مقالات تحليلية
قراءة في توقعات سحب قوات أميركية من أوروبا
14-May-2026
تسود داخل الأوساط الأوروبية توقعات متزايدة بأن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا قد لا يكون خطوة معزولة، بل بداية لمسار أوسع لإعادة تقليص الوجود العسكري الأميركي في القارة. هذه المخاوف لا ترتبط فقط بحجم القوات المنسحبة، وإنما بالسياق السياسي والاستراتيجي الذي صدر فيه القرار، خاصة مع تصاعد الخلافات بين واشنطن وبعض الحلفاء الأوروبيين حول الحرب مع إيران، ومستقبل الإنفاق الدفاعي داخل حلف الناتو.
الأصل التاريخي
يرتبط أصل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا ارتباطًا مباشرًا بالتحولات
التي شهدها العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخاصة الحربين العالميتين،
لكنه تحول من وجود مؤقت مرتبط بالحروب إلى تمركز استراتيجي دائم. فبعد إنزال نورماندي
عام 1944 انتشرت القوات الأميركية بكثافة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
وعقب هزيمة ألمانيا، لم تنسحب الولايات المتحدة بشكل كامل، لأن البيئة الدولية تغيرت
مع صعود الاتحاد السوفييتي كقوة منافسة، وبدء ما عُرف لاحقًا بـالحرب الباردة.
وهكذا بدأ التأسيس الفعلي للوجود العسكري الأميركي الدائم في أوروبا. فقد
رأت واشنطن أن القارة الأوروبية المدمرة اقتصاديًا وعسكريًا قد تصبح عرضة للتوسع
السوفييتي، سواء عبر الغزو المباشر أو عبر الأحزاب الشيوعية المحلية. لذلك تبنت
إدارة الرئيس هاري ترومان سياسة الاحتواء التي هدفت إلى منع تمدد الروس في أوروبا،
ولذلك جاءت خطة مارشال لإعادة إعمار القارة اقتصاديًا، بينما جرى بناء المظلة
العسكرية الأميركية بالتوازي معها.
وكانت الخطوة الأهم هي تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949، ليمثل الإطار
الرسمي للوجود العسكري الأميركي في أوروبا. فبموجب مبدأ الدفاع الجماعي الوارد في
المادة الخامسة من ميثاق الحلف، تعهدت واشنطن بالدفاع عن أوروبا الغربية ضد أي
هجوم سوفييتي محتمل. وسارعت بإنشاء قواعدها العسكرية في ألمانيا الغربية وإيطاليا
وبريطانيا وتركيا وإسبانيا وغيرها. وأصبحت ألمانيا المركز العسكري الأميركي الأهم
خلال الحرب الباردة، لأنها كانت خط المواجهة المباشر مع الكتلة الشرقية. وتمركزت
فيها مئات الآلاف من الجنود الأميركيين، إضافة إلى دبابات وطائرات وأسلحة نووية
تكتيكية، ضمن استراتيجية الردع ضد حلف وارسو.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، توقع كثيرون أن ينتهي هذا الوجود أو
يتقلص، لكنه استمر بأعداد أقل. فقد أعادت واشنطن تعريف دوره ليشمل إدارة الأزمات
الإقليمية، والتدخل في البلقان ومكافحة الإرهاب، وطمأنة حلفاء أوروبا الشرقية
الذين انضموا لاحقًا إلى الناتو بعد تفكك الكتلة الشرقية. ثم عاد الوجود الأميركي
ليكتسب أهمية متزايدة بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، إذ اعتبرت واشنطن ودول
الناتو أن موسكو استعادت نهج المواجهة مع الغرب. ولذلك عززت الولايات المتحدة
انتشارها في بولندا ودول البلطيق ورومانيا، ونشرت قوات ومعدات إضافية في شرق
أوروبا ضمن سياسة الردع المتقدم.
وجهات النظر الأميركية
تنقسم وجهات النظر الأميركية حول قرار الرئيس ترامب بسحب قوات من أوروبا
إلى تيارات تعكس عمق الاستقطاب السياسي والاستراتيجي في واشنطن، حيث يرتكز موقف البيت
الأبيض على مبدأ المعاملة بالمثل. وأن عهد تحمل تكاليف الدفاع عن دول غنية قد
انتهى. كما أنه ينظر للانسحاب كأداة ضغط مباشرة، وبرر الرئيس التفكير في سحب
القوات من إيطاليا وإسبانيا لعدم دعمهما واشنطن في حربها مع إيران.
وقد فسرت باتريشيا زينجيرل هذا القرار في تقريرها لرويترز (7 مايو)، بأنه
جاء كرد فعل مباشر على تصريحات المستشار الألماني ميرتس التي وصف فيها واشنطن بالمُهانة
في صراعها مع إيران. أما ليانا فيكس الخبيرة في الشؤون الأوروبية بمجلس العلاقات
الخارجية، فقد رأت أن القرار لا يحركه حساب استراتيجي لتوزيع الأعباء، بل هو رغبة
في معاقبة أوروبا على انتقادها للحرب الإيرانية.
