استشرافات
تداعيات أزمة الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة وكندا
08-Sep-2026
دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة جديدة من التوتر، بعدما تحولت الخلافات حول الرسوم الجمركية من أداة تفاوضية للضغط إلى مواجهة تجارية متبادلة باتت تمس قطاعات إنتاجية رئيسية في البلدين. وتكتسب الأزمة أهميتها من طبيعة العلاقة الاقتصادية شديدة التشابك بين الجارين؛ فالتجارة بينهما ليست مجرد تبادل للسلع النهائية، وإنما تقوم على سلاسل إنتاج عابرة للحدود، خصوصاً في صناعات السيارات والمعادن والطاقة والزراعة. ومن ثم، فإن رفع الرسوم لا يؤدي فقط إلى تقليص الواردات، وإنما يرفع تكاليف الإنتاج داخل الدولة التي تفرضها أيضاً، وهو ما يجعل الحرب التجارية الحالية أقرب إلى صدمة تصيب منظومة اقتصادية متكاملة من كونها مواجهة بين اقتصادين منفصلين.
الرسوم تتحول إلى
ضريبة على المستهلك
يتمثل التأثير
الأكثر مباشرة للأزمة في ارتفاع تكاليف السلع والمواد الوسيطة. فالرسوم الجمركية
تُدفع في الأساس من جانب المستورد، قبل أن يجري توزيع تكلفتها بين الشركات
والمستهلكين والموردين عبر الأسعار وهوامش الأرباح. ولذلك، فإن الاعتقاد بأن
الرسوم تمثل تكلفة يتحملها الطرف الأجنبي وحده يتجاهل الطبيعة الفعلية لسلاسل
التجارة الحديثة. وتوضح الحكومة الكندية نفسها أن المستورد هو المسؤول قانونياً عن
دفع التعريفة، بينما تحدد ظروف السوق والعقود التجارية كيفية توزيع التكلفة لاحقاً.
وتظهر المشكلة
بصورة أكبر في السلع التي تدخل في عمليات إنتاج لاحقة. فارتفاع تكلفة الصلب أو
الألومنيوم، على سبيل المثال، لا يبقى محصوراً في شركات المعادن، بل ينتقل إلى
السيارات والأجهزة المنزلية والإنشاءات والمعدات الصناعية. ومع استمرار التصعيد،
يصبح أمام الشركات ثلاثة خيارات صعبة: امتصاص التكلفة بما يقلص الأرباح، أو
تحميلها للمستهلك، أو البحث عن موردين جدد. وجميعها تنطوي، بدرجات مختلفة، على
تكلفة اقتصادية.
النمو والوظائف
تحت الضغط
الأثر الثاني
يتعلق بالنمو والتوظيف. فالحروب التجارية تقلل الكفاءة الاقتصادية عندما تدفع
الشركات إلى اختيار المورد على أساس التعريفة وليس على أساس السعر أو الجودة أو
الإنتاجية. كما أن حالة عدم اليقين بشأن استمرار الرسوم أو توسيعها تجعل الشركات
أكثر تردداً في تنفيذ الاستثمارات طويلة الأجل.
وتقدر مؤسسة Tax Foundation أن مجمل الرسوم الأمريكية المفروضة والمقررة يمكن أن يخفض الناتج
المحلي الإجمالي الأمريكي على المدى الطويل بنحو 0.4%، ويخفض رأس المال بنحو
0.3%، ويقلص ساعات العمل بما يعادل نحو 345 ألف وظيفة بدوام كامل. ولا
تمثل هذه الأرقام أثراً للرسوم الكندية وحدها، لكنها تكشف الاتجاه الاقتصادي العام
الذي تدفع إليه استراتيجية توسيع الحواجز الجمركية.
وفي كندا تبدو
الحساسية أكبر بسبب الوزن الكبير للسوق الأمريكية بالنسبة للصادرات الكندية. وقد
قدر بنك كندا في وقت سابق من العام أن تأثير السياسة التجارية الأمريكية سيجعل
الناتج المحلي الإجمالي الكندي بنهاية 2026 أقل بنحو 1.5% مقارنة بما كان متوقعاً في يناير 2025،
مشيراً إلى أن حالة عدم اليقين دفعت بعض الشركات إلى تأجيل خطط التوسع والاستثمار.
سلاسل الإمداد..
الخاسر غير المرئي
تظهر التداعيات
بصورة أوضح في سلاسل الإمداد التي بُنيت على مدى عقود في إطار التكامل الاقتصادي
لأمريكا الشمالية. فالسيارة، على سبيل المثال، قد تحتوي على مكونات تعبر الحدود
الأمريكية–الكندية أكثر من مرة قبل وصولها إلى المستهلك النهائي. وفي هذه الحالة
يمكن أن تتحول الرسوم إلى تكلفة متراكمة على مراحل مختلفة من عملية الإنتاج.
وتواجه صناعات
الصلب والألومنيوم المشكلة ذاتها. فقد أشار بنك كندا إلى أن منتجي الألومنيوم
الكنديين واجهوا رسوماً أمريكية تبلغ 50% في سوق تمثل وجهتهم التصديرية الرئيسية.
وبعد تطبيق الرسوم انخفضت الصادرات بشدة، قبل أن تتكيف الشركات جزئياً من خلال
إعادة توجيه بعض المبيعات إلى أوروبا، وإن كان ذلك بهوامش ربح أقل.
