يشهد إقليم كردفان، المكون من ثلاث ولايات هي شمال وغرب وجنوب كردفان، خلال الأسابيع الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين، بحسب الأمم المتحدة. وتتجسد الأزمة السودانية حاليا بأعمق صورها في ولايتي شمال وجنوب كردفان، حيث لم يعد الصراع مجرد اشتباك عسكري، بل تشابك معقد للكوارث الإنسانية والملفات الجيوسياسية الشائكة.

 

حرب المسيرات

في 16 ديسمبر 2025 أعلنت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 104 مدنيين جراء هجمات بطائرات مسيرة، استهدفت مناطق متفرقة من إقليم كردفان في السودان منذ الرابع من ديسمبر الجاري. وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، في بيان صحفي إن "ما لا يقل عن 104 مدنيين قتلوا نتيجة غارات جوية متعددة بطائرات مسيرة طالت مناطق مختلفة من إقليم كردفان، في ظل تصاعد القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال".

ووفق اندبندنت عربية، سيطرت حرب المسيرات على المشهد العملياتي المتصاعد بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في الإقليم بشكل لافت منذ أسابيع عدة، خاصة من جانب الجيش الذي يسعى إلى تشتيت وتفكيك تجمعات "الدعم السريع" وتقليص قدراتها والحد من تقدمها وانتشارها في ولايات كردفان الثلاث، شمال وجنوب وغرب، في ضوء تهديدات الأخيرة بمهاجمة المدن الاستراتيجية الواقعة تحت سيطرة الجيش في هذا الإقليم، وذلك من خلال تكثيف الضربات الجوية المحكمة التي تعتمد على الرصد الجوي الدقيق والتدخل السريع، (اندبندنت عربية، 17  ديسمبر 2025 )

 

 وضع مدينة الأبيض

تعيش مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان تحت وطأة الهجمات المسيّرة التي تستهدف المدنيين وحركة التجارة، مما يفاقم موجات النزوح. لا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن الملف الحدودي الملتهب المتمثل في حقل هجليج/فانطاو النفطي، الذي يبرز كخلفية تاريخية للتوترات مع دولة جنوب السودان. المفارقة التاريخية العميقة التي كشفتها أحداث الحدود مؤخراً. وقد أدت المخاوف المتزايدة من هجوم وشيك على المدينة إلى موجة نزوح جديدة من الأحياء الشرقية، مما يعكس القلق الشعبي من التوترات الأمنية ويؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار السفر.

 

 كارثة إنسانية وتبادل اتهامات

في الخضم تعاني مدينتا كادوقلي والدلنج في ولاية جنوب كردفان من وضع أمني متدهور للغاية منذ اندلاع الحرب، حيث تشهد المنطقة اشتباكات متواصلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بالإضافة إلى الوجود النشط للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في مساحات واسعة من الولاية. هذا التوتر الثلاثي الأبعاد أدى إلى حصار خانق للمدن وتفاقم المجاعة، التي تسببت في مقتل أكثر من 400 طفل منذ بداية عام 2024.



هجوم على المقر الأممي

 تجسدت هشاشة الوضع الأمني في هجوم مروع استهدف مقر بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في كادوقلي. أسفر الهجوم عن مقتل ستة وإصابة ثمانية من عناصر الكتيبة البنغالية لحفظ السلام.

اتهم الجيش السوداني قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجوم باستخدام طائرة مسيّرة انتحارية وثلاثة صواريخ استهدفت معسكراً لوجستياً ومحطة وقود تابعة للبعثة، فيما أصدرت قوات الدعم السريع بياناً نفت فيه هذه الاتهامات نفياً قاطعاً، واصفة إياها بـ "تلفيق المزاعم" ومؤكدة على سجلها في حماية المنشآت الأممية.

 

مبادرة جبال النوبة

في محاولة لكسر هذا المأزق العسكري والإنساني، قدم تحالف قوى جبال النوبة المدنية مقترح وساطة عاجلاً للأطراف. وبعد أن سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة بابنوسة آخر معاقل الجيش السوداني في ولاية غرب كردفان، تحولت أنظارها سريعا نحو ولايتي شمال وجنوب كردفان في خطوة تشير إلى سعيها لإحكام السيطرة على الإقليم بأكمله وسط مخاوف من امتداد رقعة العمليات العسكرية داخل تلك المناطق، الأمر الذي دفع بعض الأطراف للتحرك بطرح مبادرة تقضي بإبعاد المتقاتلين وتسليم المدن للجيش الشعبي، قبل اندلاع الحريق، (صحيفة التغيير ، 11 ديسمبر 2025).

ترتكز المبادرة على:

1.   وقف فوري لإطلاق النار وإبعاد قوات الدعم السريع من الإقليم وانسحاب الجيش السوداني من حامياته وتسليمها للحركة الشعبية (الحلو)، كجزء من مكونات الإقليم.

2.   تتضمن الخطة إدارة مدنية محلية للمناطق، مؤكدة على أن التحالف ينظر للجيش والدعم السريع كـ "مجموعة واحدة" في سياق الصراع التاريخي ضد أبناء النوبة، مع تحذير من أن رفض الأطراف للمقترح سيحمّلهم المسؤولية القانونية الكاملة عن أي تصعيد.

