مقالات تحليلية
السودان بعد سقوط الفاشر.. معادلة التقسيم والفصل السابع
04-Nov-2025
يمثّل سقوط مدينة الفاشر، العاصمة التاريخية والسياسية لدارفور، في يد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025 بعد حصار دام أكثر من 500 يوم، نقطة تحوّل إستراتيجية ووجودية في مسار الحرب السودانية. لم يكن هذا الانتصار مجرد مكسب عسكري عابر، بل هو تتويج لإستراتيجية التجويع والتطويق، وتكريس لمسار الانقسام الجغرافي والسياسي الفعلي في البلاد، وفتح الباب أمام سيناريوهات خطرة تهدد وحدة الدولة ومستقبلها، مع تصاعد مريع في الكارثة الإنسانية.
سقوط "الحصن الأخير"
أكد سقوط الفاشر التفوق الميداني واللوجستي
للدعم السريع، وكشف عن واقع جديد للسيطرة على الأرض، حيث تقع المدينة عند تقاطع طرق
تربط دارفور بولايات وسط السودان وتجاور الحدود التشادية والليبية والسيطرة عليها تضمن
للدعم السريع التحكم الكامل في خطوط الإمداد القادمة من الشمال والغرب، مما يُحوّل
إقليم دارفور إلى وحدة متكاملة تحت إدارة الدعم السريع، ويُعزّز شرعية الأمر الواقع
لحكومة "تأسيس" التي اتخذت من نيالا مقراً لها.
في المقابل مثّلت الفاشر "الحصن الأخير"
لسيطرة الجيش السوداني في دارفور وانسحاب الجيش من الفرقة السادسة مشاة يُعدّ خسارة
رمزية وعسكرية كبرى، وورقة تفاوضية ضخمة للدعم السريع الذي كان "يركّز على الفاشر
كورقة ضغط حاسمة". من ناحية أخرى لم يكن السقوط معركة تقليدية بل استكمال لعملية تطويق مدروسة،
اعتمدت على "التجويع كسلاح حرب"، مما أدّى إلى انخفاض عدد سكان المدينة بنسبة
وصلت إلى 80% (نحو 300 ألف من 1.5 مليون). هذا التكتيك أثّر على النسيج الاجتماعي وأضعف
الدفاعات الحكومية، وزاد من "خطر الإبادة الجماعية" كنتيجة للانتهاكات الممنهجة
على أساس عرقي.
3 سيناريوهات:
سقوط الفاشر يفرض ثلاثة سيناريوهات رئيسة
لمستقبل الصراع، تتجه غالبيتها نحو تعقيد التسوية وتعميق الأزمة والسيناريو (الأكثر
ترجيحاً) هو عزل شمال دارفور كلياً عن الحكومة المركزية، مما يُعزّز الانفصال الفعلي
بين شرق ووسط السودان الخاضع للحكومة المركزية، وغرب السودان الذي تديره قوات الدعم
السريع، مما يفتح الباب أمام نشوء كيان شبه مستقل في دارفور وانتشار فكرة "الدولة
الموازية".
أما سيناريو استمرار الحرب وتوسعها يدفع
الدعم السريع في طمع التوسع نحو مناطق جديدة (مثل شمال كردفان أو الجزيرة) لتوسيع نطاق
سيطرته، مما يُنذر بتمزيق ما تبقى من الدولة السودانية وتصعيد أكبر للمواجهة. أما التسوية
السياسية الناتجة عن الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة، خاصة بعد المجازر، ستُؤدّي
إلى صفقة سياسية تمنح قيادة الدعم السريع مكاسب سياسية مقابل وقف العمليات العسكرية،
لكن "السلام بلا عدالة مجرد هدنة للقاتل" هكذا طرح الكاتب (أمجد فريد الطيب)
رؤيته لهذا السيناريو الثالث في مقال بنشرته المجلة السعودية بتاريخ (28 أكتوبر 2025).
معضلة المساءلة والخذلان الدولي
انتقدت الآراء سقوط الفاشر كـ"هزيمة
أخلاقية وسياسية للمجتمع الدولي"، مشيرة إلى أن الرد لم يتجاوز "بيانات قَلِقة"
رغم توثيق آلاف الضحايا وتدمير المرافق. وتحت عنوان إستراتيجية الذئب" و"اقتصاد
الغنيمة": يرى البروفيسور عبد الله علي إبراهيم في مقال نشرته إندبندنت عربية
في 2 نوفمبر 2025 أن الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ليست "انفلاتاً"
بل هي جزء من "طبيعة الوحش" و"فريضة" في "اقتصاد الغنيمة
إكراهاً" الذي يقوم عليه المقاتلون. هذه الممارسات ضيّعت على الدعم السريع فرصة
الكسب "سمعة" في الأروقة العالمية.
