استشرافات
الخلافات المنهجية وتفجر الصراع بين داعش والقاعدة في بوركينافاسو
20-Oct-2026
يكشف الصراع بين داعش وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة في بوركينا فاسو عن تنافس يتجاوز السيطرة على الأرض إلى احتكار النفوذ والموارد واستقطاب المقاتلين، فيما تمنح الخلافات المنهجية والعقدية هذا التنافس مبررات لاستمرار القتال. وتكتسب المواجهة خطورتها من امتدادها عبر الحدود مع مالي والنيجر، وتداخلها مع هشاشة سلطة الدولة والنزاعات المحلية. ويناقش المقال دوافع التصعيد وأثر اختلاف نهج التنظيمين تجاه المجتمعات المحلية، وصولاً إلى استشراف مسارات الصراع، إذ لا يعني اقتتالهما بالضرورة انحسار التهديد، وقد يقود إلى إعادة توزيعه جغرافياً وزيادة الضغوط على المدنيين.
جذور التنافس وتصاعد المواجهة
تتواصل المواجهات العنيفة بين
داعش و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بالقاعدة في المنطقة
الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وسط تعزيزات كبيرة من الجانبين. وتحدثت
تقارير محلية نشرت في 10 أكتوبر 2026 عن معارك شهدها قطاع تيسيت المالي يوم 9
أكتوبر، قرب الحدود البوركينية.
وبحسب مصادر نقل عنها موقع
"i-Sahel"، حشدت
"النصرة" كتيبة سرما، ومقاتلين مقربين من زعيمها إياد أغ غالي وصلوا من
شمال كيدال. وقال مصدر قريب إن القتال مستمر، فيما ادعى تنظيم الدولة قتل 400 من
مقاتلي "النصرة"، بينهم قياديون، وتدمير 300 دراجة نارية، والاستيلاء
على مركبة وأكثر من 460 سلاحا رشاشا و13 قاذفة صواريخ و104 دراجات. وفي المقابل،
هناك رواية مضادة عن مقتل أكثر من 500 من عناصر داعش، بينهم خمسة قياديين.
نشر داعش في العدد الجديد من
صحيفة "النبأ" رواية موسعة للمعارك الأخيرة مع جماعة نصرة الإسلام
والمسلمين في منطقة أودالان شمال شرقي بوركينا فاسو، وقال إن المعركة الرئيسية
بدأت قرب قرية غاناداوري في 9 أكتوبر، عندما تصدى لهجوم واسع شنته النصرة، قبل أن
تتحول المواجهة إلى حرب طويلة امتدت في المنطقة.
تأتي الرواية المطولة لداعش بعد
حملة دعائية واسعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين خلال الأسابيع الماضية في مالي،
نشرت خلالها صورا ومقاطع لأسرى وغنائم من هجوم ديورا الذي قتل فيه أكثر من 100
جندي مالي وفق مصادر أمنية، وروجت بالتوازي لسلسلة هجمات والاستيلاء على مواقع
عسكرية في وسط البلاد.
معطيات ميدانية
المعطيات الميدانية تشير إلى أن
القتال بين التنظيمين دخل منذ مطلع أكتوبر مرحلة هي الأعنف منذ سنوات، مع حشد
النصرة تعزيزات من مالي باتجاه الحدود مع بوركينا فاسو، في مواجهة داعش الذي يحاول
توسيع نفوذه في منطقة المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
كما تشير إلى أن هناك جماعات
أخرى وعصابات إجرامية تتداخل أنشطتها القتالية في الصراع الدائر بين التنظيمين
الكبيرين، وأن هناك تحالفات مع نصرة الإسلام أو تنظيم الدولة الإسلامية في غرب
إفريقيا الذي ينشط
أساسًا في حوض بحيرة تشاد، خصوصًا في نيجيريا والمناطق المجاورة. وتمدد إلى داخل
بوركينا فاسو، في منطقة أودالان وشمال شرق البلاد، وبالمناطق الحدودية بالجنوب
والجنوب الغربي، حيث يتداخل مع بعض عناصر من جماعة بوكو حرام، التي تنشط في حوض
بحيرة تشاد، وهي ليست من القوى الرئيسية في القتال الدائر بين التنظيمين.
