تقديرات
الخليج بين الهدنة الهشة والحرب منخفضة الوتيرة
11-Jun-2026
تسود أوساط سياسية وأمنية خليجية ودولية خشية متزايدة من احتمال ترسخ نمط جديد من الصراع بين إيران ومحيطها العربي في الخليج، يقوم على ما يمكن وصفه بـ"الحرب منخفضة الوتيرة"، وهي حالة لا ترقى إلى مستوى المواجهة العسكرية الشاملة، لكنها تتجاوز في الوقت ذاته حدود التوترات التقليدية والمناوشات العابرة. وعلى الرغم من الهدنة الهشة التي أعقبت وقف إطلاق النار منذ السابع من إبريل الماضي، فإن المشهد الإقليمي لا يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة استقرار حقيقي، بل يبدو أن العمليات العسكرية العنيفة قد تحولت إلى أشكال أخرى من الاشتباك غير المباشر، تشمل المناوشات البحرية والغارات المحدودة والهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
القصف الواسع لم ينهِ
أسباب التوتر
لقد أظهرت التطورات
الأخيرة أن وقف القصف الواسع لم ينهِ أسباب التوتر الأساسية بين الولايات المتحدة وإيران،
كما لم يؤسس لتفاهمات استراتيجية قادرة على ضبط سلوك الأطراف المتنافسة. فالعلاقة بين
واشنطن وطهران ما تزال محكومة بمنطق الردع المتبادل وإدارة الأزمات، لا بمنطق التسوية
المستدامة. ولذلك، فإن أي حادث أمني محدود في مياه الخليج أو في مناطق النفوذ الإقليمي
يمكن أن يتحول بسرعة إلى رسالة سياسية أو عسكرية تحمل دلالات تتجاوز الحدث نفسه.
فمن خلال التحركات
العسكرية والاستعراضات البحرية والبيانات السياسية المتبادلة، يسعى كل طرف إلى إيصال
رسائل قوة وحزم إلى الطرف الآخر دون الانزلاق نحو مواجهة شاملة. وفي الوقت ذاته، أصبحت
المنطقة مسرحًا لاختبار الإرادات وقياس حدود الردع، حيث تحاول واشنطن تأكيد قدرتها
على حماية مصالحها وحلفائها، بينما تسعى طهران إلى إظهار قدرتها على التأثير في أمن
الممرات البحرية وموازين القوى الإقليمية.
معادلة دقيقة وصعبة
هذا الواقع يضع دول
الخليج العربية أمام معادلة دقيقة وصعبة. فمن جهة، ترتبط هذه الدول بعلاقات استراتيجية
وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، وتعتمد بدرجات متفاوتة على المظلة الأمنية الغربية
في حماية استقرارها ومصالحها الاقتصادية. ومن جهة أخرى، تدرك أن أي مواجهة واسعة مع
إيران ستكون لها تداعيات مباشرة على أمنها الوطني واقتصاداتها، خاصة أن المنطقة تحتضن
أهم ممرات الطاقة العالمية وأكثرها حساسية.
غير أن المشكلة الأساسية
تكمن في أن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية بحتة، بل أصبح جزءًا من شبكة معقدة من التوازنات
الدولية والصراعات الجيوسياسية الكبرى. فالتنافس الأمريكي – الإيراني يتداخل مع ملفات
أخرى تشمل أمن الطاقة العالمي، والمنافسة الاقتصادية بين القوى الكبرى، ومستقبل الممرات
البحرية الحيوية، إضافة إلى التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ
في الشرق الأوسط.
الأزمات الإقليمية
تتحول إلى أدوات تفاوض
في هذا السياق، تتحول
الأزمات الإقليمية إلى أدوات تفاوض وتجاذب سياسي واقتصادي بين القوى الدولية. فكل تصعيد
أمني في الخليج يؤثر مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، ويمنح الأطراف المختلفة أوراق
ضغط إضافية في ملفات أخرى تتعلق بالتجارة والاستثمارات والعقوبات والنفوذ الاستراتيجي.
ومن هنا، فإن استقرار الخليج أصبح رهينة ليس فقط للعلاقات بين دول المنطقة، وإنما أيضًا
لطبيعة العلاقات بين القوى الكبرى التي تتنافس على إدارة النظام الدولي ومستقبل توازناته.
ومن المخاوف المتزايدة
أيضًا أن يؤدي استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" إلى استنزاف تدريجي للمنطقة.
فالحروب منخفضة الوتيرة لا تتسبب عادة في دمار شامل وفوري، لكنها تخلق بيئة دائمة من
عدم اليقين، تؤثر على الاستثمارات والتنمية الاقتصادية والثقة بالأسواق. كما أنها تفرض
على الدول تخصيص موارد إضافية للإنفاق الدفاعي والأمني، على حساب برامج التنمية والتحديث
الاقتصادي التي تمثل أولوية استراتيجية لمعظم دول الخليج في المرحلة الراهنة.
