تضع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إيران المنطقة أمام سؤال يتجاوز توقيت الضربة المقبلة: هل تمتلك واشنطن استراتيجية لإنهاء المواجهة، أم تراهن على تراكم الضغوط لإنتاج نتيجة سياسية لم تحسم شروطها؟ فبين انتظار تفاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية والتهديد باستخدام القوة، يتحرك ترامب ضمن مساحة تجمع الردع والمساومة واحتمال التصعيد. وتكشف التغطيات والكتابات المتاحة حتى 15 أكتوبر 2026 اختلافاً حول قدرة هذه الأدوات على انتزاع تنازلات، مقابل اتفاق أوسع على صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى تسوية مستقرة.

رسائل متضاربة

ونقلت «الحرة» عن مسؤول بالبيت الأبيض استعداد ترامب لترك الأزمة الاقتصادية الإيرانية تأخذ مجراها، مع احتفاظه بخيارات أخرى. لكن الرئيس أعلن قرب اتخاذ قرار، ووصف إيران بأنها «دولة فاشلة»، قبل أن يقول في تجمع انتخابي بألاسكا: «انتظروا لتروا ما سنفعله بإيران. سنضربها بقوة». أما حديثه عن تضخم يبلغ 300% والعجز عن دفع الرواتب، فيبقى تصريحاً سياسياً منسوباً إليه، وليس رقماً اقتصادياً متحققاً منه في هذا الرصد.

يمكن قراءة هذا التباين بوصفه غموضاً مقصوداً يحرم طهران الاطمئنان إلى استبعاد الحرب. لكنه قد يعكس أيضاً غياب قرار نهائي بشأن الأداة الأقدر على تحقيق الأهداف الأميركية. فالتهديد يمنح الرئيس مرونة تفاوضية، غير أن تكراره دون نتائج واضحة قد يضعف صدقيته، ويدفعه لاحقاً إلى التصعيد لإثبات الجدية. وهنا يصبح الخطاب نفسه قيداً على صانع القرار، بعدما كان أداة ضغط على خصمه.

اختبار الاستنزاف

رصدت «واشنطن بوست» تعثر بعض التوقعات الأميركية بشأن سرعة إضعاف الاقتصاد الإيراني، رغم الأضرار التي أحدثتها الضغوط. تكمن المشكلة التحليلية في الخلط بين إنهاك الاقتصاد وتغيير حسابات القيادة. فقد تتراجع الموارد وتتسع الأعباء الاجتماعية، دون أن ترى السلطة أن التنازل أقل خطراً من الاستمرار. وإذا اعتبرت القيادة الإيرانية المطالب الأميركية تهديداً لبقائها، فقد تعطي الأولوية لتمويل أدوات السيطرة والردع على حساب الإنفاق المدني. لذلك، فإن تدهور المؤشرات الاقتصادية لا يكفي وحده لإثبات اقتراب الاستسلام أو الانهيار.

كما أن الاستنزاف لا يعمل في اتجاه واحد. فاستمرار الأزمة يفرض على واشنطن كلفة الانتشار والحماية، ويزيد تعرض حلفائها لاضطرابات التجارة والطاقة. وتصبح فعالية الضغط مرتبطة بقدرة الولايات المتحدة على إغلاق منافذ الالتفاف، والمحافظة على تعاون الشركاء، وتقديم مخرج يجعل تعديل السلوك الإيراني أكثر جاذبية من مواصلة المقاومة.

حدود القوة

تظهر تصريحات الخبراء لـ«الحرة» ثلاثة اتجاهات: تحذر باربرا سلافين من محدودية الخيارات العسكرية ومخاطر الرد على السفن والدول المجاورة؛ ويشكك آلان إير في رهان دفع طهران بالقوة إلى تجاوز خطوطها الحمراء؛ بينما يرجح فرزين نديمي تصعيداً كبيراً ما لم يقع تطور استثنائي، مع استبعاده استسلام النظام بسهولة.

هذه القراءات تختلف في توقع المسار، لكنها تلتقي عند التمييز بين إلحاق الضرر وتحقيق الإذعان. فالقدرة على تدمير هدف لا تعني امتلاك القدرة على تحديد رد الخصم. وقد تبدأ العملية محدودة في التخطيط الأميركي، ثم تتوسع بفعل الرد الإيراني أو إصابة أهداف حساسة أو سقوط خسائر تستدعي جولة انتقامية جديدة. وعليه، ينبغي تقييم أي ضربة بمدى خدمتها لهدف سياسي محدد، لا بحجم الدمار الذي تحدثه.

إغراء الضربة

في أحدث مؤشرات التخطيط، أفادت «سي إن إن»، في تقرير أعادت نشره محطة «KRDO»، بأن الخيارات المطروحة تشمل استخدام قنبلة «جي بي يو-43/بي»، المعروفة بـ«أم القنابل». ونقلت عن مصادر مطلعة شكوكاً في قدرتها على تحقيق أهداف ترامب الاستراتيجية أو تغيير ميزان الحرب. وهذه خطط محتملة، وليست دليلاً على صدور أمر بالتنفيذ.

