا، وداعيا الدول العربية للوقوف صفا واحدا ضد المشروع الإسرائيلي (موقع الإخوان المسلمون الرسمي. 2026). وبعدها أصدرت خمسة بيانات متتالية، في إحساس منها بورطتها إذ سعت لإرضاء إيران والدول العربية على حد سواء حفاظا على مصالحها لدى الطرفين.

ذات الأمر رأيناه مع شخصيات دعوية وإعلامية وسياسية انجرفت في الساعات الأولى للأزمة تؤيد إيران وتشرعن لها الاعتداء على الدول العربية بزعم وجود قواعد أمريكية، ثم عادت بعد قليل مهرولة تحاول إصلاح ما أفسدته لتهاجم إيران!

سار على نهج القائم بأعمال المرشد، جبهة محمود حسين، التي تنازعه على قيادة الجماعة عالميا، وأصدر رئيسها محمود حسين، القائم الثاني بأعمال المرشد، بيانا عبر فيه عن استنكاره لهذه الحرب، ورفضه لاستهداف إيران (الصفحة الرسمية لجبهة محمود حسين).

2) فروع الجماعة: دفع البيانان السابقان بعض الفروع لإصدار بيانات مماثلة مثل جماعة الإخوان بالسودان، التي دعمت بشكل واضح إيران، في كلمة مصورة لأحد قيادات الجيش (موقع التواصل يوتيوب)، أما في السودان، فقد أثارت تصريحات القيادي الإسلامي ناجي مصطفى جدلاً واسعاً بعد دعوته الصريحة إلى دعم إيران، معتبراً أن "ثمة علاقة عضوية بين الحرب التي تخوضها طهران والصراع الدائر في السودان". وكذلك نشرت (البراء بن مالك) التي تدعم الجيش السوداني، والموضوعة على قوائم الإرهاب، فيديو لأحد قياداتها اعتبر فيه أن الحرب على إيران هي مقدمة للحرب على السودان. (يوتيوب)، وأقام فرع الجماعة بموريتانيا (حزب تواصل) إفطارا جماعيا نشرته (الصفحة الرسمية للحزب بالفيس بوك) كان على رأس الحضور فيه القائم بأعمال السفير الإيراني، الذي تلقى دعما غير مسبوق من قادة الحزب، لدرجة أن أحد قادة الحزب قبّل يده أمام عدسات المصورين. كما ظهر عدد من قيادات الحزب داخل السفارة الإيرانية، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها مؤشر إلى استمرار قنوات التواصل بين الجانبين. وأما فرع الجماعة بسوريا فعجّل ببيان خالف فيه القائم بأعمال المرشد، وهاجم فيه إيران، معتبرا أن الهجوم عليها هو انتقام إلهي مما فعلته من جرائم بسوريا.

أما في تونس، فقد أصدرت "حركة النهضة" بياناً أعربت فيه عن دعمها لإيران، وفق ما ورد في (صحيفة النهار اللبنانية. 2026) مع إدانة الضربات التي طالت عدداً من دول المنطقة. وفي ليبيا، تحدثت تقارير سابقة عن دور للحرس الثوري الإيراني في دعم جماعات إسلامية فيها في ظل الانقسام الذي تعيشه البلاد، وذهب المفتي السابق الصادق الغرياني، المحسوب على "الإخوان"، إلى وصف الحرب بأنها محاولة لنشر "الكفر والإلحاد" في المنطقة، في فيديو نشرته (دار الإفتاء الليبية. طرابلس) مؤكداً أن العمليات العسكرية التي تنفذها طهران تندرج في إطار "حقها المشروع في الدفاع عن النفس" في مواجهة "الاعتداءات الصهيونية". ورغم الخلافات المذهبية والسياسية، وصف الغرياني الحرب ضد إيران بأنها "توسعية لنشر التكفير والإلحاد"، معتبرا الهجمات الإيرانية "دفاعاً عن النفس"، ما أثار تساؤلات داخل ليبيا عما إذا كان هذا الخطاب قد يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في وضع "إخوان ليبيا"، أو اتخاذ إجراءات قد تنعكس على حضورهم السياسي.

