تقديرات
حول الخلاف الأميركي الأوروبي بشأن أوكرانيا
15-Dec-2025
في الأشهر الأخيرة تحول الخلاف بين واشنطن والعواصم الأوروبية البارزة، من تباينات تكتيكية إلى خلاف استراتيجي واضح بشأن مسار التعامل مع الحرب الأوكرانية. هذا الخلاف لا يقتصر على اختلافات لفظية أو تنافس حول الأدوات، كمستوى السلاح والتمويل أو العقوبات، بل امتد إلى تناقضات حول أهداف الحل النهائي، وشروط مبادرات السلام، ودور الحلف الأطلسي في ما بعد الحرب.
مبادرات
أميركية أحادية
يتمحور الخلاف الحالي حول مبادرة أميركية
أحادية عرفت إعلاميا باسم إطار السلام. وقد أبدى الأوروبيون تحفظا قويا على بعض
بنود هذا الإطار، لأنهم يرون فيه تهديدا لمبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، ولأنه قد يترك
أوكرانيا مكشوفة أمام تهديدات مستقبلية.
يمثل إطار السلام المقترح لإنهاء الحرب الأوكرانية
نقطة جدل كبيرة خلال هذه الفترة الحرجة من النزاع، إذ اقترح نحو 28 بندا تنهي
الحرب على أساس تسويات إقليمية وسياسية. من أهمها، وفق ما نشره موقع أكسيوس في 20
نوفمبر الماضي، تنازل أوكرانيا عن سيادتها على أجزاء واسعة من الأراضي لروسيا، وأن
تلتزم بعدم الانضمام لحلف الناتو لفترة طويلة، واقتراح بتقليص حجم الجيش الأوكراني
إلى نحو 600 ألف عنصر، مع تبادل ضمانات أمنية من واشنطن وحلفائها الأوروبيين لضمان
عدم شن هجمات مستقبلية على أوكرانيا أو أوروبا. كذلك تضمنت الخطة اعترافا دوليا
بسيادة روسيا على القرم في مقابل تأكيد السيادة الأوكرانية على بقية الأراضي، وتمويل
إعادة الإعمار بنحو 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة.
احتجاجات واسعة لدى الأوروبيين
هذه المقترحات أثارت احتجاجات واسعة لدى
الأوروبيين الذين رأوا أن بعض البنود تعطي مكاسب استراتيجية لروسيا على حساب سيادة
أوكرانيا، في حين أن واشنطن تعتبرها الأساس لمفاوضات لاحقة. ووفقا لما نشرته فرانس
برس في 22 نوفمبر الماضي، وصفت واشنطن محادثات جنيف حول هذا الإطار بأنها خطوة
مهمة للسلام الشامل، وأكدت على ضرورة حصول اتفاق نهائي يلبي شروطا أمنية وسياسية
عادلة للطرفين.
وبينما صاغت واشنطن استراتيجيتها على شكها في
تعاون أوروبا في مسار السلام المقترح، سعت الاخيرة لإيجاد آليات دعم منسقة، حيث قرر
الاتحاد الأوروبي تمديد تجميد أصول روسيا، كدليل على سعي القارة لأخذ زمام
المبادرة الذاتية في دعم كييف، ودفع ملف إعادة الإعمار والسياسة الأمنية خطوات
أظهرت رغبتها في تقليل اعتمادها على واشنطن في تحديد تفاصيل الحل السياسي والعسكري
للحرب الأوكرانية.
انقسام في الخطاب
الاستراتيجي
الانقسام أيضا تجلى على مستوى الخطاب
الاستراتيجي، بعد أن أعلنت واشنطن عن وثيقة استراتيجية جديدة للأمن القومي نشرت على
موقع البيت الأبيض في 5 ديسمبر الجاري، انتقدت في بعض صيغها قدرات أوروبا وتوجهاتها،
وأنها تواجه محوا للحضارة قد يفقدها مكانتها كحليف موثوق لواشنطن، ونددت بالاتحاد
الأوروبي باعتباره مناهضا للديمقراطية والحريات، وأن على الولايات المتحدة مساعدة
أوروبا في تصحيح مسارها الحالي. وقد أثار ذلك استنكارا واسعا ودفع استجابة أوروبية
رسمية ناقدة.
قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في
الاتحاد الأوروبي، لرويترز في 6 ديسمبر، إن هذا النوع من الخطاب يزيد الشعور
بضرورة صياغة أوروبية مستقلة أكبر في الدفاع والسياسة الخارجية. وأضافت أنه يجب
توجيه الانتقادات المتعلقة بالحريات إلى جهات أخرى، مثل روسيا التي تحظر التعبير
عن الرأي وتقيد الإعلام. وفي المقابل خشي مسؤولون آخرون من أن يؤدي التباعد
الأوروبي الأميركي إلى إضعاف الرد الجماعي على روسيا في الأزمة الراهنة.
