انتهت صلاحية معاهدة نيو ستارت، التي تُلزم الولايات المتحدة وروسيا بالحدّ من نشر أخطر الأسلحة النووية في العالم، بين عشية وضحاها، ما قد يُمهّد الطريق لما يخشاه العالم من حدوث سباق تسلّح نووي غير مقيّد. وقد تصاعدت الضغوط المتبادلة بين القوى النووية الكبرى في العالم منذ انقضاء مدة المعاهدة
.

إبرام الاتفاقية وظروفها

تم توقيع معاهدة نيو ستارت من قبل الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف في براغ في 8 أبريل 2010، ودخلت حيّز التنفيذ في العام التالي. وقد حلّت هذه الاتفاقية محلّ معاهدة عام 2002 التي ألزمت روسيا والولايات المتحدة بخفض عدد رؤوسهما الحربية النووية الإستراتيجية المنتشرة عمليّاً إلى ما بين 1700 و2200 رأس بحلول نهاية عام 2012.

دعت المعاهدة إلى مزيد من التخفيضات في الأسلحة النووية بعيدة المدى، وقدّمت تفاصيل أدقّ بشأن أنواع منصّات الإطلاق المختلفة، وتضمّنت آليات للامتثال والتحقّق، التي أثبتت فعاليتها. ونصّت على تبادل البيانات مرّتين سنويّاً، والإخطار المتبادل المستمر بشأن تحرّكات القوات النووية الإستراتيجية، وهو ما كان يحدث عمليّاً بشكل شبه يومي.

والأهمّ من ذلك، أنّ المعاهدة نصّت أيضاً على عمليات تفتيش قصيرة الأجل في الموقع للصواريخ والرؤوس الحربية وقاذفات الصواريخ التي تغطّيها المعاهدة، ما يوفّر رؤى قيّمة ومستقرّة حول عمليات النشر النووي للطرف الآخر. وأخيراً، أنشأت المعاهدة لجنة استشارية ثنائية وإجراءات واضحة لحلّ المسائل أو النزاعات.

الصين في الواجهة

مع ذلك، ترى واشنطن أنّ أيّ معاهدة مستقبلية للحدّ من التسلّح يجب أن تشمل أيضاً الصين، التي تعمل على تعزيز ترسانتها النووية. وقد ردّد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الرأي نفسه، حيث قال للصحفيين في كانبرا: "يجب إشراك الصين، وعليها أيضاً أن تُظهر في مجال الحدّ من التسلّح أنّها مستعدّة لإظهار ضبط النفس وأنّها تستثمر الثقة في العلاقات الدولية".

ودعا الأميرال المتقاعد والقائد السابق للقيادة الإستراتيجية للولايات المتحدة (ستراتكوم) تشارلز أ. ريتشارد، في شهادة أدلى بها أمام لجنة القوات المسلّحة التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، إلى رفع التقديرات بشأن القدرات الصينية إلى مستوى أعلى "مما يفيد به مجتمع الاستخبارات". وأضاف: "يتعيّن مضاعفة هذا العدد بمرّتين أو ثلاث" لتكون التقديرات أقرب إلى الواقع.

ويؤكّد الخبير السياسي لدى "جامعة سنغافورة الوطنية" جا إيان تشونغ أنّ غموض الصين بشأن هذه المسألة يطرح مشكلاتٍ عدّة. وقال لوكالة فرانس برس: "تسهم محدودية الشفافية والسريّة هذه في زيادة مخاطر سوء التقدير". وأضاف: "يعتقد بعض المحلّلين بأنّ بكين تسعى لإخفاء إمكانياتها الحقيقية، وهو أمر بإمكانه أن يحمي ترسانتها النووية ويقدّم ميّزةً لها، إلى حدّ ما، لمنع الأعداء المحتملين من تطوير إجراءات مضادّة". ولفت إلى أنّ الصين تُصرّ على أنّها تُبقي إمكانياتها النووية عند الحدّ الأدنى الذي يتطلّبه الأمن القومي، لكنه أضاف: "لا توجد طريقة للتحقّق من صحّة هذا الادّعاء بشكل مستقل".

رفضت الصين فكرة الانضمام إلى المحادثات بشأن معاهدة جديدة للحدّ من انتشار الأسلحة النووية، وهي تملك نحو 600 رأس نووي بالمجموع، وهو عدد أقلّ بكثير من نحو 1700 رأس نووي تنشرها حاليّاً الولايات المتحدة وروسيا معاً، فضلاً عن أنّه أقلّ بكثير من إجمالي عدد الرؤوس النووية الموجودة في مخزونات القوتين النوويتين الكبيرتين. لكن معظم المراقبين يتّفقون على أنّ الصين زادت إنتاجها من الرؤوس النووية. وبحسب التقديرات الأمريكية، يمكن أن يصل عددها إلى 1000 بحلول عام 2030، ولربّما 1500 بحلول 2035.

