انتقل حزب الله اللبناني فجأة من التحفظ على القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية، في 5 سبتمبر الفائت، بالموافقة على خطة الجيش لنزع سلاح الميليشيا، إلى الرفض التام والتلويح باستخدام القوة لمنع تحويل هذا القرار إلى خطوات إجرائية على الأرض، بالتوازي مع إضفاء طابع طائفي واضح على هذا التوجه، لتحقيق أهداف سياسية عديدة وتوجيه رسائل إلى الداخل والخارج في آن واحد.

ففي خطابه بمناسبة حلول الذكرى الأولى لاغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله حسن نصر الله، قال الأمين العام للحزب نعيم قاسم، في 27 سبتمبر الفائت: "نرفض تسليم السلاح وسنخوض مواجهة كربلائية". (سكاى نيوز عربية، 27 سبتمبر/أيلول 2025). هذا التغير في خطاب حزب الله يمكن تفسيره في ضوء أسباب عديدة ترتبط بما يجري على المستويين الداخلي والخارجي.



تغير الموقف الإيراني

كان لافتاً أن تغير خطاب حزب الله جاء موازياً لتغير ملحوظ أيضاً في موقف إيران. فقد اتبعت الأخيرة في بداية الحديث عن تفكيك سلاح الحزب نهجاً متحفظاً تهدوياً، انعكس في مسارعتها إلى احتواء تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي، التي قال فيها أن "قرار لبنان بنزع سلاح حزب الله سيفشل" (الشرق الأوسط، 7 أغسطس/آب 2025)، عبر زيارة قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني إلى بيروت في 13 من الشهر نفسه أكد فيها أن "إيران لا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية للبنان". (موقع نور نيوز، 13 أغسطس/آب 2025).

لكن زيارة لاريجاني الثانية للبنان، في 27 سبتمبر الفائت، للمشاركة في الاحتفال بذكرى اغتيال نصر الله، جاءت كاشفة عن رسائل مختلفة، من بينها أن إيران مُصِرَّة على الاحتفاظ بدورها كرقم مهم في الملف اللبناني، على نحو بدا جلياً في تأكيد لاريجاني، خلال لقاءه قاسم، على أن "إيران مستعدة لدعم لبنان ومقاومته على كافة المستويات". (سي إن إن، 28 سبتمبر/أيلول 2025)

 

آثار تفعيل آلية الزناد

هنا، فإن ذلك لا يمكن فصله، من دون شك، عن التطورات الجديدة التي طرأت على صعيد العلاقات بين إيران والدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، بعد تفعيل آلية الزناد في مجلس الأمن التي أسفرت عن إعادة تطبيق العقوبات الدولية، في 27 سبتمبر/أيلول الفائت، والتي كانت مفروضة على إيران وتم تعليقها بمقتضى الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في 14 يوليو/تموز 2015. كما لا يمكن فصله أيضاً عن استعدادات إيران المستمرة لاحتمال اندلاع جولة جديدة من الحرب سوف تكون، وفقاً لرؤية قادتها، مختلفة إلى حد كبير عن الجولة الأولى، لا سيما فيما يتعلق بـ"بنك الأهداف"، الذي لن يقتصر، في الغالب، على توجيه ضربات ضد المنشآت العسكرية والأمنية داخل إسرائيل فحسب، أو شن هجوم رمزي ضد قاعدة العديد القطرية التي تتواجد بها قوات أمريكية، وإنما قد يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

 

ارتباط السلاح بالوجود السياسي

يرى الحزب أن وجوده على الساحة السياسية اللبنانية مرتبط في المقام الأول باحتفاظه بسلاحه. ووفقاً لذلك، فإن عملية تجريد الحزب من سلاحه تهدف إلى إنهاء وجوده كرقم رئيسي في معادلة توازنات القوى السياسية داخل لبنان. وبالطبع، فإن هذا التحول الملحوظ في موقف الحزب لا يعني أنه توصل إلى هذه الرؤية متأخراً، ولا يرتبط حتى بترويج نعيم قاسم خلال خطابه الأخير إلى أن "الحزب بدأ في التعافي"، وإنما يعني في المقام الأول أن قيادته كانت تنتظر نضوج اللحظة التي يمكن فيها التحول من التحفظ إلى التصعيد والتهديد، وهى اللحظة التي جاءت عندما قررت طهران العودة من جديد إلى استخدام نفوذها الإقليمي، أو بمعنى أدق ما تبقى منه، في إدارة خلافاتها مع خصومها الدوليين والإقليميين، خاصة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

 