وتعد (جماعة نصرة الإسلام
والمسلمين): الجماعة الأقوى والأوسع انتشاراً في بوركينا فاسو ومحيطها، وهي التي
تحاول ضم جماعات أخرى من العصابات والرعاة وميليشيات الدفاع عن النفس، وتنفذ
بانتظام هجمات واسعة ضد الجيش وقوات المتطوعين والمدنيين، حيث تسيطر أو تنشط في أجزاء
واسعة من البلاد. وأما داعش (ولاية الساحل) فهو ينشط بشكل أساسي في المناطق
الحدودية (المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتحديدا منطقة
ليبتاكو-غورما)، ويحاول موازنة هيمنة القاعدة عبر هجمات متبادلة ومواجهات شرسة.
وأتي الصراع القتالي والعملياتي
في سياق تركيز خلايا "داعش" و"القاعدة" على تطوير مستويات
حضورهم الميداني بالمنطقة؛ وحرص كل منهما على هيمنة الآخر على النطاقات الحدودية
بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. يقول مؤشر الإرهاب العالمي الأخير إن ربع جميع
الهجمات التي شنها المتطرفون على مستوى العالم، وتسعة من أصل 20 من الهجمات الأكثر
دموية في العالم، وقعت في بوركينا فاسو في عام 2026.
وكان السبب الرئيسي لاندلاع
القتال هو قتل نصرة الإسلام أمير داعش أبي زيد في 17 أغسطس 2026، خلال مواجهات بين
بانغاو وداركوي بمحافظة أودالان شمالي بوركينا فاسو، كما عرضت الجماعة جثة قالت
إنها تعود إليه وأسلحة ودراجات وهواتف استولى عليها مقاتلوها. وهو ما رد عليه
تنظيم الدولة في 13 أكتوبر باستهدافه لجماعة النصرة وادعائه قتل 400 عنصر منها.
ويمكن إجمال عدة أسباب لهذا
القتال، أولها أن كلا التنظيمين يسعى إلى توسيع نفوذه في المناطق الريفية
والحدودية التي تضعف فيها سيطرة الدولة، ويحاول كل طرف استقطاب عناصر الجماعات
المسلحة المحلية والمقاتلين المنشقين، من أجل السيطرة على طرق الحركة والإمداد.
بمعنى أن كل تنظيم ينازع الآخر على الشرعية والهيمنة على الحركة الجهادية في
الساحل.
لكن الأهم هو الخلافات
الأيديولوجية المنهجية، وأهمها أن تنظيم الدولة يسقط أحكام الدار والدولة التي
يكفّرها على قاطنيها، ولا يتساهل في هذا الأمر مطلقا، ويعتبر أن السكان مرتدين حال
حاربوا التنظيم، أو قاموا بموالاة أعدائه، كما يعتبر وهو الأهم أن التنظيمات الأخرى
التي لم تبايع قادته هم مرتدون، وقتال المرتد أولى من الكافر الأصلي، ويطبق في هذه
المسائل ما يطلقون عليه الناقض الثالث (من لم يكفر الكافر فهو كافر)، بينما تتبع
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نهجًا أكثر برجماتية في تعاملها مع المجتمعات
المحلية، وهي لا تكفرهم على العموم، ولها شروط في التكفير تتعلق بإقامة الحجة
البالغة، رغم أنها تقاتلهم بما يسمى قتال الطوائف الممتنعة دون إخراج من الملة.
