تحت عنوان حماية سكان فلوريدا من المنظمات الإرهابية المتطرفة، أصدر حاكمها رون دي سانتيس في 9 ديسمبر 2025 قرارا تنفيذيا صنف بموجبه جماعة الإخوان ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية CAIR كمنظمات إرهابية أجنبية.

القرار التنفيذي رقم 25-244 تحت عنوان حماية سكان فلوريدا من المنظمات الإرهابية الإسلامية المتطرفة، ينص على ما يلي:

1.     تصنّف بموجب هذا القرار جماعة الإخوان المسلمين وأي فرع أو وحدة تابعة لها، ومجلس العلاقات الأمريكية-الإسلامية «كير»، وأي منظمة أخرى تصنفها الحكومة الأمريكية كمنظمة إرهابية أجنبية، كمنظمات إرهابية.

2.     يُوجّه إلى إدارة تطبيق القانون في فلوريدا اتخاذ كافة الإجراءات القانونية لمنع الأنشطة غير القانونية في الولاية من قبل المنظمات الإرهابية المصنفة. وبما لا يخالف القوانين الفيدرالية أو قوانين الولاية.

3.     ويتوجب على جميع الوكالات التنفيذية اتخاذ كل الإجراءات القانونية لمنع أي منظمة إرهابية مصنفة، أو أي شخص معروف بتقديم دعم مادي لها، من الحصول على عقود أو توظيف أو أموال أو أي امتيازات أخرى من أي وكالة أو كيان تحت إشرافها أو من أي مقاطعة أو بلدية في الولاية.

 

سقوط دراماتيكي لمسار الجماعة

قال حاكم فلوريدا في قراره أن كير تأسس من أشخاص يرتبطون بالجماعة التي تسعى لإقامة خلافة إسلامية عالمية، وربط بينهما وبين حركة حماس. ويبدو أنه بذلك استهدف الحاضنة الفكرية والتنظيمية، مما يثبت أن هناك تحولات في كيفية تصنيف التهديد، من عنف مسلح إلى إيديولوجيا وشبكات عمل مدني وسياسي. وقد وصف الباحث السياسي المصري حسام الغمرى تلك الخطوة خلال حديثه مع قناة الحياة (9 ديسمبر)، بأنها سقوط دراماتيكي لمسار الجماعة بعد تسعين سنة من اعتبارها أداة وظيفية مثالية في فترات الفوضى.

في هذا السياق، يعكس القرار استراتيجية أمنية جديدة على مستوى الولايات لنزع الشرعية عن الإسلام السياسي بكل تجلياته، فلا يجب إهمال أن فلوريدا ذات وزن انتخابي كبير، وحاكمها معروف بمواقف يمينية صارمة تجاه قضايا الأمن والهوية والدين والهجرة. وهو يعبر بقراره عن قاعدة انتخابية تميل إلى التشدد.

جاء هذا القرار بعد خطوة مشابهة في ولاية تكساس التي أعلن حاكمها جريج أبوت، وفقا لما نشره الموقع الرسمي للولاية في 18 نوفمبر الماضي، تصنيف الإخوان وكير كمنظمات إرهابية عابرة للحدود، ما يشير إلى تنسيق نوعي وانحياز إقليمي في بعض الولايات تجاه هذه الرؤية.

الإخوان خطر على المجتمع المسلم

أجمع خبراء في حديث للغارديان، على أن أخطر مظاهر حضور الإخوان في أميركا لم يكن تنظيميا بقدر ما كان فكريا داخل فضاءات الجاليات المسلمة. فقد اعتمدت تاريخيا على بناء شبكات إعلامية ومنظمات، كواجهات تقدم نفسها ممثلا شرعيا وحيدا للمسلمين، ما أدى إلى مصادرة التنوع داخل المجتمع الأميركي. هذا النمط من الإرهاب الفكري لا يقوم على العنف المباشر، بل على خلق بيئة تخيف المخالف، وتقصي الأصوات الإصلاحية والمستقلة، وتعيد إنتاج سردية أن صوت الإخوان هو صوت المسلمين.

وفي سياق مثل الولايات المتحدة، حيث تحرص المؤسسات على الاستماع لرأي ممثل الجاليات، استفاد الإخوان من الفراغ المؤسسي لدى المسلمين، وفرضوا عبر أدواتهم هيمنة ناعمة تحدد من يتكلم، وما يقال. وهكذا تحول النشاط الإخواني إلى تهديد ثقافي وفكري قبل أن يكون أمنيا، لأنه ضيق المجال العام للمسلمين، واحتكر تمثيلهم، وقدم صورة مشوهة تساوي بين التدين والمشروع السياسي للجماعة.

علاقات كير بجماعة الإخوان

يعد مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية من أبرز منظمات الحقوق المدنية للمسلمين في الولايات المتحدة، وحسب موقعه الرسمي، تأسس عام 1994 وله فروع في ما يقرب من عشرين ولاية، بهدف الدفاع عن الحقوق المدنية للمسلمين ومكافحة التمييز والدفاع عن الحرية الدينية.