ويواجه القرار معارضة شرسة من قادة في الكونغرس، بمن فيهم حلفاء ترامب
الجمهوريون، مثل روجر ويكر ومايك روجرز. فوفقًا لما نشرته بي بي سي (3 مايو) يحذر
هؤلاء من أن الخطوة ترسل إشارة خاطئة لفلاديمير بوتين وتضعف تماسك الناتو. وبدلًا
من الانسحاب الكامل، يقترح الجمهوريين نقل القوات إلى الجناح الشرقي للحلف ليكونوا
أقرب لروسيا.
وكان الكونغرس قد نشر على موقعه الإلكتروني (27 فبراير)، نص مناقشة مشروع تفعيل
قانون الدفاع الذي يمنع خفض القوات في أوروبا لأقل من 76,000 جندي. وقد يشعل هذا
القانون معركة قضائية حول صلاحيات الرئيس. ويرى جيف راثكي الخبير في المعهد الأميركي
الألماني في واشنطن، أن قيود الكونغرس القانونية ستكون العائق الأكبر أمام ترامب
لتنفيذ انسحاب واسع النطاق يتجاوز الأرقام المعلنة.
ويعتقد بعض المحللين، مثل جاستن لوجان وسومانترا ميترا، في تحليل لمعهد
كاتو الأميركي، أن الخطوة صحيحة استراتيجيًا، ويجب على أميركا تغيير أولوياتها والتركيز
على الصين كخطر أكبر، وترك أوروبا تدافع عن نفسها ضد روسيا التي لا تستطيع حتى حسم
حرب أوكرانيا. ويجادلون بأن الناتو أصبح عبئًا يعرض السيادة الأميركية للخطر
ويقحمها في صراعات لا تخدم مصالحها.
ردود الفعل الأوروبية
تنظر أوروبا إلى الخطوة باعتبارها امتدادًا لرؤية ترامب القديمة التي تعتبر
أن القارة تعتمد أمنيًا بشكل مفرط على واشنطن دون أن تتحمل نصيبًا كافيًا من
الأعباء المالية والعسكرية. ففي ولايته الأولى حاول ترامب بالفعل تقليص القوات
الأميركية في ألمانيا عام 2020، قبل أن تجمد الخطة لاحقًا. وقد صرح مسؤولون
أوروبيون لواشنطن بوست (2 مايو)، بأن العودة إلى هذا التوجه تعكس تحولًا أعمق في
العقيدة الأميركية، يقوم على تقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على آسيا، مع دفع
الأوروبيين لتولي مسؤولية أمنهم بأنفسهم.
ويخشى حلفاء الناتو أن يؤدي الانسحاب الأميركي إلى إضعاف تماسك الحلف
وإرسال رسائل خاطئة لروسيا، مما قد يضع أمن القارة في خطر. وقد تضطر أوروبا لإنفاق
مبالغ طائلة تصل لنحو 800 مليار دولار سنويًا لتعويض المظلة الأمنية الأميركية في
حال انسحاب كامل أو جزئي.
وصرح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس لموقع أتلانتك (4 مايو)، بأن الخطوة
متوقعة وعلى أوروبا تحمل مسؤولية أكبر تجاه أمنها، وشدد على ضرورة تقوية الركيزة
الأوروبية داخل الناتو وتحمل مسؤولية أمنية مستقلة. أما عمدة رامشتاين رالف هيشلر فقد
وصف الخطوة في مداخلته على قناة دوتش فيلا (3 مايو)، بأنها "عقاب مباشر
لألمانيا" بسبب تصريحات مستشارها. كما أبدت كاجا كالاس، مسؤولة السياسة
الخارجية بالاتحاد الأوروبي، في تصريح للغارديان (3 مايو)، مفاجأتها من توقيت
الإعلان، معتبرة إياه إشارة لضرورة تعزيز السيادة الدفاعية الأوروبية فورًا. يُذكر
أن ألمانيا تستضيف أكبر تواجد عسكري أميركي في أوروبا بنحو 35,000 إلى 38,000
جندي، ويتوقع أن تكتمل عملية سحب الـ 5000 جندي الأولى خلال 6 إلى 12 شهرًا.
وتحاول دول أوروبية، خاصة ألمانيا وفرنسا، التعامل مع الأزمة باعتبارها
إنذارًا استراتيجيًا يدفعها إلى تسريع مشاريع الاستقلال الدفاعي. وبرزت دعوات
لتعزيز الصناعات العسكرية الأوروبية، وتطوير قدرات الردع بعيدًا عن المظلة
الأميركية. لكن معظم التقديرات العسكرية تؤكد أن أوروبا لا تزال غير قادرة على
تعويض القدرات الأميركية النوعية.
أما دول شرق أوروبا، مثل بولندا ودول البلطيق، فهي الأكثر قلقًا من أي
انسحاب أميركي، لأنها ترى الوجود العسكري الأميركي عنصر الردع الأساسي ضد روسيا.