إضافة إلى ذلك، فإن
تكرار الهجمات المحدودة أو التهديدات للملاحة البحرية قد يؤدي إلى رفع تكاليف التأمين
والشحن والنقل، وهو ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره. فدول الخليج لا تمثل فقط
مركزًا إقليميًا للطاقة، بل تشكل أيضًا محورًا رئيسيًا في حركة التجارة الدولية وسلاسل
الإمداد العالمية.
ومع ذلك، فإن المشهد
لا يخلو من فرص يمكن البناء عليها. فالتجارب السابقة أثبتت أن جميع الأطراف تدرك الكلفة
الباهظة لأي حرب شاملة في الخليج. كما أن التغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات
الأخيرة، بما في ذلك تنامي الأدوار الدبلوماسية الإقليمية وتحسن بعض العلاقات الثنائية،
تفتح المجال أمام مبادرات تهدف إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقرارًا وتوازنًا.
محصلة
تكتسب منطقة
الخليج العربي أهمية استراتيجية استثنائية في معادلات الأمن والاستقرار الدوليين،
نظراً لموقعها الجيوسياسي الحيوي واحتضانها لأكبر احتياطيات النفط والغاز في
العالم. فالممرات البحرية الخليجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، تمثل شرياناً رئيسياً
لتدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي تهديد لأمن المنطقة ذا تأثير مباشر
على الاقتصاد الدولي وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هذا المنطلق، لم
يعد أمن الخليج قضية تخص دوله فقط، بل أصبح جزءاً أساسياً من منظومة الأمن
الاقتصادي العالمي.
كما أن استقرار
الخليج يشكل ركيزة أساسية للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تنعكس الأوضاع
الأمنية فيه على مجمل التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة. فكلما تعززت بيئة
الاستقرار والتعاون بين دول الخليج وجوارها الإقليمي، تراجعت احتمالات النزاعات
والتوترات العابرة للحدود، وتوفرت فرص أكبر للتنمية والاستثمار والتكامل
الاقتصادي. لذلك، فإن الحفاظ على أمن الخليج لا يقتصر على حماية المصالح الوطنية
لدوله، بل يمتد ليشمل حماية المصالح الدولية وضمان استقرار أحد أهم المراكز
الحيوية في العالم.
وتبدو منطقة الخليج
اليوم أمام مرحلة دقيقة تتسم بتراجع احتمالات الحرب الكبرى، لكنها في الوقت ذاته تواجه
خطر الانزلاق إلى صراع طويل الأمد ومنخفض الوتيرة. وبين هذين الخيارين، تواصل دول الخليج
مساعيها للحفاظ على التوازن الدقيق بين الشراكات الدولية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
غير أن نجاح هذه الجهود سيبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف المتنافسة على الانتقال من سياسة
الرسائل العسكرية المتبادلة إلى مسار سياسي أكثر استدامة، يضع أمن المنطقة ومصالح شعوبها
فوق حسابات النفوذ والصراع.
تقدير موقف
- استمرار التصعيد المنضبط
دون الانزلاق إلى حرب شاملة : تشير المعطيات الحالية إلى أن الولايات المتحدة
وإيران لا ترغبان في مواجهة عسكرية واسعة النطاق، نظراً للكلفة السياسية والاقتصادية
والعسكرية الباهظة على الطرفين. وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار
نمط الاشتباكات المحدودة والرسائل العسكرية المتبادلة، بما يحافظ على مستوى من الضغط
المتبادل دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى حرب مفتوحة.
- تزايد أهمية الدور
الخليجي كوسيط إقليمي: في ظل إدراك الأطراف الدولية والإقليمية لحساسية أمن الخليج، يُتوقع أن
تتعاظم أدوار بعض العواصم الخليجية في الوساطة واحتواء الأزمات، مستفيدة من علاقاتها
المتوازنة مع مختلف الأطراف. وقد يشكل هذا الدور أحد أهم أدوات حماية المصالح الخليجية
ومنع تحويل أراضي المنطقة إلى ساحات مواجهة مباشرة بين القوى المتنافسة.
- ارتباط أمن الخليج
بمسار التفاهمات الدولية أكثر من التطورات الميدانية: لم يعد استقرار الخليج رهناً بالتوازنات العسكرية
المحلية فقط، بل أصبح مرتبطاً بدرجة كبيرة بمستقبل العلاقات الأمريكية – الإيرانية،
وكذلك بمستوى التفاهم أو التنافس بين القوى الكبرى. ولذلك فإن أي تقدم في المسارات
الدبلوماسية أو المفاوضات غير المباشرة قد ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة، بينما سيؤدي
تعثرها إلى إطالة أمد حالة "اللاحرب واللاسلم" التي تفرض نفسها على المشهد
الإقليمي الحالي.