ولكن بمرور الوقت تم اتهام العديد من قياداته بالارتباط بالإهاب، الأمر الذي دعا الكونغرس الأميركي إلى مناقشة قانون لتصنيفه منظمة إرهابية في 24  يونيو الماضي 2025. وجاء في مسودة القانون المنشورة على موقع الكونغرس، أنه ذكر كمتآمر غير مدان في المحاكمة التي اتهمت مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية بتمويل الإرهاب عام 2007، الأمر الذي دعا هيئات تشريعية في عدة ولايات إلى إصدار توصيات تحث على تجنب التعامل معه بسبب مزاعم ارتباطه بالإرهاب.

وجاء في المادة الثانية من المسودة أن مكتب التحقيقات الفيدرالي علق جميع الاتصالات الرسمية مع كير استنادا إلى أدلة تثبت علاقته مع حركة حماس. وأن ربيع حداد، عضو كير اعتقل عام 2002 بتهم تتعلق بتمويل القاعدة. وأدين المصري باسم خفاجي مدير المجلس السابق للشؤون المجتمعية في 2003، بتهمة تمويل الإرهاب، ومتحدثه الرسمي عبد الرحمن العمودي، بتمويل القاعدة وحماس وحزب الله.

كذلك أدين راندال تود روير، منسق الحقوق المدنية، في 9 إبريل 2004 بالتدريب مع جماعة عسكر طيبة، ومساعدة القاعدة وطالبان في قتال القوات الأميركية. وحكم بالسجن على غسان العشي، عضو المجلس، عام 2009 بعد إدانته بدعم الإرهاب. وفي مارس 2011، حكم على مثنى الحنوتي، أحد مديري كير، بالسجن لانتهاكه العقوبات الأميركية المفروضة على العراق. ومن المعروف أن دولة الإمارات صنفت كير منظمة إرهابية في عام 2014، وفق القرارات المنشورة على موقع الخارجية الإماراتية.

على أي حال، إذا نجح كير في الدفاع ضد حظره قانونيا، فمن الممكن تقييد القرار أو إلغاؤه، لكن حتى لو خفت الضغوط القانونية، فإن سمعته ستتأثر وسيضعف دوره، أو على الأقل سيعيد صياغة نفسه بهدوء لتجنب التهم.

انعكاس القرار على الإخوان فكريا وتنظيميا

بتصنيفها رسميا كمنظمة إرهابية، حتى وإن كان ذلك على مستوى ولاية، لكن القرار يوجه رسالة واضحة بأن الإخوان ليست جماعة سياسية دينية عادية يمكن أن تدرج ضمن تيار معارض، بل هي خطر أمني، مما يقلل كثيرا من أي فرصة لإعادة تأهيلها سياسيا أو شرعيا في فضاءات غربية، او حتى في الدول التي تنسق سياسيا وأمنيا مع الولايات المتحدة.

يرى جوزيف أكس، المحرر السياسي لرويترز، أن القرار سيتسبب في عزل الجماعة إعلاميا وسياسيا، لأنه ينتزعها من سياق صراع داخلي في بلد عربي، لتصير جزءا من حرب إيديولوجية دولية على الإسلام السياسي. ومن جهة أخرى، لو استمرت الجماعة في العمل تحت أسماء مختلفة، مدنية وحقوقية، فقد تحاول إعادة بناء نفسها بصورة معتدلة ظاهريا لتجنب الوصم بالإرهاب. إن هذا القرار قد يدفع أيضا إلى مزيد من التشديد على الجاليات المسلمة بالغرب، مما يضعف قدرات الإخوان على النفاذ الاجتماعي مع الوقت.

تداعيات محتملة

في كل الأحوال هناك تداعيات لقرارات التصنيف المحلية داخل الولايات المتحدة وخارجها، ففي الداخل، قد نجد المزيد من القرارات تصدر عن ولايات أخرى قريبا، لتوسيع نطاق ملاحقة الإخوان، أما خارجيا  سنشهد عزوف بعض الدول عن إعادة فتح أذرع للإخوان.

وأخيرا.. يبدو أن قرار فلوريدا، بالرغم من طابعه الإقليمي، يمثل نقطة تحول نوعية في التعامل الغربي مع الأمر، بحيث يعاد تعريف الإرهاب ليشمل الإسلام السياسي بأبعاده الشاملة، ما يجعل من نموذج (الجماعة المركزية + التنظيم + القيادة + الولاءات الدولية) نموذجا نادرا، أو على الأقل سيعود للعمل في الظل، باحثا عن أسماء بديلة وأنشطة محدودة. لكنه أيضا قد يولد حركات جديدة أكثر ليونة، وأقل مركزية، وأكثر اندماجا.