وفجّر عناصر داعش عدة قضايا في
صراعهم على النفوذ كلها تتعلق بالحاكمية، ووجوب تحكيم الشريعة، ومن ثم الحكم
بالكفر على من لم يطبقها، وإيجاب قتال من يعاونه، وهو رأي عقدي مبني على كلام قديم
لابن تيمية، ومن بعده المودودي وسيد قطب، وهي قضية استتبعتها إصدارات التنظيم
المرئية والمقروءة في أفريقيا بغدة قضايا على رأسها: ما يسمى إنزال أحكام الديار
على الحكام ومعاونيهم، وتقسيم العالم لدار إسلام وكفر، ومؤسسات ضرار، والطوائف
التي تعمل في الدول المرتدة بأنها طاغوتية، وتسفيه رأي الجماعات الأخرى ومنها نصرة
الإسلام بما أطلقوا عليه قضية الولاء والبراء، وتقسيم الناس إلى مدني وعسكري، وأنه
يجوز قتل المدني حيث سيبعث على نيته، وما يسمى البيعة، وأنها لا تجوز لغير أمير
التنظيم، وهنا حكموا بالكفر على الجميع خاصة من يتعاون مع جبهة تحرير أزواد، تحت
ما يسمى المفاصلة.
مسارات الصراع وتداعياته المقبلة
استشرافياً، يُرجّح أن يظل
التنافس على الأرض والموارد والمجندين المحرك الأبرز للمواجهة، بينما تواصل
الخلافات العقدية توفير مبررات لاستهداف الخصوم وإغلاق فرص التسوية بينهم. وعلى
المدى القريب، يبدو استمرار الاستنزاف المتبادل مع تبدل السيطرة المحلية أقرب من حسم
شامل لأحد الطرفين؛ فامتداد مناطق الحركة عبر الحدود وتعدد شبكات الإسناد قد
يسمحان للتنظيم المتراجع بإعادة تجميع صفوفه. ويظل هذا الترجيح مشروطاً باستمرار
ضعف الحضور الحكومي وعجز التنسيق الإقليمي عن تحويل خسائر التنظيمين إلى استعادة
مستدامة للمناطق المتنازع عليها.
وفي مسار ثانٍ، قد تدفع ضغوط
المواجهة أحد التنظيمين إلى البحث عن مناطق نفوذ بديلة، فتتسع رقعة العنف داخل
بوركينا فاسو أو عبر حدودها بدلاً من أن تنكمش. وقد تمنح قدرة جماعة نصرة الإسلام
والمسلمين على بناء ترتيبات محلية مرونة أكبر في الاحتفاظ بحواضنها، فيما قد يدفع
تشدد داعش تجاه مخالفيه إلى تكثيف الإكراه والعنف لتعويض خسائر النفوذ. غير أن هذه
العلاقة ليست حتمية؛ إذ يتوقف اتجاه التمدد على تماسك القيادات، وتدفقات التجنيد،
ومواقف المجتمعات المحلية، وقدرة الدولة على حماية السكان في المناطق المعرضة
للاختراق.
أما مسار الاحتواء، فيبقى ممكناً
إذا اقترن إنهاك التنظيمين بتحسن التنسيق الأمني بين الدول الثلاث، واستعادة
الخدمات وتسوية النزاعات المحلية وتوفير حماية فعلية للمدنيين. فالاكتفاء بالضغط
العسكري، من دون حضور إداري ومعالجة مظالم السكان، قد يتيح انتقال المقاتلين أو
إعادة تشكل التحالفات بدلاً من تفكيكها. ولذلك لا يصح اعتبار ارتفاع خسائر الطرفين
دليلاً كافياً على تراجع خطرهما، ما لم يصاحبه تقلص قدرتهما على التجنيد والجباية
والتحكم في حركة السكان.
وخلال الأشهر المقبلة، ستكون
تحولات السيطرة على البلدات والطرق، واتجاهات النزوح، وانشقاقات المقاتلين،
واستمرار الهجمات على القوات الحكومية، مؤشرات أدق لقياس مسار الصراع من بيانات
الخسائر الدعائية. وإذا استمرت فجوات الحكم والحماية، فمن المرجح بقاء بوركينا فاسو
ساحة لاستنزاف متداخل قد تتزايد كلفته المدنية حتى مع إضعاف أحد التنظيمين. أما
نجاح الدولة في تثبيت وجودها بالمناطق المستعادة، فيمكن أن يحوّل التنافس بينهما
إلى فرصة لاحتواء التهديد، بدلاً من تركه ينتج دورة جديدة من التمدد والعنف.