مقالات تحليلية
تنظيم القاعدة.. دوره وموقفه من الحرب الإيرانية الأمريكية
23-Apr-2026
وقف تنظيم القاعدة في الحرب الإيرانية الأمريكية موقف المتحرّج؛ فإن قام بدعم إيران سيتشظى التنظيم بشكل أكبر، ويثبت تلك السردية القديمة أنه أداة إيرانية، وإن صمت فسيكون ذلك أقل كلفة، لذا اختار موقفاً ممتزجاً ما بين الدعم من قبل قيادته المركزية، والصمت من فروعه المختلفة، لأسباب متنوعة ومتعددة.
(1) القاعدة المرتهن لإيران:
بدا تنظيم القاعدة متماشياً مع إيران منذ
فترة ليست بالقصيرة، وأكبر تدليل على هذا هو مجلة (أمة واحدة) لسان حال التنظيم، وعددها
الذي صدر في شهر أكتوبر 2023، وكيف أن عملياته الموجهة وتهديداته بالقيام بأخرى تتجاوز
الخلاف العقدي والفقهي مع حكام إيران، بل وتتماشى تماماً مع السياسة الخارجية لها،
وتتجاوز الخلاف المذهبي، ولا تستهدف المصالح الإيرانية.
في هذه الحرب، عكس موقف تنظيم القاعدة
مزيجاً من العداء التاريخي للولايات المتحدة مع العلاقات البراغماتية مع إيران، رغم
الاختلاف العقائدي الطائفي، لأسباب رئيسية، وهي:
أولاً: العلاقة القديمة التي بدأها سيف العدل مع الحرس الثوري في 2002، وكان
مصطفى حامد (مؤرخ القاعدة وصهر سيف العدل – متوفى الآن) هو الرجل الذي ساهم في الوساطة
مع الإيرانيين، الذين هدفوا إلى اتفاق يضمنون من خلاله توجيه عمليات التنظيم إلى أمريكا
والعرب، وليس إليهم أو حلفائهم. وبين عامي 2010 و2011، سمحت إيران لأسرة بن لادن، وعدد
من قادة التنظيم، ومنهم أبو الخير المصري (الرجل الثاني، قُتل)، بالذهاب إلى سوريا،
ضمن صيغة تفاوضية قضت بتسليم التنظيم للدبلوماسي الإيراني حشمت الله زادة (الذي اختُطف
في شمال باكستان شتاء 2008).
كان من نتاج هذه العلاقة القديمة جعل فرع
التنظيم في اليمن لا يوجه عملياته ضد الحوثيين، كما أسهم تولي قاسم الريمي، وتشابه
الخبرة التاريخية بينه وبين زعيم التنظيم المحتمل سيف العدل، في التقارب بين الرجلين
بصورة كبيرة؛ فكل منهما كان مسؤولاً عسكرياً في التنظيم، وتولى تنسيق العمليات الخارجية
والمهمات الأمنية. وينقل مركز صنعاء للبحوث أنه في عام 2016 أوفد الريمي أحد أخلص رجاله
"رشيد الصنعاني" وبحوزته مبالغ نقدية كبيرة نُهبت من المكلا إلى منطقة نائية
على إحدى السواحل الإيرانية، والتقى بسيف العدل بحضور ضباط من الحرس الثوري الإيراني،
وجعل ابنه يعود مع الوفد إلى اليمن، الذي يحظى بعدة ألقاب منها "محمد الحضرمي"
و"ابن المدني" (مات في حريق بمحل سكنه في اليمن). وقد توطد دور نجل سيف العدل
في اليمن بشكل مطّرد، حيث أصبح أحد حلقات الوصل الرئيسية بين فرع التنظيم اليمني ووالده
في إيران، لا سيما بعد مقتل قاسم الريمي عام 2020.
يقول الباحث حمادة ردمان: نجح العدل في
إحكام قبضته على خيوط اللعبة داخل تنظيم القاعدة على ثلاث مراحل، وهي تعزيز نفوذه الشخصي
على القيادات الإقليمية في اليمن والصومال وسوريا، وربط علاقات متينة بين الرجال الموالين
له داخل قيادات الأفرع المختلفة، وإضعاف العلاقة بين الفروع الإقليمية وبين القيادة
المركزية في أفغانستان، ومن ثم قطعها تماماً.
