مقالات تحليلية
ما بين سوريا وأستراليا.. إشارات لعودة الخلايا النائمة للإرهاب
18-Dec-2025
الخلايا النائمة في قلب الحدث
في تصريحات أدلى بها متحدث
باسم وزارة الداخلية السورية (قناة الإخبارية السورية الرسمية)، أن منفذ الهجوم
الذي تعرضت له قوات الأمن السورية وقوات أمريكية قرب مدينة تدمر أثناء تنفيذ جولة
ميدانية مشتركة، قتل جنديين أمريكيين
في عملية انتحارية إضافة إلى مترجم، وهناك إصابتان من طرف قوات الأمن الداخلي
السورية التي استطاعت تحييد المنفذ.
وفي استراليا أفادت (سي ان ان) بأن إرهابيين إسلاميين، هما نافيد أكرم ووالده ساجد، أطلقا النار في
فعالية بمناسبة عيد الأنوار (حانوكا) اليهودي، بالقرب من شاطئ بوندي في سيدني. تقول الصحافة الأسترالية نقلا عن مسؤول في جهاز
الاستخبارات الأسترالي، أن نافيد كان على صلة وثيقة بالداعشي إسحاق المطري، الذي يقضي عقوبة بالسجن لمدة سبع سنوات بصفته القائد
الأسترالي المعلن للجماعة الإرهابية، وكان المطري جزءًا من خلية تابعة للتنظيم مع آخرين
أدينوا منذ ذلك الحين بجرائم إرهابية وكانوا أيضًا على صلة وثيقة بنافيد.
من وراء
عملية سوريا الإرهابية؟
على وقع العملية الإرهابية التي وقعت في سوريا، فقد بان من خلال
تقارير خاصة أن عنصرا كان تابعا لجماعة حراس الدين، ويعمل أمنيا في وزارة الداخلية
السورية، هو المسؤول، وهذا ما دعا المتحدث باسم الوزارة إلى التأكيد على أن هذا
العنصر كان تحت المراقبة والمراجعة وأنه كان سيفصل لولا أن قرار الفصل كان في يوم
الإجازة الأسبوعية.
كان تنظيم حراس الدين (الممثل الحصري للقاعدة في سوريا) حل نفسه في
2024، وأصدر بياننا قال فيه إن هذا القرار جاء بالتشاور مع القيادة، داعيا
الجماهير والمواطنين لاستكمال الطريق، ما يشير إلى أن الحل كان التنظيم مجبرا
عليه، وأنه إجراء مرحلي، وأنه يمكن أن يعاود التحرك حال تغيرت الظروف، وذلك حسب
قاعدة العائد والتكلفة، والتي رأوا فيها أن بقاء التنظيم محشورا في الزاوية بهذا
الشكل غير ذي فائدة، وأنه من الأجدى حله لتحقيق مكاسب أكبر، وحتى لا يتحمل الخسارة
وحده كون أن مهمة الوقوف أمام المعارضة الإقليمية والدولية أكبر منه، وضرورة درء
المفاسد قبل جلب المصالح، والتزام السياسة الشرعية المنوطة بهذا الأمر.
رفضت مجموعات قرار حل الحراس لنفسه في هذا الوقت، وآخرون قبلوا
الاندماج في الجيش السوري الجديد والأجهزة الأمنية ومنهم منفذ العملية الانتحارية.
أما داعش سوريا فإنه متواجد في البادية، وقد انتظر كثيرا مترقبا ما
تمخضت عنه تحركات النظام السوري الجديد، حيث استمال العناصر المعترضة على تصرفاته،
وينتشر في سوريا في منطقتين منفصلتين، الأولى في الجزيرة السورية (شمال شرقي
سوريا)، وتسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي، حيث
يتحرك في البادية الجنوبية لمحافظة الحسكة، والتي تتصل هي الأخرى بالجهة الشمالية
الشرقية من مدينة البوكمال الحدودية وتحديداً عن بلدة الباغوز آخر معاقل التنظيم
الحضرية، وهذه المنطقة تتصل جغرافياً ببادية الحضر في محافظة نينوى العراقية.
