لم يكن عام 2025 مجرد محطة زمنية ازدادت فيها الأزمات، بل شكّل لحظة كاشفة لمسار تحولي أعمق في بنية النظام الدولي. ففي ظل أقطاب متنافسة متعددة، برز تآكل متسارع للمنظومات التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة، سواء على مستوى الردع، أو إدارة الصراعات، أو تنظيم الاقتصاد العالمي. ضمن هذا السياق، لم تعد الحرب في أوكرانيا، ولا التنافس الأميركي الصيني، ولا اضطرابات الشرق الأوسط، ولا التحول التكنولوجي المتسارع، أحداثا منفصلة أو ظرفية، بل تعبيرات مترابطة عن إعادة توزيع القوة والنفوذ، وعن تحولات عميقة في خيارات الدول وأنماط سلوكها.

من هنا، يسعى هذا المقال، من خلال كل ما تناولناه بالرصد والدراسة والفحص خلال عام 2025 إلى تفكيك هذه التحولات بوصفها مؤشرات بنيوية على إعادة تشكيل النظام الدولي، لا من خلال سرد الوقائع، بل عبر تحليل القوى الدافعة التي أعادت تعريف موازين القوة وحدود الفعل السياسي على المستويين الإقليمي والدولي.

استمرار الحرب في أوكرانيا

أظهرت أغلب تقارير المنظمات الدولية المعنية أن الصراع في الحرب الأوكرانية خلال عام 2025 دخل مرحلة إدارة الاستنزاف لا الحسم السريع، حيث واصلت روسيا توظيف زخم العمليات العسكرية لمحاولة تكريس مكاسب إقليمية وفرض وقائع ميدانية، في مواجهة مقاومة أوكرانية تماسكت بفضل الدعم الغربي. هذا التوازن الذي حال دون تحقيق اختراق لأي من الطرفين، أسس لمسار نزاع طويل، تدفع فيه الكلفة المتصاعدة الجميع إلى التفكير في صيغ تسوية جزئية أو ترتيبات تجميد للنزاع، من دون أن يرقى إلى سلام شامل، طالما ظلت الإرادة السياسية وقدرات الحسم الاستراتيجي على حالها.

وانعكست هذه الديناميات مباشرة على البيئة الأمنية الأوروبية، حيث وجدت العواصم الأوروبية نفسها مضطرة لإعادة فحص افتراضاتها التقليدية بشأن الاعتماد على واشنطن في منظومتها العسكرية. ومع تذبذب الأولويات الأميركية، برزت دعوات أوروبية لتعزيز قدرة دفاعية ذاتية، ليس بوصفها بديلا عن الشراكة الأطلسية، بل كآلية تحوط تتيح هامشا أوسع من الاستقلال. وفي هذا السياق، ورغم محاولات واشنطن وموسكو استكشاف مسارات تفاوضية، فإن تصلب المواقف لا يزال يحول دون بلورة حل مستدام للأزمة.

تراكم أزمات الشرق الأوسط

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال العام تراكبا معقدا للأزمات، حيث لم تعد بؤر الصراع منفصلة، بل باتت تغذي بعضها في حلقة نزاع مفتوحة. ظل ملف غزة في قلب المشهد بوصفه نقطة تماس تتقاطع عندها الأبعاد العسكرية والإنسانية والسياسية، إذ لم تفلح التهدئات الجزئية في معالجة الجذور البنيوية للأزمة، من إعادة الإعمار وإشكاليات الإدارة والحدود والسلطة. ونتيجة لذلك، بقي خطر الانفجار قائما، لا كاحتمال طارئ، بل كعنصر بنيوي في معادلة صراع قابل لإعادة الاشتعال.

وفي موازاة ذلك، كشفت أزمات السودان ولبنان وسوريا واليمن عن أن هشاشة الدولة باتت العامل الحاسم في استدامة عدم الاستقرار. ففي السودان، اصطدمت جهود الوساطة بتشابك النزاع الداخلي مع تنافسات إقليمية وضغوط اقتصادية وموجات نزوح واسعة، ما جعل أي مسار انتقالي رهين لتوازنات متناقضة. أما في لبنان وسوريا واليمن وليبيا، فقد أدى تداخل الفواعل المسلحة إلى مزيد من التوتر على نحو يجعل الاستقرار مرهونا بعوامل خارجية أكثر منه نتاج تسويات داخلية.