ثانياً: وجود قادة التنظيم تحت الإقامة الجبرية في طهران، ومن المعروف أن أعضاء
مجلس شورى القاعدة في عهد الظواهري كلهم مروا على إيران، وهم: صهر الظواهري أبو دجانة
الباشا، حمزة الغامدي، أبو همام الصعيدي، أبو عمر المصري، عبد الرحمن المغربي، وأبو
زياد العراقي، أبو الخير المصري، أبو محمد المصري، سيف العدل المصري، أبو بصير الوحيشي،
أبو حذيفة السوداني، أبو إخلاص المصري. وأهم قادة الفروع لديه هم: إياد أغ غالي (مالي)،
أبو همام السوري سمير حجازي (حراس الدين سوريا)، أبو حذيفة السوداني، ثم أمين محمد
الحق صام خان (أفغانستان)، أحمد ديري (الصومال)، خالد باطرفي (اليمن). وجل هؤلاء اعترضوا
على تلقي العدل بعض التدريبات في طهران، وهذا شكك فيه عناصر القاعدة وجعلهم في ارتياب
منه، حيث إن الفرع الشامي من التنظيم يرفض إيران وفصائلها وسياساتها فقهياً وحركياً،
ويرفض تولي العدل على قمة التنظيم.
ويوجد الآن، من قيادات التنظيم، وفق قائمة
الإرهاب الدولي وعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية: محمد صلاح الدين زيدان، وهو ضابط
أمن مصري سابق، وزعيم محتمل للقيادة العامة للتنظيم. ياسين السوري، مسؤول مالي في التنظيم،
ويقيم في إيران منذ عام 2005، حيث يعمل على نقل الأموال والمقاتلين من الشرق الأوسط
إلى باكستان وأفغانستان. وأبو عبد الرحمن المغربي، وهو أمير تنفيذي عام للقاعدة، ويرجح
البعض قيادته للتنظيم وليس سيف العدل، وهو صهر أيمن الظواهري، وكان في السابق مدير
مؤسسة السحاب الإعلامية ومسؤول لجنة الاتصال. وسليمان أبو غيث، وعز الدين عبد العزيز
خليل، وفيصل العمري الخالدي، وياسر محمد إبراهيم بيومي، وأبو بكر محمد أمين، وعادل
رضي صقر الوهابي الحربي، وعبد المحسن عبد الله إبراهيم الشارخ، وسالم نور الدين محمد
الدبسكي، وعبد الرحمن خلف عبيد جدعي العنزي، وأحمد عبد الله صالح الخزمري الزهراني.
ثالثاً: سيطرة إيران على قيادة التنظيم؛ فرغم أن هناك نظرية أخرى تقول إن سيف
العدل ليس هو قائد تنظيم القاعدة، وأن هناك شخصية أخرى يُرجح أنها (أبو حمزة الغامدي)،
أو (حمزة بن لادن – يُرجح البعض عدم قتله)، فإن المخابرات الأمريكية ترجح تولي العدل
قمة قيادة التنظيم، وهذا أعطى لإيران تأثيراً كبيراً على سياسات التنظيم العامة، مثل
منع العمليات الموجهة للشيعة وللمصالح الإيرانية، خاصة في اليمن والعراق، والاتجاه
لقتال العدو البعيد وليس القريب المحلي، والاندماج بين الفصائل القريبة، مثلما تشكيل
"لواء المقاتلين الأنصار" و"تنسيقية الجهاد" و"جماعة أنصار
الدين" و"أنصار الإسلام"، بقيادة "أبو العبد أشداء"، الذي
ألقت تركيا القبض عليه.
(2) القاعدة والحرب:
أصدرت القيادة
العامة لـ"تنظيم القاعدة"، تزامناً مع توجيه الضربات الأولى لإيران، بياناً
أعلنت فيه النفير واستهداف أي قوات عسكرية في المنطقة، مع التركيز على استهداف حاملات
الطائرات. وحاول البيان تأطير الصراع باعتباره مواجهة بين الإسلام ومشروع وصفه بـ"الصهيو-صليبي"،
مؤكداً أنه لا يستهدف دولة واحدة، بل يسعى لاستهداف الإسلام والمسلمين، كما حرّض البيان
وهاجم الحكومات العربية.
في تقرير حصري
نشره الموقع الجهادي (أنباء جاسم)، استناداً إلى وثائق مسرّبة من داخل حركة الشباب،
أُظهرت طبيعة العلاقة بين تنظيم القاعدة وجماعة الحوثي، وسُلّط الضوء على مساعٍ إيرانية
عبر الحوثيين لتوظيف حركة الشباب وتنظيم القاعدة كسلاح نوعي لاستهداف دول الخليج والمصالح
الغربية وحركة الملاحة البحرية في المنطقة، كاشفاً أن طهران تسعى إلى استخدام القاعدة
لتنفيذ هجمات يصعب ربطها بها مباشرة، بما يمنحها هامش إنكار سياسي، ويتيح لها فتح جبهات
متعددة ضد خصومها دون تحمّل تبعات مباشرة. وبحسب مصدر التقرير، الذي انشقّ عن حركة
الشباب اعتراضاً على هذه العلاقة، فإنه اطّلع على تفاصيل مفاوضات جرت بين الحركة والحوثيين،
وأوضح أن عدداً من قيادات الحركة، من بينهم قيادي في اليمن، تعرّضوا للاستهداف على
خلفية تورطهم في هذا الملف، ما عمّق حالة الانقسام الداخلي داخل التنظيم.
