مقالات تحليلية
فبركة الأزمات: إخوان السودان والتضليل الإعلامي
24-Nov-2025
سردية بديلة للهزيمة:
لقد استغلت قوى الجيش وحلفاؤه من الإخوان المسلمين هذا
التطور الميداني لخلق سردية بديلة للهزيمة، هدفها الرئيس هو تأجيج الغضب وتبرير
استمرار الحرب. ففي أعقاب السقوط مباشرة، اجتاحت المنصات موجة من المواد البصرية،
بما في ذلك مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية، أثارت غضبًا واسعًا، لكن التحقيقات
المفصلة كشفت أنها في غالبيتها "فبركات متقنة باستخدام تقنيات الذكاء
الاصطناعي".
هذا التوظيف المكثف للفبركة، الذي أشار إليه المبعوث
الأممي السابق فولكر بيرتس بوصفه حربًا تُخاض عبر "موجات من المعلومات
المضللة"، يهدف إلى تحويل الصراع من حرب سلطة داخلية إلى قصة "عدوان
خارجي" يبرر المطالبة باستمرار القتال ورفض التسوية.
فبركة وتضليل:
شكل سقوط
مدينة الفاشر الاستراتيجية بيد قوات الدعم السريع في أواخر أكتوبر الماضي، نقطة
تحول لم تقتصر تداعياتها على الميدان العسكري فحسب، بل امتدت لتُشعل معركة التضليل
الرقمي، هدفها الرئيس هو صياغة سردية بديلة للهزيمة وتأجيج مشاعر الغضب الداخلي
والخارجي، بما يخدم استراتيجية الداعمين لاستمرار الحرب، ففي أعقاب سقوط المدينة
مباشرة، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة مكثفة من المواد البصرية، كان أبرزها
مقطع فيديو لمسلحين يهددون مدنيين (حصد ملايين المشاهدات)، وصور أقمار صناعية
تُظهر "بقع دماء" واسعة. هذه المواد، التي أثارت غضبًا محليًا ودوليًا،
لم تكن سوى فبركات متقنة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفقًا لتحقيقات مفصلة
أجرتها شبكة "دويتش فيله" ووكالات مثل "فرانس برس".
من الواضح أن
الضربة المعنوية القاسية التي تعرض لها الجيش السوداني بسقوط الفاشر، دفعته وحلفاؤه
إلى إطلاق حملة إعلامية لـ"خلق سردية بديلة للهزيمة الميدانية وذلك بمحاولة إعادة
توصيف الصراع بتحويله في وعي الجمهور من
حرب داخلية ذات أبعاد سياسية وعسكرية معقدة، إلى قصة "عدوان خارجي" أو
"جرائم فظيعة"، مما يبرر المطالبة باستمرار الحرب ورفض أي تسوية سلمية ،
وهذا ما أشار إليه المبعوث الأممي السابق، فولكر بيرتس، حيث أكد أن الحرب تُخاض
على منصات التواصل الاجتماعي عبر "موجات من المعلومات المضللة المشحونة
بالكراهية والتحريض".
جهد مُنظم:
على الرغم من عدم إعلان جهة مسؤوليتها المباشرة عن
الفبركات، فإن التنسيق والسرعة في ضخ هذه المواد بعد سقوط الفاشر يشير إلى وجود
جهد مُنظم ومسبق. وتشير تقارير أوروبية إلى أن قوى الجيش والمجموعات المتحالفة
معها قد لجأت لهذه الأساليب فالحملة هي نتاج تعاون بين إخوان
السودان (الإسلاميين) الذين يعتبرون استمرار الحرب وسيلة لاستعادة نفوذهم السياسي
المفقود، ويعتمدون على خطاب التعبئة والتجييش الديني والوطني بمشاركة التنظيم
الدولي للإخوان الذي يوفر الخبرة والدعم التقني والانتشار العالمي لهذه الحملات
التضليلية فضلاً عن حركات دارفور الموالية للجيش السوداني والتي تسعى لإخفاء خسائرها
الميدانية وتأمين دعم خارجي للقتال.
مفارقة العدالة:
في ظل تصاعد الأزمة السودانية وما صاحبها من فظائع،
تتكشف مفارقة صارخة على ساحة الخطاب السياسي والقانوني إذ يتقدم "إخوان
السودان" (المشار إليهم كمتهمين هاربين من العدالة الدولية) بمطالبات لتصنيف
قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، متناسين سجلهم المثقل بـجرائم دارفور التي لا
تزال أضابيرها مفتوحة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ويقول الكاتب عمر العمر في مقال نشره موقع سودانايل
الإكنرونية في 19 نوفمبر 2025: " إن ملف دارفور يظل "أطول الأضابير
حضوراً على منصات العدالة الدولية". ويشدد على أن "المتهمون فيها هم
أنفسهم الدولة من القاعدة إلى الرأس وصنيعتها من الميليشيات بكل لفيفها". هذا
الاتهام يضع الإخوان في قلب المسؤولية عن الجرائم الثلاث الشنيعة (الإبادة
الجماعية، جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية) التي صدر بشأنها أمر اعتقال بحق
الرئيس المخلوع عمر البشير كأول رئيس يُتهم وهو في سدة السلطة.