تحديث الرادعات النووية

في هذا السياق، تعمل كلّ من الولايات المتحدة وروسيا حاليّاً على تحديث قواتهما النووية وتعزيز قدراتهما الإستراتيجية. وقد بدأت بالفعل منافسة تسلّح جديدة، لكن روسيا تعمل أيضاً على تطوير أسلحة جديدة مصمّمة للتغلّب على الدفاعات الجوية. وتشمل هذه الأسلحة "بوسيدون"، وهو طوربيد جديد عابر للقارات يعمل بالطاقة النووية وموجّه تحت الماء، بالإضافة إلى "بوريفستنيك"، وهو صاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية. كما تقوم الولايات المتحدة وروسيا والصين بتطوير صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى يمكنها المناورة بسرعات تزيد على 4000 ميل في الساعة (6437 كم/ساعة)، ويصعب إسقاطها بشكل كبير. إنّ توسيع القدرات العسكرية من شأنه أن "يزيد من صعوبة" التوصّل إلى معاهدة جديدة للحدّ من التسلّح (بي بي سي – 5 فبراير 2026).

وفي حين أنّ الترسانات النووية الروسية والأمريكية، في ظلّ قيود معاهدة نيو ستارت، كانت تُشكّل تهديداً غير مقبول للبشرية، فإنّ غيابها سيؤدّي على الأرجح إلى زيادة خطر استخدام الأسلحة النووية، نظراً لاحتمالية تصاعد سباق التسلّح النووي. وفي هذا الإطار، قالت داريا دولزيكوفا، وهي باحثة أولى في برنامج الانتشار والسياسة النووية التابع لمعهد RUSI في المملكة المتحدة، إنّ انتهاء معاهدة "نيو ستارت" أمر "مثير للقلق، لأنّ هناك دوافع لدى كلا الجانبين لتوسيع قدراتهم الإستراتيجية".

ورغم انتهاء صلاحية المعاهدة، فإنّ الالتزام القانوني لروسيا والولايات المتحدة والدول الأخرى الحائزة للأسلحة النووية بالتفاوض على نزع السلاح النووي وإنهاء سباق التسلّح لا يزال قائماً، ويستمدّ هذا الالتزام من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي اعتُمِدت عام 1968 ومُدِّدت إلى أجل غير مسمّى عام 1995. علماً بأنّه سيُعقد مؤتمر المراجعة القادم لهذه المعاهدة في أبريل/مايو المقبلين في نيويورك، حيث يتعيّن على الدول الحائزة للأسلحة النووية توضيح التقدّم الذي أحرزته في تنفيذ المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضيّ قدماً بهذا الالتزام في السنوات الخمس المقبلة. وفي أوقات التوتّر الشديد بين الدول، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح.

دور محوري في وقت صعب

تلعب معاهدة حظر الأسلحة النووية دوراً محورياً في هذه الأوقات العصيبة. فهي المعاهدة الوحيدة السارية عالمياً التي تحظر صراحةً جميع أنشطة الأسلحة النووية، بدءاً من استخدامها وصولاً إلى تجاربها وتطويرها. وتبعث هذه المعاهدة برسالة قوية مفادها أن سباق التسلّح المتجدّد ليس مرفوضاً أخلاقيّاً فحسب، بل هو أيضاً غير قانوني بموجب القانون الدولي في معظم دول العالم. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، فإن غالبية الدول إمّا أطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية أو من الدول الموقّعة عليها.

ويحذّر العديد من المراقبين، بمن فيهم توم نيكولز في مجلة "The Atlantic" ودبليو جيه هينيجان في صحيفة "The New York Times"، من خطر سباق تسلّح بمجرّد انتهاء المعاهدة. بينما يُبدي آخرون، مثل هيذر ويليامز من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، قلقاً أقلّ، إذ يرون أن انتهاء المعاهدة لا يعني بدء سباق تسلّح، لأن الولايات المتحدة لن "تبني ترسانتها النووية بشكل تلقائي وكبير". ولكن، حتى وإن لم يكن بالضرورة سباق تسلّح، فقد "يرى البعض في ذلك فرصةً للولايات المتحدة لنشر مزيد من الرؤوس الحربية، وهو ما قد يؤدّي إلى حلقة مفرغة من الفعل وردّ الفعل – أي سباق تسلّح، إن صحّ التعبير"، كما يعبّر الدبلوماسي الأمريكي السابق مارك غودمان.