وجهات نظر
حول أسباب الخلاف
إن الخلاف الأوروبي الأميركي ليس وليد اليوم،
ففي تحليل منشور على موقع أتلانتك كاونسل في فبراير الماضي، ذهب محللون أن أوروبا
أدركت متأخرا أن واشنطن التي كانت لعقود ضامن رئيسي لأمنها، تريد منها الآن أن تتولى
مهمة الدفاع عن أوكرانيا. وجاء ذلك في تصريحات متكررة من وزير الدفاع الأميركي بيت
هيغسيث، ونائب الرئيس جيه دي فانس، والرئيس ترامب نفسه. وقد تسبب ذلك في حالة من
الاستفزاز، حيث بدأت أوروبا تشعر بضغط لتوسيع قدراتها الدفاعية.
تحديات الحفاظ على وحدة المواقف
وفي حديث أجرته سكاي نيوز مع المحلل العسكري
البريطاني مايكل كلارك في 11 ديسمبر الجاري، أكد أن التحالف الغربي يواجه تحديات
حقيقية في الحفاظ على وحدة المواقف بين أوروبا وواشنطن، وأن أسباب الخلاف تشمل
اختلاف الأولويات الاستراتيجية تجاه روسيا، وأدوات دعم أوكرانيا.
وعلى الجانب الروسي، قال الخبير العسكري فلاديمير
كيرياكين في تحليل قامت به وكالة تاس الروسية منتصف نوفمبر الماضي، إن الخطة
الأميركية قد تستخدم كذريعة لصراع بين الناتو وروسيا، وأن بعض بنودها تمثل إرباكا
بين واشنطن وأوروبا حول الضمانات الأمنية، وهو رأي يعكس تباينا في فهم الأطراف
المختلفة لمآلات الصراع.
على أية حال، يمكننا طرح عدة عوامل سببت
تصاعد الخلاف:
أولا: عامل أميركي داخلي، يتضمن تقلبات في توجهات واشنطن السياسية جعلت الموقف
أكثر واقعية في بعض المسارات التفاوضية، بينما تعاني أوروبا من تبعات اقتصادية مباشرة
نتيجة الحرب، وتبحث عن حلول مستمرة مع ضمانات أعمق.
ثانيا: عامل التباين التكتيكي، فواشنطن لديها أدوات نفوذ عالمية، وعلاقات مع
لاعبين إقليميين، قد تمكنها من فرض مقترحات لا تمتلك أوروبا النفوذ لتنفيذها.
ثالثا: قلق أوروبا من تزايد النفوذ الروسي في بعض عواصمها، يجعلها أكثر حذرا من
أي مقترح قد يبقي المجال مفتوحا لحصول موسكو على مكاسب استراتيجية.
تداعيات
الخلاف
من أهم تداعيات هذا التوتر تأخير قرار توريد
واشنطن الأسلحة الثقيلة لأوكرانيا، نتيجة النقاش حول الضمانات، مما يضعف موقف كييف،
وذلك وفقا لما نشرته سي إن إن في يوليو الماضي. وبطبيعة الحال يمكن لأي تراجع
أميركي في الدعم المباشر أن يدفع أوروبا إلى تسريع بناء قدرات دفاعية مستقلة، أو
إلى الاعتماد على شراكات داخلية بدون واشنطن.
من زاوية كييف، ترى المحررة السياسية أوليفيا
لو بويديفين في تقرير لرويترز 24 نوفمبر الماضي، أن الخلافات تمثل مصدر قلق عملي
واستراتيجي، فزيلنسكي يحتاج إلى إجماع واضح على شروط أي مفاوضات، لكي لا يجبر على
تقديم تنازلات أحادية. لذلك رفضت أوكرانيا علنا أي تنازلات تجبرها على تقييد
قدراتها الدفاعية، معتبرة أن قبول ذلك سيؤدي إلى إضعاف سيادتها وأمنها.
توتر بنيوي
بين السياسي والاستراتيجي
تسبب الخلاف حول أوكرانيا في توتر بنيوي
يختلط فيه السياسي بالاستراتيجي والداخلي بالخارجي. ومع ذلك، لا يمكن أن يؤدي ذلك إلى
انقطاع كامل في التعاون، لأن مصالح الأطراف الأساسية تظل متقاطعة، بهدف منع توسيع
العدوان واحتواء روسيا، والحفاظ على نظام أمني أوروبي أطلسي مستقر. لكن ما هو
محتمل أكثر أن نرى إعادة توزيع للأدوار، فقد تأخذ أوروبا زمام بعض ملفات التمويل
وإعادة الإعمار، بينما تبقى واشنطن لاعبا حاسما في الخيارات العسكرية والضغوط على
موسكو.
ولتحقيق ذلك،
يتوجب على أوروبا وواشنطن العمل على آليات
تنسيق مؤسسية لا تعتمد على اتصالات قمة متقطعة، لضمان أن أي مقترح تفاوضي لا يفاجئ
أوكرانيا أو يضعها تحت ضغوط غير متكافئة. وقد تحاول أوروبا تسريع بناء قدراتها
الدفاعية والتمويلية لتقليل التعرض للصدمات في حال تغير الموقف الأميركي، مع
الحفاظ على قنوات التعاون الأمني.
في كل الأحوال، ينبغي على واشنطن أخذ مخاوف
الأوروبيين بشأن سيادة الحدود والقدرات المستقبلية لأوكرانيا بعين الاعتبار عند
صياغة أي أطر سلام، فالمصادقة الأوروبية والشرعية لدى كييف ضرورية لأي اتفاق دائم.