كان 2025 عاماً صعباً على إيران، واجهت فيه اختبارات غير هينة ما زالت تداعياتها قائمة حتى الآن، وربما تتفاقم في عام 2026 ما لم يسارع نظام الجمهورية الإسلامية إلى احتوائها قبل أن تصل إلى مرحلة لا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي تبدو متوافرة حتى الآن.

وربما يمكن القول إن إرهاصات هذه الاختبارات التي واجهتها إيران في 2025 بدأت قبل ذلك  بشهور عديدة. فقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، بسبب استمرار أزمة البرنامج النووي والعقوبات المفروضة على إيران، فضلاً عن وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مجدداً في 20 يناير/كانون الثاني من هذا العام.

 

تصاعد حدة الضغوط

ترافق ذلك كله مع تصاعد حدة الضغوط على النفوذ الإقليمي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، بعد الضربات القوية التي تعرض لها وكلاؤها، لاسيما حزب الله، حيث أدت الهجمات التي شنتها إسرائيل إلى اغتيال قيادات الصفوف الأولى على المستويين السياسي والعسكري، وكان في مقدمتهم الأمين العام الأسبق حسن نصر الله، قبل أن يوقع اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 (بي بي سي، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024). وبعد ذلك بيوم واحد، تصاعدت حدة الصراع العسكري داخل سوريا، والتي انتهت بسقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، (فرانس 24، 8 ديسمبر/كانون الأول 2024).

 

أزمة اقتصادية

لم تنجح الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها حكومة الرئيس مسعود بزشكيان في احتواء الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت تدريجياً داخل إيران، بسبب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية، منذ 7 أغسطس/آب 2018، بعد انسحابها من الاتفاق النووي في 18 مايو/أيار من العام نفسه. ورغم أن إيران تمكنت من مواصلة تصدير النفط بالالتفاف على تلك العقوبات، لدرجة أن متوسط الصادرات النفطية وصل إلى نحو 1.7 مليون برميل نفط يومياً (الشرق، 15 مايو/أيار 2025)، إلا أن ذلك في مجمله لم يقلص من حدة تلك الأزمة التي بدت جلية في وصول معدل التضخم إلى 40%، وتراجع سعر العملة الوطنية (التومان) أمام الدولار بشكل سريع، حتى وصل الدولار إلى 92 ألف تومان (يبلغ حالياً نحو 135 ألف تومان).

 

إقالة أول وزير في الحكومة

كان ذلك سبباً في إقالة أول وزير في الحكومة بعد ثماني أشهر من تولي الرئيس بزشكيان مهام منصبه في بداية أغسطس/آب 2024. ففي 2 مارس/آذار 2025، أقال مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) وزير المالية عبد الناصر همتي، بعد أن نجح في حجب الثقة عنه، بعد اتهامه بالفشل في احتواء التضخم ووقف انهيار سعر العملة الوطنية. وصدر القرار بتأييد 182 عضواً من أصل 273 حضروا جلسة التصويت. ولم ينجح الرئيس بزشكيان في حماية وزير الاقتصاد من مقصلة المجلس (سكاى نيوز عربية، 2 مارس/آذار 2025).

وقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية تدريجياً، خاصة بعد أن أضيفت إلى العقوبات الأمريكية عقوبات دولية سبق أن تم تعليقها بموجب الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه بين إيران ومجموعة "5+1" في 14 يوليو/تموز 2015. فقد تمكنت دول الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) من تقديم شكوى ضد إيران في مجلس الأمن في 28 أغسطس/آب 2025، اتهمت فيها الأخيرة بعدم تنفيذ تعهداتها في الاتفاق، على نحو أدى إلى بدء عملية تشاورية داخل المجلس انتهت في 27 سبتمبر/أيلول من العام نفسه، بإعادة تطبيق العقوبات الدولية مرة أخرى وفقاً لآلية "الزناد" التي نص عليها الاتفاق (دويتشه فيله، 28 سبتمبر/أيلول 2025).