ويضيف بأن
المطالبة بتجريم "الدعم السريع" اليوم تأتي كـمحاولة يائسة لصرف الأنظار
عن مسؤوليتهم التاريخية والقانونية المستمرة، وتبييض سجلهم القاتم بوضع طرف جديد
في قفص الاتهام.
التناقض الصارخ:
تُشير
التطورات الأخيرة في الأمم المتحدة إلى مفارقة دبلوماسية وسياسية كبرى؛ ففي الوقت
الذي تدعو فيه قوى بورتسودان (الجيش وحلفاؤه) إلى تصنيف "الدعم السريع"
كـميليشيا إرهابية بسبب أحداث الفاشر، ترفض تلك القوى نفسها بشكل قاطع أي تحقيق
دولي مستقل في نفس الأحداث. هذا التناقض أثار استغراب المراقبين، ويكشف عن دوافع
عميقة تتجاوز مجرد إدانة الخصم.
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "الشرق الأوسط"،
رفضت سلطات بورتسودان (عبر مندوبها في الأمم المتحدة) أربع فقرات جوهرية من قرار
مجلس حقوق الإنسان، أبرزها الفقرة 14 التي تدعو بعثة تقصي الحقائق إلى "إجراء
تحقيق عاجل في الانتهاكات التي يُزعم أنها ارتكبت في الفاشر وما حولها". كما
شمل الاعتراض بنودًا تطالب بتحديد "الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبة
مرتكبيها".
هذا الرفض
يثير التساؤل، فإذا كانت قوات بورتسودان واثقة من روايتها حول جرائم "الدعم
السريع" في الفاشر، فلماذا تمنع تحقيقًا دوليًا وموثوقًا يمكن أن يدعم قضيتها
ويحقق مطالبها بتجريم خصمها؟
اعتبر الخبير الدبلوماسي الصادق المقلي في حديثه
لـ(الشرق الأوسط) أن رفض مندوب السودان لهذه المواد الجوهرية بمثابة "تبرع
مجاني" للدعم السريع، خاصة وأن حكومة "تأسيس" رحبت بالبعثة وأعلنت
استعدادها للتعاون. هذا التعاون المبدئي يمكن أن يكسب "الدعم السريع"
قبولًا دوليًا كطرف متعاون، في حين يضع الرفض سلطة بورتسودان في موقف المتخوف من
العدالة.
كما لخصت المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان رحاب
مبارك، رفض البنود الأربع بأنه يؤكد عدم حرص سلطة بورتسودان على الكشف عن
الجرائم... كما يشير إلى أن إثارتها للأمر تهدف للتكسب السياسي فقط، مما يعزز
مفهوم الإفلات من العقاب.
لعبة "الغزو الأجنبي":
تُشكّل
محاولة "إخوان السودان" تصوير الحرب الدائرة على أنها "غزو أجنبي
إمارتي" تكتيكًا سياسيًا مكشوفًا يهدف إلى صرف الأنظار عن الأزمة الداخلية
وعن سجلهم التاريخي في الإجرام والتهاون بالسيادة، وتحويل الصراع من حرب سلطة
داخلية إلى صراع وطني مزعوم.
تؤكد الكاتبة رشا عوض في مقال نشرته صحيفة التغيير
الإلكترونية في 5 نوفمبر 2025 أن الحرب ليست "غزوًا أجنبيًا" بل هي
"صراع سلطة داخلي بين مجرمين" فتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
وعلى ذات
الصعيد يُبرز الدكتور النور حمد في مقال نشرته سودانايل في 7 نوفمبر الجاري، كيف
أن هذه الحملة الإعلامية التضليلية الضخمة التي اشتركت فيها منصات الإخوان، تسعى
لتشويه سمعة الدعم السريع، لكنها تخدم بالدرجة الأولى التغطية على "الجريمة
الأم"، وهي إشعال الحرب ورفض المحاسبة الدولية.
ويرى النور حمد أن رفض الجيش القاطع لتحقيق دولي حول
"من أشعل الحرب أصلاً، ولماذا" يمثل "إقرارًا صريحًا بالجرم".
فالجيش يعلم أنه سيكون المدان في أي تحقيقات دولية محايدة في إشعال الحرب التي
تفرعت عنها كل الجرائم اللاحقة.