ولهذا تحاول هذه الدول الحفاظ على علاقات وثيقة مع إدارة ترامب. ومع ذلك، فإن مجرد
الغموض المحيط بالالتزام الأميركي تجاه أوروبا بات ينظر إليه كعامل يضعف الثقة
داخل الحلف الأطلسي ويثير تساؤلات حول مستقبل الضمانات الأمنية الأميركية طويلة
المدى.
وبطبيعة الحال، أثارت تصريحات ترامب مخاوف خبراء السياسة الأوروبية. ففي
تحليل لنيويورك تايمز (7 مايو)، رأى إد أرنولد، الخبير في المعهد الملكي للخدمات
المتحدة RUSI في لندن، أن سحب الحد الأقصى المسموح به قانونًا (نحو 9000 جندي) سيكون ضارًا
بشكل كبير بالحلف، لكنه لن يصل لمستوى الكارثة، إذ يمكن تعويضه بقدرات بديلة مثل
الصواريخ بعيدة المدى. كذلك أكدت مارينا ميرون الأستاذة بجامعة كينجز كوليدج لندن،
على أن هذا الانسحاب يخلق فجوة هائلة في القدرات العسكرية لا تستطيع ألمانيا أو
دول البلطيق سدها بسرعة، مما يضع الدفاع الأوروبي في موقف ضعيف للغاية.
السيناريوهات المحتملة
1. في ضوء المؤشرات الحالية، يبدو أن مستقبل
الوجود العسكري الأميركي في أوروبا يتجه نحو مرحلة من إعادة الهيكلة الاستراتيجية
التي قد تتجاوز مجرد خفض عددي محدود للقوات، لتطال طبيعة العلاقة الأمنية نفسها
بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. فالمعطيات المتداولة داخل الأوساط الدبلوماسية
والعسكرية الغربية تشير إلى أن الإدارة الأميركية قد تمضي نحو توسيع نطاق الانسحاب
ليشمل دولًا أخرى، وفي مقدمتها إسبانيا وإيطاليا. وهو ما يُفهم داخل أوروبا
باعتباره توظيفًا للانتشار العسكري الأميركي كأداة ضغط سياسي على الحكومات التي لا
تنسجم بصورة كاملة مع التوجهات الأميركية أو لا تبدي التزامًا كافيًا بزيادة
الإنفاق الدفاعي.
2. ومن المتوقع أن تقوم إدارة ترامب بمراجعة عدد
من البرامج العسكرية التي أقرت خلال إدارة جو بايدن، ومن بينها خطط نشر صواريخ
بعيدة المدى في ألمانيا، كصواريخ توماهوك، الأمر الذي قد يعكس تحولًا أوسع في
العقيدة الاستراتيجية الأميركية تجاه القارة الأوروبية. فبدلًا من التركيز على
تعزيز الردع التقليدي طويل الأمد داخلها، قد تتجه واشنطن نحو تقليص التزاماتها
العسكرية المباشرة وإعادة ترتيب أولوياتها العالمية، خاصة في ظل تصاعد التنافس مع
الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
3. كما يبرز احتمال إعادة توزيع القوات
الأميركية داخل أوروبا بدلًا من الانسحاب الكامل، عبر نقل جزء من القوات والقدرات
العسكرية من دول تصنف داخل الإدارة الأميركية باعتبارها أقل تجاوبًا مع السياسات
الأميركية، إلى دول أخرى أكثر تقاربًا مع واشنطن، وفي مقدمتها بولندا وبعض دول شرق
أوروبا. ويعكس هذا التوجه تحولًا في فلسفة الانتشار العسكري الأميركي من مفهوم
الحماية الجماعية المتساوية إلى مفهوم أكثر ارتباطًا باعتبارات الولاء السياسي
ومستوى المساهمة الدفاعية داخل حلف الناتو.
4. ولا تقتصر التداعيات المحتملة على تمركز
القوات فقط، بل قد تمتد أيضًا إلى تقليص المشاركة الأميركية في بعض المناورات
والتدريبات العسكرية المشتركة داخل إطار حلف شمال الأطلسي، وهو ما قد ينعكس سلبًا
على مستويات التنسيق العملياتي والجاهزية المشتركة بين الجانبين. كما أن تراجع
الانخراط الأميركي في الأنشطة العسكرية للحلف قد يضعف تدريجيًا الثقة الأوروبية في
استدامة المظلة الأمنية الأميركية، ويدفع عددًا من الدول الأوروبية إلى تسريع
مشاريع الاستقلال الدفاعي الأوروبي، وتقليل الاعتماد الاستراتيجي على الولايات
المتحدة.
5. وهكذا فإن التحركات الأميركية الحالية لا
تبدو مجرد تعديلات تكتيكية مؤقتة، بل قد تمثل بداية لتحول أعمق في بنية الأمن
الأوروبي والغربي عمومًا، خاصة إذا استمرت النزعة الأميركية الداعية إلى تقليص
الأعباء الخارجية وربط الالتزامات الأمنية بمستوى المكاسب السياسية والاقتصادية
المباشرة للولايات المتحدة.