 

حرب مباشرة

كان تقليص حدة الأزمة الاقتصادية، فضلاً عن تجنب احتمال التعرض لضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية دافعاً لإيران للانخراط في مفاوضات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول البرنامج النووي، استضافتها مسقط وروما. إذ أجريت خمس جولات من تلك المفاوضات بين وفدين إيراني برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي وأمريكي برئاسة المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف. وقد حاول الوفدان فيها تقليص حدة الخلافات العالقة، خاصة فيما يتعلق بمستوى تخصيب اليورانيوم، في ظل إصرار واشنطن على توقف طهران تماماً عن التخصيب، وإصرار الأخيرة على مواصلته حتى لو بمستوى متدنٍ.

وقبل أن تعقد الجولة السادسة من المفاوضات في 15 يونيو/حزيران الماضي، بدأت إسرائيل ضرباتها العسكرية المباشرة داخل إيران استهدفت من خلالها قادة الحرس الثوري والجيش والعلماء النوويين، إلى جانب المنشآت النووية والعسكرية الرئيسية (سي إن إن، 13 يونيو/حزيران 2025). وقد استغلت تل أبيب في هذا الصدد القرار الذي صدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل يوم واحد، والذي أعلن عدم امتثال إيران لالتزاماتها المتعلقة بمنع الانتشار النووي (الشرق الأوسط، 12 يونيو/حزيران 2025). كما استندت إلى انتهاء مهلة الشهرين التي سبق أن حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 12 أبريل/نيسان الماضي (رويترز، 13 يونيو/حزيران 2025)، للوصول إلى صفقة جديدة حول البرنامج النووي دون أن يصل الطرفان إلى تسوية للخلافات العالقة.

 

استيعاب الصدمة الأولى

ورغم أن الضربات العسكرية الإسرائيلية كانت مؤثرة إلى حد كبير، حيث أسفرت عن اغتيال قائد الحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس هيئة الأركان محمد باقري، وقائد القوة الجوفضائية التابعة للحرس امير علي حاجي زاده وقائد مقر خاتم الأنبياء غلام علي رشيد، فضلاً عن بعض العلماء النوويين مثل محمد طهرانجي وفريدون عباسي (روسيا اليوم، 13 يونيو/حزيران 2025)، إلا أن إيران استطاعت استيعاب الصدمة الأولى عبر تعيين قادة جدد في اليوم الأول من الحرب، ثم شن ضربات صاروخية متتالية ضد إسرائيل نجح بعضها في الوصول إلى أهدافه في تل أبيب وحيفا وبئر سبع وغيرها (فرانس 24، 28 ديسمبر/كانون الأول 2025).

وقد دفع عدم تمكن إسرائيل من إلحاق ضرر كبير بمنشأة فوردو النووية الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانخراط مباشرة في الحرب، في 21 يونيو/حزيران 2025، عبر توجيه ضربات عسكرية بواسطة مقاتلات "بي 52" ضد المفاعلات النووية الثلاثة في نطنز وفوردو وأصفهان (دويتشه فيله، 21 يونيو/حزيران 2025). وكان ذلك سبباً في اتجاه طهران، بعد ذلك بيومين، إلى توجيه ضربة صاروخية ضد قاعدة العديد القطرية التي تتواجد بها قوات أمريكية قبل الإعلان عن وقف إطلاق النار في 24 يونيو/حزيران 2025 (العربية، 23 يونيو/حزيران 2025).

 

تأثير مباشر على الأرض

اندلاع الحرب في هذا التوقيت كان له تأثير مباشر على الأرض داخل إيران. فقد بدأت الأخيرة في مراجعة سياساتها إزاء العديد من القضايا الداخلية والخارجية، على غرار قضية تخصيب اليورانيوم، والنفوذ الإقليمي، والمفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، والعلاقات مع روسيا والصين، وحتى مع دول الجوار، إلى جانب قضايا داخلية تكتسب أهمية وحساسية خاصة مثل قضية الحجاب.

وربما يمكن القول إن عملية المراجعة ما زالت مستمرة في إيران حتى الآن، خاصة في ظل الانسحاب الملحوظ للمرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي من المجال العام بشكل بارز، حيث لم يعد يظهر إلا في بعض المناسبات الدينية أو الوطنية النادرة، وهو ما توازى مع بدء عملية إعادة هيكلة للقوات المسلحة بشقيها: الجيش والحرس الثوري، مع تعزيز أدوار وسلطات بعض المؤسسات داخل النظام، على غرار المجلس الأعلى للأمن القومي الذي بات مُخوَلاً بإدارة تلك الملفات الرئيسية في المرحلة الحالية، إلى جانب إعادة إنشاء مجلس الدفاع الوطني، وهى إجراءات حرص النظام على اتخاذها في المرحلة الماضية في ظل عدم استبعاده احتمال اندلاع جولة جديدة من الحرب في المرحلة القادمة.