يكشف ذلك إغراء البحث عن ضربة ذات أثر إعلامي ونفسي كبير، تسمح بإظهار الحزم وكسر الجمود. لكن الرمز العسكري لا يعوض غياب تصور لليوم التالي. فإذا لم تؤد الضربة إلى اتفاق أو ردع مستقر، فقد يتحول أثرها المؤقت إلى ضغط لتنفيذ ضربات إضافية، وتصبح العملية مدخلاً إلى حملة ممتدة بدلاً من أن تكون خاتمتها.

وفي خلفية النقاش، اقترح مايكل سينغ بمعهد واشنطن، في دراسة منشورة في 25 فبراير 2026، الجمع بين ضربات محدودة وضغوط عسكرية واقتصادية ودبلوماسية. وأكد أن التحقق من توقف الأنشطة النووية يتطلب عودة المفتشين عبر الدبلوماسية. ورغم أن الدراسة سبقت التطورات الراهنة، فإنها توضح حدود الفصل بين أدوات القوة والتفاوض.

الردع الإيراني

ذكرت «وول ستريت جورنال» أن إيران تعزز تحصيناتها وتحشد أنصارها، وتلوح برد إقليمي أوسع لردع هجوم أميركي جديد. المغزى أن طهران قد تراهن على توسيع كلفة الحرب بدلاً من مواجهة التفوق الأميركي بصورة متماثلة. وبذلك تصبح حماية الملاحة والشركاء جزءاً من حساب قرار الهجوم نفسه. لكن هذه المقاربة تحمل بدورها مخاطرة إيرانية: فالمبالغة في استهداف المصالح الإقليمية قد توسع الاصطفاف ضد طهران، وتضعف فرص الوساطة، وتمنح أنصار التصعيد داخل واشنطن حججاً إضافية.

الانتخابات والثقة

رصدت «أسوشيتد برس» التوتر بين نفي الطرفين تأثير الانتخابات الأميركية في قراراتهما، وبين الضغوط الاقتصادية والسياسية للحرب. كما أشارت إلى استمرار تبادل المقترحات، بالتوازي مع الخلاف حول رفع الحصار وتخفيف العقوبات.

لا يعني ذلك أن الانتخابات تحدد القرار آلياً؛ لكنها تغير كلفة الانتظار والهجوم معاً. فالضربة قد تُسوَّق بوصفها حزماً، لكنها قد ترفع الأسعار وتستدعي رداً محرجاً. والتهدئة قد تخفف الأعباء، لكنها تحتاج إلى نتائج يمكن الدفاع عنها سياسياً.

ومن زاوية مختلفة، رأى محجوب الزويري، في مقال بـ«الجزيرة نت» بتاريخ 14 أكتوبر، أن أزمة الثقة المتراكمة، المرتبطة بأزمة الرهائن والانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، تساعد في تفسير تعثر التسويات. وهذه قراءة مفيدة، لكنها لا تكفي وحدها؛ فالمصالح الأمنية وآليات التنفيذ والضمانات عوامل مستقلة أيضاً. والأقرب أن الاتفاق يحتاج خطوات متبادلة قابلة للتحقق، تقلل اعتماد الطرفين على الوعود.

 

ثلاثة سيناريوهات

1/ استنزاف ممتد

يواصل ترامب الضغط الاقتصادي والبحري، مع إبقاء القوة جاهزة وتأجيل الهجوم الواسع. يبدو هذا السيناريو أقرب نسبياً على المدى القريب إذا لم يقع هجوم كبير يغير الحسابات. وتدعمه رغبة الطرفين في تجنب كلفة حرب أوسع، لكنه يبقي المنطقة داخل أزمة مزمنة. ومن مؤشراته استمرار العقوبات والوساطات دون تحول نوعي في العمليات.

2/ ضربة وتصعيد

تنفذ واشنطن ضربة محدودة لاستعادة الردع أو كسر الجمود، ثم تحاول وقف التدهور. يرتفع احتمال هذا المسار إذا استُهدفت مصالح أميركية مباشرة أو ظهرت معطيات نووية تراها الإدارة عاجلة. ويتوقف احتواؤه على طبيعة الرد الإيراني؛ إذ قد تتحول العملية المحدودة إلى مواجهة إقليمية متسعة. وتبرز هنا مؤشرات الإجلاء والتحذيرات العملياتية وتعزيز الدفاعات.

3/ تسوية مرحلية

يقبل الطرفان اتفاقاً جزئياً يربط أمن الملاحة وتخفيف القيود الاقتصادية بالتزامات قابلة للرقابة، مع تأجيل الملفات الأشد تعقيداً. يتطلب هذا السيناريو تراجعاً متبادلاً عن المطالب القصوى وضمانات تنفيذ تدريجية. وهو الأقل كلفة، لكنه يحتاج قراراً سياسياً يجعل التسوية مكسباً يمكن تسويقه داخلياً. وتتمثل أبرز مؤشراته في تقارب المقترحات وظهور جدول واضح للخطوات المتبادلة.