تمر العلاقات التكنولوجية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بأكثر فتراتها حساسية، بعدما تحول الخلاف حول قواعد تنظيم الخدمات الرقمية الأوروبية من نقاش قانوني وتقني إلى صراع سياسي واقتصادي مفتوح، يعكس تنافسا أعمق على من يملك حق صياغة معايير الحوكمة الرقمية العالمية. فبينما ترى بروكسل في تشريعاتها الجديدة، وعلى رأسها قانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية، أداة لحماية المنافسة وحقوق المستخدمين وترسيخ السيادة الرقمية، تنظر واشنطن إليها باعتبارها قيودا تستهدف الشركات الأميركية العملاقة، وتهدد حرية التعبير وتدفق الابتكار.

وبين فرض الولايات المتحدة عقوبات غير مسبوقة على مسؤول أوروبي سابق مرتبط بهذه القوانين، ورد أوروبي يتوعد بتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية وبناء قدرات رقمية ذاتية، بات واضحا أن الخلاف تجاوز حدوده التنظيمية ليصبح مؤشرا على إعادة تشكيل موازين القوة الرقمية العالمية، بما يفتح المجال لسيناريوهات متعددة قد تتحقق خلال السنوات القادمة.

 

الصراع حول قواعد تنظيم الخدمات الرقمية

في السنوات الأخيرة، دخلت قواعد تنظيم الخدمات الرقمية التي أرسى دعائمها الاتحاد الأوروبي في صلب نقاشات السياسة الدولية بين القوتين الغربيتين الرئيسيتين. وعلى عكس الأطر السابقة التي كانت تتعامل مع الرقابة على المحتوى عبر آليات خفيفة، أتى قانون الخدمات الرقمية في 2022 ليشكل إطارا رقابيا صارما على المنصات الكبرى، ويفرض عليها مسؤوليات أوسع في مكافحة المحتوى غير القانوني، ويمنح سلطات رقابية قوية للمفوضية الأوروبية تجاه الشركات التي يصل انتشارها لأكثر من 45 مليون مستخدم داخل الاتحاد. هذا القانون كان جزءا من حزمة تشريعات تشمل أيضا قانون الأسواق الرقمية الذي يفرض قواعد منافسة على الشركات العملاقة، في محاولة أوروبية للحد من سيطرة بعض الشركات الأميركية.

يرى أندرو هاتشينسون، مدير المحتوى ووسائل التواصل الاجتماعي، في موقع سوشيال ميديا توداي، أن التوترات تجاوزت إطار التنظيم العادي إلى مواجهة بناءة حول من يتحكم فعلا في تشكيل قواعد اللعبة في عالم الإنترنت. فمن منظور واشنطن، يرى المسؤولون الأميركيون في هذه القواعد تهديدا لحرية التعبير وعبئا تنظيميا غير عادل على الشركات الأميركية الكبرى، ما حول النقاش القانوني إلى قضية سياسية معقدة تمتد بين التجارة وحقوق التعبير والسيادة الرقمية.

 

تصعيد أميركي غير مسبوق

في نهاية عام 2025، شهد الصراع منحى تصعيديا عندما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن فرض عقوبات قاسية بحق خمسة مسؤولين أوروبيين، من بينهم تييري بريتون، المفوض الأوروبي السابق للسوق الداخلية. وقد اتهمته واشنطن بأنه العقل المدبر لقواعد تنظيم الخدمات الرقمية التي يعتقد الأميركيون أنها تمارس رقابة على منصاتهم وتهدد حرية التعبير الأميركية. وإلى جانب بريتون، وحسب ما نشره موقع Stories Framing the Globe يوم 23 ديسمبر الماضي، شملت القائمة رؤساء منظمات غير ربحية ألمانية وبريطانية تعمل في مجال رصد المعلومات المضللة على الإنترنت. هذه العقوبات تجسدت في منع دخولهم إلى الولايات المتحدة ووصمهم بأنهم جزء من "المجمع العالمي للرقابة".

القرار لم يكن مجرد إجراء تقليدي، بل مثل سابقة في العلاقة بين الحليفين التقليديين، فنادرا ما تلجأ الولايات المتحدة إلى مثل هذه التدابير تجاه الدول الصديقة. وقد برر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ذلك بأنه رد على ما وصفه بأعمال الرقابة والتدخل الخارجي في خطاب الأميركيين، لكن الاتحاد الأوروبي، عبر موقعه الرسمي، اعتبر تصريح روبيو تدخلا غير مقبول في سيادته التشريعية ومحاولة ضغط سياسي صريحة على مشروع تنظيمي مستقل.

 

ردود الفعل الأوروبية

كان رد قادة الاتحاد الأوروبي على العقوبات الأميركية حادا وغير تقليدي في لهجته. فمن بروكسل إلى عواصم الدول الأعضاء، وفقا لما نشرته واشنطن بوست، ندد القادة، بما في ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالإجراءات الأميركية واصفين إياها بالتخويف والضغط غير المشروع. كما حذر الاتحاد من تقليل اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الأميركية وبناء قدراته الرقمية الذاتية، في إشارة واضحة إلى استراتيجية أوسع نحو السيادة الرقمية الأوروبية وتقليل التبعية التكنولوجية.