أما المِنطقة الثانية المعروفة باسم البادية الشامية، وتقع في محيط
مدينة تدمر شرق محافظة حمص، وتتصف بأنها واسعة وتنتهي بأطراف معظم المحافظات
السورية وتتصل أيضاً ببادية الأنبار العراقية، فهي تُعد معقلا أساسيا للتنظيم، وهو
يقوم بعمليات متقطعة في سوريا وما يسميه بحرب استنزاف، ويقاتل كمجموعات عنقودية، تستهدف
إشغال أعداء التنظيم، وإظهار الكيان، ومنها عمليته الأخيرة هذا الأسبوع باستهداف
أمنيين من قوات سوريا الديمقراطية، ثم وقوف عناصره في حاجز في مدينة معرة النعمان
وتفتيشهم للمارين.
الفلبين والطريق إلى عملية سدني الإرهابية
بحسب قناة العربية دخل الأب ساجد أكرم بجواز سفر هندي إلى الفلبين قبل
شهر من تنفيذ العملية ليتدرب عسكريا مع الجماعات الإرهابية هو وابنه. أكدت سلطات الهجرة
الفلبينية أن الرجلين دخلا البلاد معاً في 1 نوفمبر 2025، وأدرجت مدينة دافاو في
جزيرة مينداناو الجنوبية كوجهة لهما. وتظهر السجلات أنهما غادرا مانيلا في 28
نوفمبر.
وتعتبر الفلبين من المواطن التي تنتشر فيها جماعات الإسلام السياسي
بشقها الإخواني والسلفي الجهادوي، وتأثرت مينداناو، ثاني أكبر جزيرة في الفلبين،
منذ عقود بالإرهاب والاضطرابات المسلحة، حيث إنها موطن للعديد من الجماعات المسلحة
الإسلامية، بما في ذلك أبو سياف، الذي كان له علاقة بهجمات على المدنيين والقوات
الحكومية، وكذلك عمليات اختطاف الرعايا الأجانب.
في عام 2017، استولى أبو سياف ومجموعة ماوت على مدينة مراوي، أكبر
مركز حضري ذو أغلبية مسلمة في البلاد، مما أدى إلى تشريد أكثر من 350 ألف شخص.
استعادت القوات الفلبينية المدينة لاحقا بعد حصار دام أشهر. وحددت وكالة الأمن
القومي الأسترالية، الفلبين في وقت سابق كنقطة ساخنة للدولة الإسلامية في شرق
آسيا، وهي التابعة إقليمية للمجموعة المتطرفة العالمية، وهي التي قامت بتدريب
العنصرين الذين هاجما اليهود في أستراليا. وقال مسؤولون في مكافحة الإرهاب لهيئة
الإذاعة الأسترالية إن نافيد كان من أتباع الداعية السلفي وسام حداد من سيدني.
الصلة بين عملية سوريا وأستراليا
تشير التقديرات
إلى أن الوحدة المتصلة في عملية سوريا الإرهابية وسدني وعملية الولايات المتحدة
التي تم إفشالها قبل التنفيذ، أنها خلايا نائمة، بمعنى أنها مجموعات متصلة
بالتنظيم الإرهابي بشكل مباشر، لكنها غير متصلة بباقي المجموعات، وأحياناً هي التي
تقوم بالمعارك المباشرة والإغارات والهجوم والاغتيالات، وتكون في مواطن النفوذ
وأماكن التوتر مثل الساحل والصحراء أو سوريا، أو هي التي تنفذ المهمات والأعمال
الرئيسية للتنظيم بسرية تامة ومنها الاعمال التشغيلية، والأعمال الخاصة بالمهمات
الميدانية، سواء التنفيذ للعمليات الإرهابية أو العسكرية، أو الأعمال التشغيلية
مثل الاتصالات وتمرير المعلومات الإدارية لعناصر الشبكة الإرهابية، والقيام بتجهيز
وتدريب العناصر الإرهابية، وتأمين خطوط الاتصال بين عناصر التنظيم، وكذا الأعمال
اللوجستية.