وجدد حزب العدالة والتنمية بالمغرب موقفه الرافض للحرب، (بيان في صفحته الرسمية)، وفي السياق نفسه، أصدرت ما تعرف بـ "الهيئة العالمية لأنصار النبي" بياناً أعلنت فيه دعمها لإيران، وقّع عليه عدد من الشخصيات المعروفة بانتمائها للتيارات الإخوانية في عدة دول، من بينهم الصادق الغرياني.

ومع بدء قصف دول الخليج واستهدافها بالمسيرات وبالصواريخ، ترك التنظيم الدولي المساحة مفتوحة بشكل عام أمام العناصر الوسيطة لكي تعبّر عن آرائها بشكل فردي. سواء بدعم إيران أم عدم دعمها، لأن التنظيم لا يريد أن يخسر دول الخليج.

(2) اتجاهات الإخوان

بدت الاتجاهات كالتالي: أولا. ضد إيران، مع إعلان موقف إعلامي رفضي لأمريكا، وهم الإخوان في سوريا. الذين لهم موقف خاص. والثاني مع إيران بالتوازي مع إعلان موقف إعلامي رفضي لأمريكا، وهم الإخوان المسلمون، في مصر، والقائم بأعمال المرشد، الذي يمثل التنظيم الدولي. وكل فروع الجماعة، والعناصر الرئيسية من القيادات.

وقد حاولت بعض التيارات الإخوانية إظهار قدر من التوازن في التعاطي مع تطورات الحرب، فإن مواقف عديدة صدرت عن الجماعة حملت دعماً صريحاً لإيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان العمدة هو البيان الذي وقّعه صلاح عبد الحق، القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، دعت فيه قيادة "الإخوان" إلى "تعزيز التعاون والتنسيق" في مواجهة "الاعتداء الإسرائيلي الأميركي على إيران".

كما حاولت الجماعة التأكيد على "حق الدفاع عن النفس" لإيران شرعًا وقانونًا، وأن إيران "معتدى عليها" ولها حق الدفاع، وأن "صدها للعدوان واجب". وهذا فعلته لتقدم إيران كمدافعة عن "الأمة الإسلامية" ككل، فيما فريق آخر عمد إلى نشر فتوى ابن تيمية الخاصة بالتفضيل بين عقائد الشيعة وعقائد غير المسلمين، والبديهي أيضا أن التفضيل سيكون لصالح الشيعة لكونهم يحملون "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

ورغم أن الجماعة تعيش حالة من الانقسام والتراجع خلال السنوات الخمس الماضية، في فرعها المركزي بمصر، وفروعها الرئيسية في المشرق العربي، إلا أن ذلك لم ينعكس على موقفها من دعم إيران، في مواجهة القصف الأمريكي، والصمت على القصف الإيراني على دول الخليج، ما عدا حالة عناصر تسكن في قطر، أو تعمل في قناة الجزيرة، التي أعلنت بوضوح رفضها لما تفعله طهران، وفي هذا خصوصية لم تنعكس على موقف الجماعة بشكل عام.

وبدا أن "تعاطف بعض الأصوات، وعلى رأسها الصادق الغرياني في ليبيا على سبيل المثال، مع الخطاب الإيراني، خصوصاً فيما يتعلق باستهداف دول الخليج، لم يضع أي اعتبار لأي "حساسية سياسية" لدى الولايات المتحدة وحلفائها، لكنه كان اعتباره الرئيسي هو العلاقات التاريخية مع إيران (أسامة الشحومي. مركز هيسبيريدس للأمن والدراسات الاستراتيجية. لندن).

إن دعم الجماعة لإيران لا يقتصر على سياق الحرب الحالية، بل يتطلب العودة إلى الخلفية الفكرية والسياسية التي تقاطعت عندها الجماعة مع إيران، خصوصاً فيما يتعلق بفكرتي "الخلافة" و"الإمامة". وعلى الرغم من التباين الإيديولوجي بين الطرفين، فإن التقارب بينهما ليس وليد اللحظة. فالعلاقة تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية في إيران. حتى أن ما يجمع الطرفين يتجاوز الخلاف المذهبي التاريخي بين السنة والشيعة"، والعامل الحاسم هو "العدو المشترك والسعي إلى تغيير موازين القوى في المنطقة". كما أن هذه التنظيمات شكلت، إلى جانب الميليشيات الشيعية المرتبطة بطهران مثل حزب الله اللبناني وكتائب حزب الله في العراق والحوثيين، أدوات مختلفة ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة. (صحيفة النهار.2026)

وكان من الملاحظ من إعلام الجماعة الرسمي وقنواته الفضائية المختلفة أن الجماعة راجعت موقفها قليلا من إيران، فلم تختر بشكل رسمي الانحياز إلى الموقف الأمريكي، (جناح صلاح عبد المقصود) لذا استنكرت فيما بعد الضربات التي تتلقاها دول الخليج من طهران، وفي ذات الوقت الضربات التي تتلقاها طهران، وهذا وفق بياناتها الرسمية.