وقد ناشد التحالف الدكتور عبد الله حمدوك والمجتمع الدولي لدعم هذه المبادرة كنموذج لإنهاء النزاع.


السيناريوهات المتوقعة في كردفان الكبرى


أولاً: سيناريو الوضع العسكري والإنساني

    فشل مبادرة جبال النوبة: على الرغم من أهميتها، من المرجح أن ترفض الأطراف الرئيسية (الجيش والدعم السريع) المطلب الجوهري للمبادرة، خاصة شرط انسحاب الجيش وتسليم الحاميات للحركة الشعبية. هذا الرفض سيؤدي إلى فشل المبادرة في تحقيق وقف فوري لإطلاق النار.

1.   تفاقم الكارثة الإنسانية: مع استمرار الحصار وعدم دخول المساعدات الكافية إلى الدلنج وكادوقلي، ستتصاعد أعداد الضحايا من الأطفال والمدنيين، وسيزداد الضغط على المنظمات الأممية التي قد تضطر لتقليص عملياتها بعد الهجوم الأخير.

2.   استمرار الهجمات المسيّرة على الأبيض: ستواصل قوات الدعم السريع، أو الأطراف المتحاربة، استهداف الطرق التجارية والمركبات المدنية في محيط الأبيض، مما يعمق الأزمة المعيشية ويزيد من موجات النزوح إلى خارج ولاية شمال كردفان.

3.   التورط الدولي: تصنيف الهجوم على مقر الأمم المتحدة كـ "جريمة حرب" قد يؤدي إلى زيادة الضغط الدولي والتحقيقات، لكنه من غير المرجح أن يغير موازين القوى على الأرض بشكل فوري.


ثانياً: سيناريو التحالفات وتوازن القوى

1.   تموضع الحركة الشعبية: ستستغل الحركة الشعبية (جناح عبد العزيز الحلو) فشل مبادرة جبال النوبة لاستمرار تحركاتها لملء الفراغ الأمني والعسكري في جنوب كردفان. بما أن الجيش والدعم السريع متنازعان، ستعزز الحركة سيطرتها على مزيد من المناطق، خاصة بعد انسحابات الجيش من غرب كردفان.

2.   زيادة التوتر بين الجيش والحركة الشعبية: مع المطالبة بتسليم الحاميات، سيظل التوتر مرتفعاً بين الجيش السوداني والحركة الشعبية، مما يعني أن جنوب كردفان قد تتحول إلى جبهة ثلاثية الأطراف في حال رفض الجيش التعاون مع المبادرة.

3.   ضعف القوى المدنية: رغم أهمية دور تحالف قوى جبال النوبة المدنية، فإن عدم استجابة الأطراف العسكرية سيقلص من نفوذه في المدى القريب، وقد يدفعه لتشكيل اللجان التنسيقية والدفع بحلول سياسية بديلة، كما أشار.

 

ثالثاً: سيناريو الملف الإقليمي (هجليج):

1.   تجميد النزاع الحدودي: من غير المرجح أن يُحسم ملف هجليج/فانطاو قريباً، لكن جنوب السودان ستستغل ضعف الخرطوم وانشغالها بالحرب لتعزيز موقعها التفاوضي بشأن ترسيم الحدود، وإعادة طرح قضية أحقية جوبا بالمنطقة بناءً على الأدلة التاريخية المذكورة في المقال.

2.   استمرار الدعم اللوجستي الإنساني: ستستمر دولة جنوب السودان في لعب دور الملاذ الآمن للجنود المنسحبين والنازحين من كردفان، وقد تستخدم هذا الدور كرافعة سياسية وأخلاقية.

3.      مخاطر استقرار النفط: استمرار الحرب بالقرب من المناطق النفطية الحدودية يهدد استقرار إنتاج النفط الذي يمثل شريان حياة لكلا البلدين، مما قد يدفع جوبا للتدخل بشكل أكبر لحماية مصالحها الاقتصادية.

 

استشرافات

 تؤكد التطورات في كردفان الكبرى أن الصراع في السودان قد تجاوز كونه نزاعاً عسكرياً تقليدياً إلى أزمة وجودية وإنسانية عميقة تتطلب حلولاً جذرية تتجاوز الهدنة المؤقتة. ففي الوقت الذي تتشابك فيه التحديات ، يبرز تحالف قوى جبال النوبة بمقترح جريء يسعى لتحويل السيطرة على الإقليم ومنع استخدامه كساحة حرب عبر مطالبة الجيش بالانسحاب وتسليم حامياته للحركة الشعبية وإبعاد الدعم السريع.

عليه نرى أن الحل المستدام يتطلب ليس فقط وقفاً لإطلاق النار، وطي أزمة ملف هجليج بمراعاة مصالح المجتمعات، تفكيكاً لخطاب الكراهية، وتبنياً لنموذج إداري مدني يمنع استخدام الإقليم كساحة لحروب ليست حروب أبنائه.