أما الكاتبة منى عبد الفتاح فرأت في مقال
نشر بنفس الموقع "إندبندنت عربية" في 28 أكتوبر أن قائد الدعم السريع "حميدتي"
حاول في خطابه تطبيق "لغة التبييض السياسي" واصفاً المجازر بـ"التجاوزات"
ووعد بـ"تعويض أسر الضحايا" وتقديم نفسه كـ"قائد إصلاحي" يحمل
مشروعاً لـ"تحول ديمقراطي"، في محاولة لتقليص المسؤولية الجنائية وتلميع
الصورة دولياً.
واشنطن وإعادة هندسة السلطة
ترى الباحثة المصرية د. أماني الطويل في
مقال نشر بعدد من المواقع العربية في 27 أكتوبر 2025 أن الحرب في السودان هي في جوهرها
انعكاس لمأزق هيكلي يتصل بـ "الهوية الاقتصادية للدولة" ومن يتحكم في شبكات
توزيع الثروة. وقد دفع هذا الواقع واشنطن إلى إعادة التفكير في معادلة السلطة من زاوية
الموارد. وتضيف بأن نشأة الحرب كنتيجة حتمية لـ"تضارب شبكات المصالح المالية والعسكرية
المتنافسة"، حيث أصبحت الموارد (الذهب، الأراضي، عائدات الموانئ، النفط) المحرك
الرئيس لمعادلات القوة في السودان.
توزيع النفوذ الاقتصادي أولاً
كشفت أماني الطويل عن أن واشنطن تتجه لهندسة
فترة انتقالية جديدة تقوم على مبدأ "توزيع النفوذ الاقتصادي قبل الشروع في توزيع
المناصب السياسية"ـ وتسعى إلى صياغة عقد جديد يضمن إخضاع الموارد الكبرى والمحورية
في البلاد لإدارة شركات دولية تضمن مصالح أمريكا والهدف هو بناء حكومة انتقالية ذات
طابع "تكنوقراطي" تلتزم بإدارة الموارد، لضمان "تحييد كل من الجيش وقوات
الدعم السريع تدريجاً عن مفاصل الاقتصاد الوطني على أن يتم الدفع نحو إنشاء "آلية
مراقبة مشتركة" تضم خبراء سودانيين ودوليين، مهمتها تتبع حركة الموارد المالية
وتقديم تقارير لمجلس الأمن، لتصبح "الشفافية الاقتصادية" شرطاً أساسياً لوقف
إطلاق النار.
الإسلاميون وسقوط الفاشر
يمثّل التفاعل العلني لقيادات التيار الإسلامي
(الإخوان) مع سقوط مدينة الفاشر في يد قوات الدعم السريع، إستراتيجية ممنهجة تهدف إلى
استغلال الكارثة لامتصاص الهزيمة العسكرية وتقويض مسار السلام الذي ترعاه القوى الإقليمية
والدولية. وبدلاً من تحمل المسؤولية، لجأ الإسلاميون إلى خطاب "الصراخ" والتحشيد
للعودة إلى السلطة عبر إطالة أمد الحرب.
استغلال الكارثة
يقول الصحفي صلاح شعيب في مقال نشر بموقع
سودانايل الإلكتروني في 29 أكتوبر 2025، وجد الإسلاميون في الانتهاكات المروعة التي
صاحبت سقوط الفاشر "فرصة ذهبية لا تعوّض" لخدمة هدفين إستراتيجيين متلازمين: الأول،
هو محاولة لـ"امتصاص الهزيمة المرّة" التي مُني بها الجيش بفقدان آخر معاقله
في دارفور، وذلك من خلال "تحشيد المستغفلين" واستخدام خطاب المظلومية العرقية
والوطنية لدعم أجندتهم الخاصة. أما الثاني، فهو استغلال الغضب الشعبي
لـ"ابتزاز البرهان للانسحاب من تفاوضه السري مع خصومه الميدانيين تحت رعاية الرباعية".
الهدف النهائي هو "المحافظة على تأثير الإسلاميين في المشهد الحربي الماثل"
وضمان "إطالة أمد الحرب حيّة حتى لا يخرجوا من ساحتها خاليي الوفاض لو توقّفت".
ولتحقيق هذه الأهداف، اعتمد الإسلاميون
على تكتيكات تقوم على التناقض والتجاهل المتعمد للمسؤولية فهم لم يتحمّلوا مسؤوليتهم
في الحفاظ على سلام أهل الفاشر، بل "اصطنعوا تجاهل مواطني مدني والخرطوم بالانسحاب"
سابقاً، وانسحب قادتهم تكتيكياً من الفاشر لحماية "كبار الضباط". هذا التخلي
جعلهم "راضين فرحين" بجرائم الدعم السريع لاستثمارها سياسياً. وبعد
أن "أدخلوا السودانيين في الفتنة العرقية"، أصبحوا "يتنعمون في مهاجرهم"
(أوروبا وآسيا)، بينما "يستنفر وكلاؤهم المحليون.. أبناء الناس المساكين ليخوضوا
لهم حرب العودة للسلطة". هذا التناقض يكشف عن فصلهم بين الخطاب الجماهيري والواقع
المعيشي لأبنائهم.