ويلوم
حمد القنوات الإعلامية العربية على "الاتجار الرخيص بالخطاب الإعلامي
الانتقائي"، حيث ضخّمت "تجاوزات الفاشر" (التي فضح جزءًا كبيرًا
منها الإعلام المهني العالمي باعتباره مفبركًا) متناسيةً كل "المجازر
البشعة" التي ارتكبها الإخوان منذ انقلاب 1989، مروراً بـفض الاعتصام، ومجزرة
ودمدني، واستخدام القصف العشوائي، والتطهير العرقي (قانون الوجوه الغريبة)، وصولاً
إلى حماية المجرمين المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
لغز معسكر الدبّة:
في أعقاب
سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، ظهر على الساحة الإنسانية شمال السودان
"معسكر الدبّة" كنقطة محورية لاهتمام السلطة القائمة في بورتسودان، بزعم
استقبال النازحين وتقديم الدعم الإنساني لهم. إلا أن التوقيت والظروف المحيطة
بالمعسكر أثارت تساؤلات جدية لدى المراقبين، مشككة في الأهداف الحقيقية وراء هذا
الاهتمام المفاجئ والمكثف.
يكمن اللغز
الأول في التحديات الجغرافية واللوجستية التي تحيط بوصول النازحين المزعومين من
الفاشر إلى الدبة فالمسافة شاسعة بين المدينتين وتبلغ نحو 1350 كيلومترًا. ويثير
هذا البعد الشاسع شكوكًا حول قدرة أعداد كبيرة من النازحين على قطعها في وقت قصير
ووسط ظروف أمنية بالغة الصعوبة، الأمر الذي يتعارض مع إعلان المعسكر عن استقبال
أسر وصلت بعد سيطرة "الدعم السريع" على الفاشر مباشرة. كذلك تتزايد الشكوك حول دوافع النزوح إلى هذه
المنطقة بالتحديد، خصوصًا وأن المجموعات التي ترجع أصولها لإقليم دارفور سبق
وتعرضت لمضايقات في المناطق الشمالية بسبب ما يُعرف بـ “قانون الوجوه الغريبة".
هذا يطرح تساؤلًا حول ما إذا كان النازحون قد تم توجيههم إلى هذا الموقع بعوامل
غير إنسانية.
يشير مراقبون إلى أن إنشاء المعسكر تم بسرعة قياسية،
صاحبه "ضخ لوجستي كبير وزيارات إعلامية ورسمية مكثفة". هذا الاهتمام
المفاجئ، الذي يتناقض مع استضافة الولاية الشمالية لـ 32 ألف أسرة نازحة سابقة دون
نفس الزخم الإعلامي، يرجح وجود هدف سياسي واضح.
عليه يُنظر إلى هذا المعسكر كجزء من محاولة السلطة
القائمة في بورتسودان لـتضليل الرأي العام المحلي والدولي، بهدف إظهار الجيش
وحلفائه بمظهر الطرف الحريص على رعاية المدنيين والمهتم بالكارثة الإنسانية،
وتصويره كطرف قادر على إدارة الأزمة الإنسانية بعكس ما تشير إليه التقارير الأخرى.
خلاصات:
1. من الواضح أن (تكتيكات) الخطاب الإخواني
في السودان من خلال هذه الحملة المضللة كشفت عن ثلاث مفارقات متناقضة تتحد كلها
لخدمة هدف واحد هو الإفلات من المساءلة والعودة إلى السلطة.
2. يظهر التناقض القانوني حين يتقدم
"إخوان السودان" الهاربين من العدالة والمثقلين بسجل جرائم دارفور
بمطالبات لتجريم "الدعم السريع"، في محاولة يائسة لصرف الأنظار عن
مسؤوليتهم التاريخية. إن هذا الموقف، المدعوم برفض سلطات بورتسودان القاطع لأي
تحقيق دولي مستقل في أحداث الفاشر، يؤكد ما أشار إليه الكاتب عمر العمر؛ بأن رفض
التحقيق يهدف إلى حماية المتورطين القدامى والجدد من المساءلة، مما يمثل
"إقرارًا صريحًا بالجرم".
3. أما التناقض الإنساني يظهر في محاولة
فبركة سردية "الاهتمام بالنازحين" عبر معسكر الدبّة، رغم الشكوك
الجغرافية واللوجستية والاهتمام الإعلامي المبالغ فيه، يُنظر إليها كجزء من محاولة
تضليل الرأي العام وتلميع صورة الجيش وحلفائه.
4. في النهاية، تتفق التحليلات على أن هذه
الأساليب تخدم هدف التكسب السياسي، وتؤكد المحامية رحاب مبارك أن الرفض الرسمي
للتحقيق لا يؤكد سوى "عدم حرص سلطة بورتسودان على الكشف عن الجرائم"
ويعزز مفهوم الإفلات من العقاب على حساب دماء وسلامة الشعب السوداني.