كما تشير إلى أن هذه الخلايا لها عدة خصائص أهمها أن كل منها له وحدة
جذور واحدة، ووحدة مضامين الخطاب، ووحدة الاستراتيجيات والأدوات المعتمدة بين
الأطياف المستهدفة، ووحدة التكتيكات والخطط، وذلك باستخدامهم نفس التكتيكات
الحركية، حيث يتشابهون أيضاً في وحدة الغموض والسرية، ووحدة المآلات.
من خصائص
الخلايا المتصلة أنها تتكون من فرد أو أكثر، وتكون وحدة مستقلة يرأسها أميرها
ويدبّر شئونها، وتختار هدفها وتهاجمه، وتبلغ أي وسيلة إعلام باسمها الخاص الذي
اختارته، وتعلن مسئوليتها عن العمل الذي قامت به، (وهي تتشكل عبر 3 دوائر تنظيمية،
كما يلي:
1.
الأولى: هي (السرية المركزية)، التي مهمتها الأساسية
الإرشاد والتوجيه والدعوة، ودائرة التنسيق أو (السرايا اللامركزية)، وتتكون من
العناصر التي أمكن التواصل معها وإخضاعها لدورات التأهيل الفكري والمنهجي والتربوي
المتكامل فكرياً وسلوكياً وعسكرياً وحركياً من خلال التّماس معها، حيث يكون برنامج
تلك العناصر الارتحال عن الجبهة، والانتشار في الأرض كل بحسب ظرفه وحياته، والعمل
بشكل حر ومنفصل تماماً عن السرية المركزية من الناحية الحركية بحيث لا يربطها إلا
الاسم والهدف والمنهج العقدي والتربوي.
2.
الدائرة الثانية: فهي (خلايا الدعوة والتجنيد النائمة)،
وتتكون من فرد إلى 3 أفراد، وهى المسئولة عن ضم عناصر جديدة للتنظيم، ولا علاقة
لها بأية عمليات عسكرية.
3.
أما الدائرة الثالثة: فهي الخلايا النائمة العاملة، التي تقوم بعملية
الإرهاب والتخويف، وتتكون من عنصر إلى 15 عضواً.
أي مستقبل للعمليات الفردية؟
- لقد تحول كل من القاعدة وداعش إلى نموذج هجين يجمع بين الاستقلالية الإقليمية والإشراف المركزي، التي توفر الدعم التشغيلي والتمويل والتوجيه الأيديولوجي، كما يعتمدان على الشبكات الرقمية للدعاية والتجنيد، مستغلين وسائل التواصل الاجتماعي والعملات المشفرة، مما يسرع من التطرف عبر الإنترنت، خاصة بين القاصرين.
- ويلاحظ أنهما يجسدان استراتيجيته "الاستنزاف"، وهي على ثلاث مراحل: إزعاج وإرهاق (نكاية) العدو، وإدارة الوحشية التي ستتبعه (إدارات التوحش)، والتوطيد المؤسسي والإقليمي (التمكين)، ولا يزال كلا منهما قادر على عملية البعث القتالي في الشرق أو في دول بعيدة مثل أستراليا.
- التنظيمان يعملان الآن من خلال قوات تسمى النخبة الرئيسية، أو الأذرع الخارجية أو الذئاب المنفردة والخلايا النائمة، والأخيرة لها ميزة وهي صعوبة الاكتشاف، خاصة مع حجم التعبئة الذي يتم فيه استخدام قضية مثل فلسطين لجذب الشباب إلى الإرهاب، وقدرتها على إحداث صدمة أمنية عبر عمليات مفاجئة، وحيث إنها يمكن أن تتحرك بسهولة بسبب الدعاية المكثفة ضد الأنظمة، وانتقال العناصر عبر الحدود، واستغلال النزاعات الداخلية، وتهديد المصالح الاقتصادية، وتفعيل عملها في أوقات الاضطرابات السياسية لإرباك الحكومات وزيادة الفوضى، وسهولة استقطابها للعناصر عن طريق خلايا نائمة رقمية لنشر دعاية أو قرصنة أنظمة حساسة.