يشير المقال إلى أن الأموال التي جمعوها
قبلاً هي ما "تغذّي الآن الكراهية وسط الشعب" وتُسهم في استمرار "اقتصاد
الحرب" الذي يسيطر عليه "مفسدو بورتسودان". ويرى الكاتب أن استثمار
رموز مطلوبة للعدالة الدولية مثل أحمد هارون وعلي كرتي لقيادة حملات "الاستنفار"،
هو ما يهدف إلى تزييف وقائع الحرب وتشويه الحقائق المعلومة لتحميس بسطاء السودان لـ
"سفك مزيد من دماء المواطنين الأبرياء".
تقويض هدنة الرباعية
من الواضح أن الهدف الإستراتيجي الأبرز
للإسلاميين من التصعيد بعد الفاشر هو تقويض أي جهد دولي يقود إلى تسوية سياسية تعزلهم
عن الحكم فالهدنة المقترحة لمدة ثلاثة أشهر تحت ضغط الرباعية تحمل في طياتها نهاية
منطقية للحرب تشمل "إعادة الحكم للمدنيين، وعزل الإسلاميين من أي حضور في مستقبل
الحكم". هذا المسار يُعدّ تهديداً وجودياً لـ "المشروع الإسلاموي".
يعتقد الإسلاميون أن إطالة أمد الحرب سيُبقي لهم مكانة على الطاولة أو سيؤدي إلى انهيار
التسوية، لكن "هذا الهيجان الباهت سيخفت قليلاً قليلاً متى ما طُبّقت الهدنة"
لوجود "رغبة قوية لدى الغالبية لإيقاف الحرب".
اختبار الإرادة الوطنية والدولية
يؤكد هذا التفاعل أن الإسلاميين يرون في
استمرار الحرب الوسيلة الوحيدة لاستعادة نفوذهم بعد خسارته في ثورة 2019 وانقلاب 2021.
إن سقوط الفاشر لم يكن نهاية للحرب بقدر ما كان محاولة لإعادة تنشيط "إستراتيجيتهم
في إطالة أمد الحرب". إن إيقاف هذا التعويق يتطلب إرادة دولية نافذة لتطبيق الهدنة
وفصل القرار العسكري السوداني عن الأجندة الأيديولوجية للحركة الإسلامية.
الفصل السابع كـ"أبغض الحلال"
يمثّل سقوط الفاشر لحظة مفصلية تفاقم الأزمة
الإنسانية والعسكرية في السودان، وتُجدّد النقاش حول ضرورة التدخل الدولي تحت الفصل
السابع من ميثاق الأمم المتحدة. يتفق المحللان، فتحي الضو وفيصل محمد صالح، على أن
الحرب لن تنتهي بانتصار طرف، وأن الإرادة السياسية الداخلية لإنهاء القتال غائبة، مما
يضع مستقبل البلاد على المحك بين خيار التشرذم أو التدخل الخارجي القسري.
يرى الكاتب فتحي الضو في مقال نشر بموقع
سودانايل 30 أكتوبر 2025 أن التدخل الدولي بموجب الفصل السابع لم يعد خياراً مستبعداً،
بل هو "أمر حتمي" وربما "أبغض الحلال الذي لا مفر منه"، وذلك استناداً
إلى عدة مبررات تتجاوز مفهوم "السيادة الوطنية" فرابطة الدم أثقل من السيادة
الوطنية، خاصة مع بلوغ إزهاق الأرواح درجة لا يمكن السكوت عنها.
في المقابل، يسير التفاعل الدولي ببطء،
والجهود القائمة (مثل مبادرة جدة) لم تكن سوى "هدن هشّة" ولم يرافقها "وسائل
ضغط تُلّيين مواقف المُتعنتين". كذلك تهديد الأمن والسلم الدوليين ووضع السودان
الهش والتدخلات العرقية والإثنية مع دول الجوار يعزّز فرضية التدخل بموجب الفصل السابع
لحماية المدنيين و"تهديد الأمن والسلم الدوليين" فضلاً عن تشتّت المكوّن
السياسي المدني وترك الساحة "خاوية على عروشها" يعني أنه "في غياب أهل
الدار يجوز (للضيوف) أن يتقمّصوا دور رب المنزل!". يتفق الكاتبان على أن الأطراف
التي تعيق الحل السلمي هم "أبواق الحرب وضاربو طبولها"، الذين يمثّلون حاضنة
الإسلاميين وبعض الجهويين.
خلاصة
عزّز سقوط الفاشر الحاجة الملحّة إلى آلية
ضغط دولية فعّالة، سواء أكانت تحت الفصل السابع أم بآلية أخرى ذات قوة إنفاذ، وذلك
في ظل يقين بأن الإرادة الداخلية لإنهاء الحرب غائبة ومتعمدة من قبل تيارات ترى في
استمرار القتال فرصة للعودة إلى السلطة. إن إنقاذ السودان بات مرهوناً بكسر حلقة "التواطؤ
بالصمت" الداخلي والخارجي، وفرض السلام بالعدل والمساءلة.