تصاعد التنافس الأميركي الصيني

مثّل عام 2025 مرحلة متقدمة في تصعيد أدوات الصراع بين واشنطن وبكين، انتقلت من حدود التنافس التجاري إلى معركة السيطرة على مفاتيح القوة الاقتصادية. استخدمت واشنطن خلالها منظومة من العقوبات وقيود التصدير، بينما دفعت بكين في اتجاه تقليص الاعتماد على الخارج وإعادة هندسة سلاسل الإمداد بما يخدم استقلالها الاستراتيجي. وبالتوازي، عزز الطرفان حضورهما العسكري في دوائر النفوذ العالمية، ما رفع مستوى المخاطر عند نقاط التماس السياسية والتجارية، ورسخ ملامح اقتصاد عالمي يتجه نحو التجزئة بدل الاندماج.

يرى خبراء مجموعة الأزمات الدولية عبر تقاريرهم، أن الصراع لم يتوقف عند الأدوات الاقتصادية، بل امتدت إلى إعادة تشكيل التكتلات الدولية. ففي حين سعت واشنطن إلى الحفاظ على قيادتها الشبكية عبر تحالفات أمنية وتقنية تقليدية واسعة، عملت الصين على بناء دوائر نفوذ موازية من خلال تعميق الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية مع دول العالم. ورغم تفاوت نتائج هذا التمدد الصيني من حيث العمق والاستدامة، فإنه أسهم في تكريس واقع دولي متعدد المحاور، تتراجع فيه القدرة على فرض قواعد موحدة، لصالح توازنات مرنة تقوم على المصالح لا على الاصطفافات الإيديولوجية الصلبة.

الذكاء الاصطناعي والتحول التكنولوجي

في كافة التحليلات لم يُقرأ التحول التكنولوجي في عام 2025 بوصفه رافعة اقتصادية محايدة، بل غدا مجالا مركزيا للتنافس بين الدول الكبرى. فامتلاك القدرة على تطوير النماذج المتقدمة، بات عنصرا حاسما في معادلة القوة الشاملة، لما له من تأثير مباشر في الاقتصاد والأمن والتفوق العسكري. هذا الواقع دفع الدول إلى تسريع أطر التنظيم والضبط، من قيود تصدير وتشريعات للأمن الرقمي إلى محاولات متعثرة لوضع معايير دولية، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن المعلومات، والتلاعب الإدراكي، وأخلاقيات توظيف الأنظمة الذاتية في المجالين العسكري والأمني.

وفي هذا السياق، اتسمت السياسات الوطنية خلال 2025، حسب تقارير دولية مختلفة، بمحاولات دقيقة للموازنة بين دعم الابتكار وحماية مقتضيات الأمن القومي. فقد أسهمت القيود الغربية على تصدير تقنيات ومكونات حساسة، وما قابلها من تسريع صيني لمسارات الاكتفاء الذاتي، في تحويل التكنولوجيا إلى ساحة صراع نفوذ. ولم يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على الصناعة والاقتصاد، بل امتد إلى إعادة تشكيل أدوات الحرب المعلوماتية والعمل الاستخباراتي، بما فرض تحولات في أولويات الإنفاق الدفاعي، ورسخ التكنولوجيا كأحد المحددات البنيوية لموازين القوة في النظام الدولي الآخذ في التشكل.

مؤثرات إعادة تشكيل النظام الدولي خلال 2025

كشف الدراسات التي قمنا بها خلال عام 2025 أن قضايا الطاقة والغذاء والمناخ لم تعد ملفات تنموية منفصلة، بل تحولت إلى محددات صلبة في معادلات الصراع الجيوسياسي. فقد أعادت الحرب الأوكرانية، وما رافقها من اضطرابات، الاعتبار لمفهوم أمن الطاقة بوصفه جزءا من الأمن القومي، وكشفت في الوقت ذاته هشاشة الاعتماد المتبادل الذي قامت عليه العولمة الأوروبية لعقود. وجدت الدول الأوروبية نفسها أمام معادلة مأزومة، بتسريع التحول نحو مصادر بديلة بتكلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة، أو القبول بعودة جزئية إلى مصادر تقليدية تتناقض مع الأمن المناخي. وفي السياق ذاته، برز الغذاء كأداة ضغط تستخدم عبر التحكم في سلاسل التوريد، ما جعل مناطق الصراع في إفريقيا والشرق الأوسط في حالة هشاشة تتداخل فيها الحرب والمناخ وضعف الحوكمة، ويغدو فيها عدم الاستقرار السياسي سابقا على انعدام الأمن الغذائي.

 

إعادة هندسة انتقائية للعولمة

أكدت أحداث العام أيضا أن العولمة بصيغتها الكلاسيكية لم تعد قابلة للاستمرار، فقد اتجه العالم نحو إعادة هندسة انتقائية للعولمة، تقبل فيها الدول بالاعتماد المتبادل في قطاعات محددة، وترفضه في مجالات تصنف باعتبارها حساسة استراتيجيا، مثل التكنولوجيا والطاقة والغذاء. انعكس هذا التحول في سياسات إعادة توطين الصناعات، كاستجابة أمنية استباقية لمخاطر الانكشاف. غير أن الكلفة  جاءت مرتفعة من حيث ارتفاع أسعار الإنتاج وتباطؤ سلاسل الإمداد، ما حول السوق من فضاء محايد إلى ساحة صراع.