نتائج محتملة

رغم التحذيرات من الأخطار الكبيرة، فإن التصريحات الرسمية الأمريكية والروسية لا تزال متحفّظة عن الذهاب إلى التصعيد الواسع. فمن جهة، قال مستشار كبير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه يعتزم "التصرّف بطريقة مدروسة ومسؤولة" إذا انتهت صلاحية المعاهدة. لكن في المقابل، صرّحت وزارة الخارجية الروسية في بيان لها بأنه "في ظلّ الظروف الحالية، نفترض أن أطراف معاهدة نيو ستارت لم تعد ملزمة بأيّ التزامات أو إعلانات متماثلة في سياق المعاهدة، بما في ذلك أحكامها الأساسية، وأنها من حيث المبدأ حرّة في اختيار خطواتها التالية" (بي بي سي).

في المقابل، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقلّ قلقاً، ففي يناير 2026 صرّح لصحيفة "The New York Times" قائلاً: "إذا انتهت صلاحيتها (يقصد نيو ستارت)، فقد انتهت... سنعمل ببساطة على اتفاقية أفضل". ويكمن الجزء الأكثر إثارةً للقلق في هذا التطوّر في أن نزع السلاح النووي، وحتى الحدّ من التسلّح الأكثر تواضعاً، أصبح الآن في حالة احتضار، ولا توجد مفاوضات جديدة جارية حالياً بشأن نزع السلاح أو حتى الحدّ من الأخطار النووية، ولا يوجد أيّ جدول زمني لبدء أيٍّ منها.

وبعد مرور 56 عاماً على تقديم التزام ملزم في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لتحقيق نزع السلاح النووي، ينبغي على البلدين العمل على تنفيذ اتفاق قابل للتحقّق بين جميع الدول المسلّحة نوويّاً للقضاء على ترساناتها. لكنهما، ودولاً أخرى تمتلك أسلحة نووية، يتحرّكون في الاتجاه المعاكس، حيث تُظهر تصرّفات ترامب رغبته في استخدام أيّ أداة من أدوات القوّة لفرض مصالح واشنطن. وفي الوقت نفسه، استخدم بوتين صاروخاً بالستيّاً متوسّط المدى قادراً على حمل رؤوس نووية لضرب أوكرانيا، ووجّه تهديدات متكرّرة باستخدام الأسلحة النووية ضدّ كييف والغرب.

خلاصات:

1.     لقد أثار انتهاء آخر معاهدة نووية متبقّية بين الولايات المتحدة وروسيا مخاوف بشأن سباق تسلّح نووي، حيث أصبحت أكبر قوّتين نوويتين عظميين بلا قيود على ترساناتهما لأوّل مرّة منذ عقود. "أسوأ سيناريو هو أن الأمور تتفاقم ثم يتسبّب حادث غير متوقّع أو متوقّع في اندلاع صراع يتصاعد بسرعة إلى صراع نووي"، هذا ما قاله توماس كانتريمان، وكيل وزارة الخارجية السابق لشؤون الحدّ من التسلّح والأمن الدولي (سي إن إن، 5 فبراير 2026).

2.     وإذا كان إنهاء معاهدة نيو ستارت يحمل أخطاراً وعدم يقين، فإنه يُمثّل أيضاً فرصةً لإعادة صياغة اتفاقية بشأن الحدّ من التسلّح والتكيّف مع عالم متعدّد الأقطاب، ربما عن طريق التحوّل من القيود الكميّة إلى قيود القدرات، وعن طريق دعوة المزيد من القوى النووية للمشاركة في مناقشات الحدّ من التسلّح.

3.     إن انتهاء نيو ستارت لا يعني بالضرورة نهاية الحدّ من التسلّح النووي، حيث يمكن للرئيسين ترامب وبوتين أن يقرّرا احترام الحدود العددية التي حدّدتها المعاهدة للترسانات النووية. كما يمكنهما استئناف تبادل البيانات وعمليات التفتيش الميدانية المنصوص عليها في المعاهدة، بالإضافة إلى تطبيق إجراءات التحقّق من معاهدات الحدّ من التسلّح السابقة. علاوةً على ذلك، يمكنهما توجيه إدارتيهما لبدء محادثات فورية بشأن معاهدة جديدة تشمل الأنظمة القائمة والجديدة، وربما إشراك قوى نووية أخرى، مثل الصين.