دعم عسكري لحزب الله

ويبدو أن حديث بعض المسؤولين الإيرانيين عن إمكانية تقديم دعم عسكري للحزب خلال المرحلة القادمة كانت إشارة في هذا الصدد ليس إلى تل أبيب وواشنطن فحسب، بل إلى الحزب نفسه، بأن طهران سوف تعود من جديد إلى ممارسة دورها كرقم لا يمكن تجاهله في المعادلة اللبنانية. إذ قال رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) القيادي السابق في الحرس الثوري محمد باقر قاليباف، في 24 سبتمبر/أيلول الفائت، أن "تزويد حزب الله بالصواريخ ليس مستحيلاً". (العربية، 25 سبتمبر/أيلول 2025)

 

ضغوط على مؤسسات الدولة

يسعى حزب الله عبر هذا التحول الملحوظ في خطابه إلى ممارسة ضغوط مقابلة على مؤسسات الدولة، خاصة الجيش اللبناني، الذي تم تكليفه بتولي مهمة تفكيك سلاح الحزب وإتمامها قبل نهاية العام الجاري. ويبدو أن قيادة الحزب تُعوِّل في هذا الصدد على أن المواجهة المحتملة التي يمكن أن تسفر عن رفضه نزع سلاحه، أو بمعنى أدق احتمال اندلاع حرب أهلية، قد تدفع المؤسسة العسكرية إلى التردد في اتخاذ قرار في هذا الصدد، خاصة في ظل وجود ضباط وجنود شيعة بين صفوفها.

وقد كان لافتاً حالة الجدل التي تصاعدت على الساحة الداخلية اللبنانية عقب نشر وسائل إعلام تابعة للحزب تصريحات على لسان قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، في 29 أغسطس/آب الماضي، قال فيها أنه "يفضل الاستقالة على سفك دماء اللبنانيين" (صحيفة الأخبار، 29 أغسطس/آب 2025)، في إشارة توحي بأنه لن يعطي أمراً باستخدام القوة في حالة رفض حزب الله تفكيك سلاحه. وقد سارعت مديرية التوجيه بالجيش اللبناني إلى نفى ذلك، مؤكدة أن "الجيش لن يتراجع عن أداء مهامه الوطنية". (النهار، 29 أغسطس/آب 2025)

ومع ذلك، فإن هذا الجدل لم يتراجع بعد، وربما يتسع نطاقه تدريجياً مع تعمد حزب الله إضفاء طابع طائفي على المواجهة المحتملة التي قد تحدث في ظل إصراره على رفض قرار الدولة بنزع سلاحه، مع إشارة نعيم قاسم إلى "الانخراط في مواجهة كربلائية".


التصعيد الميليشياوي

لا يمكن استبعاد أن يكون قرار التصعيد من جانب حزب الله نتيجة تعمد الميليشيات الشيعية العراقية توجيه رسائل بدروها تفيد أنها قد لا تكون بعيدة عن أي جولة جديدة من الحرب قد تنشب في المرحلة القادمة. صحيح أن تصريحات قيادات تلك الميليشيات جاءت رداً على ما جاء في كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 26 سبتمبر/أيلول الفائت، من أن "إسرائيل سوف تقضي على الميليشيات وقاداتها في حالة ما إذا هاجموها" (سكاى نيوز، 27 سبتمبر/أيلول 2025)، إلا أن ذلك لا ينفي أن تلك الميليشيات ربما استغلت هذه التصريحات كفرصة لتأكيد جهوزيتها للانخراط في أي تصعيد عسكري محتمل قد يحدث خلال المرحلة القادمة.

وهنا، فإن هذه الميليشيات ربما اعتبرت أن تصريحات نتنياهو قد تعني أن إسرائيل ربما تضعها على قائمة الأهداف في المرحلة القادمة، رغم حرصها في الفترة الماضية على عدم التدخل أو التصعيد ضد تل أبيب أو واشنطن، حتى خلال الجولة الأولى من الحرب مع إيران، وهو توجه يمكن أن تكون قيادة حزب الله قد قرأته على أنه يكشف نوايا تل أبيب في المرحلة القادمة، من استخدام القوة مجدداً للقضاء على ما تبقى من المحور الذي تقوده إيران.

 

لبنان مقبل على اختبار صعب

من هنا، يمكن القول في النهاية إن لبنان يبدو مقبلاً على اختبار صعب، إذ أن إصرار حزب الله على عرقلة مهمة الجيش بتفكيك سلاحه قد يؤدي إما إلى اندلاع حرب أهلية، ربما تكتسي طابعاً طائفياً، أو استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية على نطاق واسع، حيث قد لا تكتفي تل أبيب في هذه الحالة بتوجيه ضربات محدودة، بل ربما تعمد إلى استئناف القتال مجدداً، على نحو يعني أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم بين إسرائيل ولبنان في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 قد يصبح شيئاً من الماضي.