استحقاقات 2026

انطلاقاً مما سبق، يمكن القول إن إيران قد تشهد استحقاقات صعبة في عام 2026، وذلك على ضوء المتغيرات التالية:

1-  استمرار تصاعد الأزمة الاقتصادية: يبدو أن الأزمة الاقتصادية تتجه نحو مزيد من التفاقم، في ظل تزايد الضغوط التي تفرضها العقوبات الدولية والأمريكية المفروضة على إيران، واتساع نطاق الخلافات بين الحكومة – خاصة المجموعة الاقتصادية – وتيار المحافظين الأصوليين الذي يسيطر على أغلبية مقاعد مجلس الشورى الإسلامي، على نحو قد يزيد من احتمالات إقالة مزيد من وزراء تلك المجموعة إلى جانب محافظ البنك المركزي.

2-  احتمال اندلاع احتجاجات جديدة: لا يمكن استبعاد أن تشهد إيران احتجاجات جديدة خلال عام 2026. ورغم حرص السلطات على عدم اتخاذ إجراءات عنيفة في بعض الملفات، مثل فرض قيود شديدة على الحجاب، فإن تفاقم الأزمة الاقتصادية بالتوازي مع اتساع نطاق بعض المشكلات المعيشية مثل نقص المياه وانقطاع الكهرباء والتلوث، مع رفع أسعار البنزين، من شأنها أن تزيد من احتمالات اندلاع احتجاجات جديدة.

3-  الاستعداد لجولة ثانية من الحرب: لا تستبعد إيران أن تنخرط في جولة جديدة من الحرب مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وتستند طهران في هذا الصدد إلى اعتبارات عديدة، منها استمرار الخلافات العالقة بين الأطراف الثلاثة سواء حول البرنامج النووي، أو برنامج الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي. كما أنها ترى أن رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الاحتفاظ بمنصبه عقب انتخابات الكنيست القادمة التي سوف تجرى في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، قد تدفع إلى شن ضربات عسكرية جديدة لتعزيز فرصه في هذا الصدد ودعم موقعه في مواجهة خصومه السياسيين.

وربما يفسر ذلك إلى حد كبير أسباب التغييرات المستمرة في المناصب القيادية داخل الحرس الثوري والجيش منذ اندلاع الحرب وحتى الآن، إلى جانب محاولة سد الثغرات الأمنية التي كشفت عنها الحرب، بالتوازي مع تطوير برنامج الصواريخ الباليستية الذي كان السلاح الرئيسي الذي استخدمته طهران في إدارة العمليات العسكرية مع كل من واشنطن وتل أبيب.

4-  تطوير العلاقات مع روسيا والصين: رغم الانتقادات التي توجهها اتجاهات داخل إيران لكل من الصين وروسيا بسبب عزوفهما سواء عن التدخل لدعم الأخيرة خلال الحرب، أو عن إبرام صفقات عسكرية لشراء مقاتلات "SU- 35" أو منظومة الدفاع الجوي من طراز "S-400" الروسية أو مقاتلات "J-10C" الصينية، فإن إيران تبدو حريصة على تطوير العلاقات الثنائية مع الدولتين في ظل العقوبات والضغوط التي تفرضها الدول الغربية والأمم المتحدة ضدها، حيث ستعمل على اتخاذ خطوات إجرائية لتنفيذ اتفاقيتى الشراكة الاستراتيجية اللتين وقعتهما مع موسكو وبكين في عامى 2021 و2025 على التوالي، رغم العقبات العديدة التي تواجهها في هذا الصدد.

في النهاية، يمكن القول إنه إذا كان 2025 عام الأزمات في إيران، فإن 2026 قد يكون عام الاستحقاقات الصعبة، خاصة أنه قد يشهد ترتيبات سياسية داخلية جديدة في ظل حالة الغموض التي يتسم بها ملف خلافة المرشد الأعلى للجمهورية، فضلاً عن تزايد التحذيرات من احتمال تفاقم التوتر بين النظام والشارع الإيراني في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها إيران.