هناك بالفعل مبادرات مثل مشروع EuroStack الذي يسعى لبناء بنية تحتية رقمية أوروبية مستقلة تقلل من الهيمنة التقنية الأجنبية، ويعمل كمحرك لتسريع تطوير القدرات الرقمية المحلية والابتكار في البنية التحتية السحابية والتطبيقات الأساسية.

إن ما يجري قد يكون بداية مرحلة جديدة من الصراع على معايير الحوكمة الرقمية العالمية، حيث لن يكون الخلاف حول القواعد فحسب، بل حول من يملك النفوذ على طبيعة الحوكمة. ومع استمرار الاتحاد الأوروبي في تنفيذ قوانينه الرقمية بقوة خلال السنوات المقبلة، وتصاعد التوتر السياسي مع إدارة البيت الأبيض، فإن قدرة أوروبا على الموازنة بين السيادة الرقمية وحماية العلاقات مع شركائها التقليديين ستكون محورا أساسيا في تشكيل النظام الرقمي العالمي المقبل. وهكذا لا يمكن اختزال الصراع الحالي في قضية تنظيم تقني فحسب، بل هو نزاع بنيوي على من يكتب قواعد الاقتصاد الرقمي العالمي في العقود القادمة.

وقد تخلق ردود فعل أوروبا حول الإجراءات الأميركية ما يمكن تسميته "تأثير بروكسل"، الذي يمكنه دفع الشركات العالمية لتعديل منتجاتها وخدماتها بما يتوافق مع المعايير الأوروبية، وبالتالي ينتشر هذا النموذج التنظيمي خارج حدود الاتحاد الأوروبي نفسه. لو تحقق ذلك فإن أوروبا لن تكون مجرد رقابة أو سوق تنظيمية فحسب، لكنها ستصبح مركزا لضبط معايير تشغيل الخدمات الرقمية العالمية، ما يعيد تشكيل أطر الحوكمة الرقمية.

 

سيناريوهات محتملة

يمكننا طرح ثلاثة سيناريوهات محتملة للصراع الأوروبي الأميركي حول تنظيم الخدمات الرقمية، تمثل في مجملها محاولة لاستشراف مسارات هذا الخلاف خارج إطاره القانوني المباشر، في ضوء تداخله المتزايد مع اعتبارات الاقتصاد والسيادة والجغرافيا السياسية.

1.     يستمر الاتحاد الأوروبي في تطبيق وتفعيل تشريعاته الرقمية بقوة أكبر في 2026 وما بعده، بالرغم من الضغوط والتهديدات الأميركية بالرسوم والقيود. قد تراهن بروكسل على أن حكوماتها ومواطنيها يرون في هذه التشريعات حماية لحقوق المستخدمين وللمنافسة العادلة، ما يجعلها أدوات لا تنازل عنها في سياق سيادة الحوكمة الرقمية الأوروبية. وبالتالي، قد يتوسع نطاق النزاع ليشمل تحقيقات ضد شركات مثل غوغل ومايكروسوفت وآبل، حول محتوى الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.

2.     يمكن أن تؤدي موجة التوترات إلى تكثيف الاستثمارات الأوروبية في البنى التحتية الرقمية المحلية وتطوير بدائل أوروبية في الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والبنية الأساسية للبيانات. لتحقيق ذلك سيعمل الاتحاد على مبادرات مثل تعزيز شركات مثل EuroStack و Buy European لدعم المنصات الرقمية المحلية وتشجيع استخدام التكنولوجيا الأوروبية بدلا من الأميركية. هذه التحولات لا تقتصر على حماية سوق الاتحاد الداخلية فحسب، بل تهدف إلى تقليل نقاط الضعف أمام الإجراءات الخارجیة التي تستند إلى القانون الأميركي.

3.     في سيناريو أكثر تشددا، قد تتحول النزاعات الرقمية إلى جزء من مواجهة أوسع نطاقا، تشمل قطاعات أخرى مثل الرسوم الجمركية على السلع، والضرائب الرقمية، والسياسات التجارية. يمكن لواشنطن استخدام التهديد بفرض رسوم إضافية أو قيود على الصادرات المتقدمة، كأداة ضغط لإجبار الاتحاد الأوروبي على تعديل أو تخفيف قواعده التنظيمية. ومن المحتمل أن يتمسك الاتحاد بموقفه بحجة أن قوانينه ليست محل تفاوض تجاري. استمرار مثل هذا الوضع قد يدفع إلى انسداد سياسي في المفاوضات التجارية الأكبر بين الجانبين، ويسهم في ظهور أطلسي رقمي منفصل تتبنى فيه كل جهة قواعدها الخاصة لمعالجة الخدمات الرقمية، مما يعقد التجارة الرقمية العالمية ويضع تحديات أمام التعاون في مجالات مثل حماية البيانات والأمن السيبراني.