وشنّت صحيفة النبأ
-في العددين (536) و(537) لداعش- هجوماً متواصلاً على تنظيم القاعدة، ، مشيرة إلى أن
التنظيم -دون تسميته- قد تجاوز حدود (التقاء المصالح) حتى أصبح ضمن معسكر طهران.
لم تستجب فروع
القاعدة لبيان القيادة المركزية للتنظيم الذي صدر في بداية الحرب، وتناول إعلام الفروع
أثناء الحرب عملياتهم في اليمن، ومنها الهجوم على المجمع الحكومي في عدن، وعملياتهم
في شرق إفريقيا في أوغندا وكينيا والصومال، وفي دول الساحل (مالي-بوركينا فاسو)، كما
تناول القصف الأمريكي على اليمن في إصدار صوتي لإبراهيم البنا.
وأصدرت جماعة
أطلقت على نفسها (أجناد بيت المقدس) بياناً أعلنت فيه مبايعتها للقاعدة، وهددت ببدء
عملياتها في سوريا، وبالفعل قامت بأولى عملياتها واستهدفت إحدى المصالح الأمريكية في
سوريا في الأيام الأولى للحرب. وقبل بدء التفاوض في باكستان، أصدرت الجماعة نفسها إصداراً
مرئياً نشرت فيه عدة عمليات استهدفت فيها مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، مع شعار
(الملاحم)، وهي وكالة إعلامية تابعة للقاعدة في الجزيرة العربية.
(3) ملاحظات ختامية:
ما يُلاحظ أن
القاعدة التزم الصمت تماماً حيال الحرب الدائرة، سوى بيان القيادة العامة الذي صدر
في الأيام الأولى، ومن المتوقع أنه صدر من قبل سيف العدل في طهران وتحت ضغط منها.
وقد انشطرت السلفية
الجهادية الشامية المقربة من القاعدة، حيث رأى بعضها أن استمرار الحرب بين إيران (الفرس
وفق البيانات) وإسرائيل هو في مصلحة المسلمين والإسلام. إلا أن (أبو قتادة) المنظّر
الأردني المعروف الموالي لأحمد الشرع، وقف موقفاً متوسطاً، ورأى أن الكيان دولة صغيرة،
وأن أمريكا لن تسمح بزوال إيران.
وتقف السياسة
حاضرة في موقف القاعدة من إيران؛ فما جرى في سوريا يظل حاضراً في مخيلة قيادات التنظيم،
الذين يرونها عدواً رئيسياً لأهل السنة، لذا فهم هنا يطالبون أعضاءهم في صفحاتهم الرسمية
بألا ينجرّوا وراء الدعوات الإيرانية، فهي في نظرهم تساوي إسرائيل ولا فرق، بل في بعض
الأقوال هي أخطر منها.
ومما سبق، نستنتج
أن القاعدة يقف في المسألة الإيرانية موقف المتحرّج، حيث تظل مسألة الحرب الإيرانية
الأمريكية إشكالية من الإشكالات المتنوعة التي تواجه التنظيم على المستوى الفكري والسياسي،
ما بين قيادة عامة موجودة في إيران وتريد أن تقدم أي شيء لدولة تحتضنها، وما بين فروع
ترى أنها دولة شيعية لا يجوز مناصرتها.
وتشير
الخلاصة إلى أن تنظيم القاعدة سيستمر في تبني موقف مزدوج وحذر تجاه
إيران وأي صراع معها، بحيث تحافظ القيادة المركزية – خاصة المرتبطة بإيران – على
قدر من التنسيق أو عدم التصعيد، مقابل استمرار تحفظ أو رفض بعض الفروع لهذا
التوجه. هذا التباين مرشح للاستمرار وربما التعمق، ما قد يُبقي التنظيم في حالة
توازن هش بين اعتبارات البقاء السياسي والالتزام الأيديولوجي .
كما يُتوقع
أن تستفيد إيران من هذا الوضع عبر توظيف بعض شبكات القاعدة بصورة غير مباشرة في
صراعاتها الإقليمية، بما يتيح لها تنفيذ عمليات ضد خصومها دون تحمل المسؤولية
المباشرة. وفي المقابل، قد يفاقم هذا التوظيف حالة الانقسام داخل التنظيم، ويزيد
من الشكوك حول استقلالية قراره، خاصة مع تصاعد الانتقادات من جماعات جهادية منافسة
مثل داعش .