وفي مستوى مواز، مثل تآكل شرعية مؤسسات الحوكمة الدولية أحد أخطر التحولات الهيكلية خلال 2025، ليس بسبب فشلها الإجرائي، بل لعجزها البنيوي عن استيعاب موازين القوة المتغيرة. حيث بدا مجلس الأمن عاجزا أمام الأزمات الكبرى، في حين أخفقت المؤسسات الاقتصادية في تقديم حلول فعالة لأزمات الدول النامية. هذا العجز دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل خارج الأطر التقليدية، عبر تحالفات مرنة وتكتلات موازية. غير أن هذه البدائل لم تنتج نظاما دوليا جديدا متماسكا، بقدر ما أسهمت في تكريس مشهد عالمي أكثر سيولة وأقل قابلية للتنبؤ، تدار فيه الأزمات بتوازنات ظرفية لا بقواعد مستقرة.

 

عودة واضحة للدولة القومية

في هذا السياق المضطرب، شهد العام عودة واضحة للدولة القومية كلاعب مركزي، بعد عقود من تراجع دورها لصالح السوق والمؤسسات العابرة للحدود. غير أن هذه العودة ترافقت مع تصاعد دور الفواعل غير الدولية، من جماعات مسلحة إلى شركات تكنولوجيا عملاقة ومنصات رقمية، تمتلك أدوات تأثير لا تخضع لمنطق الردع التقليدي.

آفاق عام 2026

وإذا كان عام 2025 قد رسخ ملامح نظام دولي مأزوم ومفتوح على احتمالات متعددة، فإن عام 2026 يُنتظر أن يكون عاما لاختبار القدرة على إدارة هذا الانكشاف العالمي أكثر منه عاما للحسم أو التحول الجذري.

-         تبدو مؤشرات الاستنزاف الاستراتيجي مرشحة للتفاقم، فالحرب الأوكرانية مرشحة للاستمرار بصيغ أقل حدة لكنها أكثر تعقيدا، بما يكرس واقع الصراعات المجمدة ويعمق الانقسامات داخل المعسكر الغربي، خاصة مع تصاعد الأصوات الأوروبية المطالبة بتقليل كلفة الالتزام طويل الأمد.

-         في الشرق الأوسط، تظل احتمالات الانفجار قائمة في ظل غياب تسويات سياسية شاملة، ما يجعل أي تهدئة محتملة مجرد استراحة مؤقتة في مسار نزاعي ممتد، قابل لإعادة الاشتعال مع أي تغير في موازين الردع أو الحسابات الإقليمية.

-         نتوقع أن يتعمق التنافس الأميركي الصيني بصورة أقل صخبا لكن أكثر بنيوية، عبر إعادة رسم قواعد التجارة والتكنولوجيا والابتكار، وهو ما قد يفاقم حالة الانقسام الاقتصادي العالمي، ويزيد من الضغوط على الدول المتوسطة والنامية العالقة بين مسارين متنافسين دون امتلاك هامش مناورة واسع.

-         تزايد خطر سوء استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات الأمن والمعلومات والتأثير السياسي، بما يعزز أنماط الصراع غير التقليدي ويضعف الثقة العامة في المجالين الإعلامي والسياسي.

-         قد يدفع الإرهاق المتبادل في بعض الصراعات الكبرى نحو صيغ تفاوضية أكثر براغماتية، حتى وإن كانت محدودة أو مرحلية، بما يفتح المجال أمام إعادة ترتيب الأولويات بدل التصعيد المفتوح. كما أن إدراك مخاطر الانقسام التكنولوجي الكامل قد يشجع القوى الكبرى على التوافق حول قواعد دنيا لتنظيم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحساسة، ليس بدافع القيم المشتركة، بل خوفا من الانزلاق إلى فوضى تقنية غير قابلة للضبط.

-         يمكن أن يشكل تنامي أدوار القوى المتوسطة والتحالفات المرنة فرصة لإعادة قدر من التوازن الدولي، عبر سياسات تهدئة انتقائية ووساطات إقليمية أكثر واقعية.

وأخيرا يمكننا القول إن عام 2026 لن يكون عام الانفراج الكبير ولا عام الانهيار الشامل، فربما يتحدد مساره بقدرة الفاعلين الدوليين على التعلم من دروس عام 2025 والانتقال من منطق إدارة الأزمات برد الفعل إلى مقاربة أكثر استباقية في ضبط الصراعات، وإعادة تعريف المصالح، وتجنب كلفة المواجهة المفتوحة.