وفي حفل الإفطار الجماعة الذي عقدته أيضاً جبهة محمود حسين، في إستانبول يوم ٤ مارس الموافق ١٤ رمضان، كانت الكلمات تعبر عن هذا المضمون. وفي إفطار جمعية بناء وحوار في "هولندا" يوم ٧ مارس الموافق ١٧ رمضان، وفي حفل الإفطار الذي أقامته (رابطة الإعلاميين-إخوان) بمنطقة صفاكوى بـ "تركيا" في ١٥ مارس الموافق ٢٥ رمضان، بحضور حمزة زوبع، ومسعد البربري، وأحمد عبد الرحمن، ومحمدين برغوت، كانت نفس الكلمات، وهو الإفطار الذي شهد ظهور أحمد الشناف، المسئول عن الإعلام الخارجي للتنظيم الدولي. فيما خالف فرع الجماعة في سوريا، سياسة الجماعة في بيان رسمي، حيث دعا لضرب إيران بقوة، واستنكر ضرباتها في الخليج، وهذا لخصوصية تتعلق بالحالة السورية.

(3) موقف الإخوان في إطار المستقبل

من خلال المعلن والخفي في موقف الاخوان من حرب (إيران-أمريكا وإسرائيل) فإننا أمام عدد من الاحتمالات:

أولا: استمرار الحرب:

استثمار الجماعة السياسي في الخطاب المعادي لأمريكا: بنفس الآليات التي استخدمتها سابقًا في قضايا أخرى (مثل غزة)، لكن مع تعديلات تتعلق بربط الحرب بمشروع أكبر أن ما يجري هو ضد "الإسلام السياسي" جملة وتفصيلا، وربط الحرب بمحاولات أمريكا (وإسرائيل) لإضعاف "محور المقاومة"، وتصنيف فروع الإخوان كمنظمات إرهابية الذي يجيء في هذا السياق.


التصعيد الجهادي واستخدام هذا الخطاب في التجنيد والاستقطاب: عن طريق تقديم الجماعة الحرب كـ "عدوان صليبي-صهيوني" على "الأمة الإسلامية بأسرها"، وهذا الخطاب يُستخدم بكفاءة في التجنيد والاستقطاب، عن طريق إصدار فتاوى وخطب جهادية دفاعية مثل فتوى عليّ القره داغي، الذي وصف الضربات الأمريكية-الإسرائيلية بـ "العدوان الصهيوني-الأمريكي"، وهذا ما يدفع إلى الربط بين المعركة وبين "الحرب على الإسلام"

ثانياً: وقف الحرب بهزيمة إيرانية:

ستحاول الإخوان لملمة ما جرى من خلال بياناتها الداعمة لإيران، للعودة إلى محاولة الاقتراب من دول الخليج، والحفاظ على وضعها داخل بعض الدول مثل البحرين والكويت وعمان.

ثالثا: وقف الحرب باتفاق:

 في هذه الحالة ستستمر الإخوان في علاقتها الرمادية بإيران، ويستمر التحالف غير الواضح معها، ويبقى الوضع كما هو عليه، وتستمر الجماعة في تقديم الصراع باعتباره مواجهة بين “الهيمنة الأمريكية” والعالم الإسلامي، وتوظيف حالة الغضب الشعبي ضد الولايات المتحدة، مع تجنب الاصطفاف الكامل مع إيران بسبب الخلاف العقائدي السني-الشيعي.

تستمر الجماعة في الحفاظ على تواجدها في إيران، إذ يوجد بها أكثر من عشرة ألاف عنصر هاربين من مصر وحدها، منذ عام 2013، ووفق (مركز كارنيجي. يوليو (تموز) 2017) انخرطت إيران والجماعة في الاجتماع العام الأكثر شهرة، حيث التقى آية الله محسن أراكي، مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، مع إبراهيم منير، على هامش اجتماع لمنتدى الوحدة الإسلامية. وفي يوم الأربعاء الماضي الموافق 18 كانون الأول (ديسمبر) 2019 حضر في كوالا لامبور ما لا يقل عن 150 شخصية إخوانية من المغرب وموريتانيا وتونس وليبيا والجزائر ولبنان والحركة الدستورية الكويتية، وإخوان تركيا وأوروبا، والإخوان المصريون المقيمون بإستانبول، وباكستان، وإخوان اليمن ممثلين في حزب الإصلاح، والتقى بعضهم مع وفد إيراني لتنسيق التفاهم مع الحوثي!

 خلاصات:

في المحصلة، تكشف مواقف عدد من التيارات الإخوانية إزاء الحرب على إيران أن الخلافات المذهبية لا تمنع قيام تقاطعات سياسية عندما تتلاقى المصالح. إذ ناصرت الجماعة إيران في بداية الحرب، ثم أمسكت العصا من المنتصف واستنكرت الضربات الأمريكية ثم الإيرانية للخليج، وبين خطاب العقيدة وحسابات النفوذ الإقليمي، يبدو أن العلاقة بين الجانبين ستستمر حال استمر النظام في طهران، وقد تتكشف أبعاد جديدة لهذه العلاقة التي ظلت لسنوات عدة تتحرك في المنطقة الرمادية بين الإيديولوجيا والمصلحة.

ويتسم موقف الجماعة من الحرب الجارية على إيران في الوقت الحالي بطابع مركّب يجمع بين البعد الأيديولوجي والخطاب السياسي البراغماتي. فمن حيث الخطاب المعلن، تبنّت الجماعة موقفًا واضحًا يقوم على إدانة الضربات العسكرية التي تستهدف إيران، واعتبارها عدوانًا خارجيًا على دولة إسلامية، مع التأكيد على أن هذا التصعيد يندرج ضمن سياق أوسع من الصراع في المنطقة، وعلى رأسه الصراع مع إسرائيل. وفي هذا الإطار، تحرص الجماعة على إبراز فكرة “وحدة الأمة” ورفض تحويل الخلافات بين الدول الإسلامية إلى صراعات مسلحة تخدم خصومها.

ويظهر في هذا الخطاب أيضًا تركيز واضح على مركزية القضية الفلسطينية، حيث يتم ربط ما يجري مع إيران باعتباره امتدادًا لمواجهة أوسع مع إسرائيل. ومن ثم، فإن دعم إيران في هذا السياق لا يُقدَّم بوصفه تأييدًا لمشروعها السياسي أو المذهبي، بل باعتباره موقفًا منسجمًا مع رؤية تعتبر أن العدو الرئيسي هو إسرائيل، وأن أي استهداف لقوة إقليمية تواجهها يدخل ضمن معادلة هذا الصراع. هذا الطرح يعيد إنتاج نمط قديم في خطاب الجماعة، يقوم على تغليب البعد الوحدوي الإسلامي على الانقسامات المذهبية.

غير أن القراءة المتأنية تكشف أن هذا الموقف لا يخلو من حسابات غير معلنة. فالجماعة، رغم خطابها الداعم سياسيًا لإيران في هذه اللحظة، لا تتبنى النموذج الإيراني كمرجعية، ولا تتجاهل الخلافات العميقة معه، سواء على المستوى المذهبي أو على مستوى السياسات الإقليمية. بل يمكن القول إن هذا الموقف يعكس قدرًا من البراغماتية السياسية، حيث يتم التمييز بين الخلافات الاستراتيجية بعيدة المدى، وبين المواقف الظرفية التي تفرضها طبيعة الصراع القائم.

كما أن هذا الموقف ليس بالضرورة موحدًا تمامًا داخل كل فروع الإخوان، إذ تتأثر قراءات الجماعة بالسياقات المحلية التي تنشط فيها. ففي بعض البيئات، خصوصًا تلك التي تعاني من توتر مع النفوذ الإيراني، قد يكون الخطاب أكثر تحفظًا أو حذرًا، بينما تميل قيادات أخرى إلى تبني موقف أكثر وضوحًا في إدانة الهجوم الخارجي، انطلاقًا من أولوية مواجهة ما تعتبره تهديدًا أكبر للأمة.