كندا تنتقل إلى
الرد بالمثل
لم تكتفِ أوتاوا
بالاعتراض السياسي، وإنما تبنت استراتيجية تقوم على مقابلة الإجراءات الأمريكية
بإجراءات مماثلة. فبعد فرض الولايات المتحدة رسوماً بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة 27.6 مليار دولار
كندي اعتباراً
من 22 أغسطس، أعلنت الحكومة الكندية رسوماً مقابلة بنسب 15% و25% و50% على واردات أمريكية بالقيمة نفسها، ودخلت
هذه الإجراءات حيز التنفيذ في 8 سبتمبر.
وتستهدف الإجراءات
قطاعات مختارة بعناية، تشمل الصلب والألومنيوم ومنتجات الألبان والأجهزة والمعدات
الزراعية والورق والإلكترونيات والبلاستيك، إلى جانب استمرار إجراءات سابقة على
السيارات الأمريكية. وفي بعض منتجات الصلب والألومنيوم ارتفعت الرسوم الكندية من
25% إلى 50% لمعادلة المعدلات الأمريكية.
ويعكس اختيار هذه
القطاعات محاولة كندية للجمع بين هدفين: حماية الصناعات المحلية المتضررة، وإحداث
تكلفة اقتصادية وسياسية داخل الولايات المتحدة تدفع واشنطن إلى العودة إلى
التفاوض. لكن المشكلة أن الرد بالمثل يزيد بدوره تكلفة المنتجات الأمريكية داخل
كندا، ولذلك أعلنت أوتاوا بالتوازي حزمة دعم جديدة بقيمة 7.5 مليارات دولار كندي للعمال والشركات المتضررة، تضاف إلى
مساعدات سابقة قاربت 25 مليار دولار.
أزمة تجارية تتحول
إلى أزمة سياسية
لم تعد الأزمة
اقتصادية فقط. ففي 21 أغسطس قرر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تعليق
المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، قائلاً إن تغييرات اللحظة الأخيرة في
الشروط الأمريكية كانت غير عادلة وغير اقتصادية، وأن بلاده لن تقبل اتفاقاً بأي
ثمن.
ويعني تعثر
المفاوضات أن الرسوم أصبحت جزءاً من اختبار سياسي أوسع حول شكل العلاقة بين
البلدين. فبالنسبة لواشنطن، تمثل الرسوم وسيلة لإعادة التفاوض على شروط الوصول إلى
السوق الأمريكية وتشجيع نقل المزيد من الإنتاج إلى الداخل. أما أوتاوا، فتنظر إلى
قبول مطالب أمريكية واسعة تحت ضغط الرسوم باعتباره سابقة قد تجعل الاقتصاد الكندي
أكثر تعرضاً للإكراه التجاري مستقبلاً.
ومن هنا يفسر
الانتقال الكندي إلى قاعدة "دولار مقابل دولار، ومعدل مقابل معدل".
فالهدف ليس اقتصادياً بحتاً، وإنما إظهار أن تكلفة الضغط لن تكون أحادية الجانب.
وتؤكد التقارير الصادرة بالتزامن مع دخول الرسوم الجديدة حيز التنفيذ أن قيمة
السلع الأمريكية المستهدفة تبلغ نحو 20 مليار دولار أمريكي، وأن معدلات الرسوم تصل في بعض المنتجات
إلى 50%.
تداعيات تتجاوز
أمريكا الشمالية
رغم أن طرفي
الأزمة هما الولايات المتحدة وكندا، فإن انعكاساتها لا تتوقف عند حدودهما.
فالاقتصادان جزءان من شبكات إنتاج وتمويل وتجارة عالمية، كما أن توسيع استخدام
الرسوم بين دولتين ارتبطتا تاريخياً بإحدى أكثر العلاقات التجارية استقراراً يبعث
برسالة مقلقة للشركات والمستثمرين بشأن مستقبل النظام التجاري الدولي.
وتتمثل المخاوف
الأوسع في احتمال تحول الرسوم إلى أداة دائمة لإدارة الخلافات السياسية
والاقتصادية، بما يدفع الدول الأخرى إلى بناء سياسات تجارية أكثر دفاعية. وقد يؤدي
ذلك إلى تسريع تنويع الشركاء والأسواق، وإعادة توطين بعض الصناعات، وإنشاء سلاسل
إمداد أقصر وأكثر أمناً، لكنها في الوقت نفسه أعلى تكلفة وأقل كفاءة.
كما قد تستفيد
أطراف ثالثة من تحويل مسارات التجارة. فإذا تراجعت قدرة المنتج الكندي على
المنافسة في الولايات المتحدة، فقد تتجه صادراته إلى أوروبا أو آسيا؛ وبالمثل يمكن
لموردين من دول أخرى إحلال منتجاتهم محل السلع الأمريكية داخل السوق الكندية. لكن
هذه المكاسب الجزئية لا تعني أن الاقتصاد العالمي يستفيد إجمالاً؛ إذ أظهرت نماذج
اقتصادية سابقة لمعهد بيترسون أن الانتقام التجاري المتبادل يزيد خسائر الناتج
مقارنة بفرض الرسوم من جانب واحد، ويكون الضرر النسبي على كندا أكبر بسبب حجم
اقتصادها ودرجة اعتمادها على السوق الأمريكية.
استشرافات
تكشف الأزمة أن الحرب الجمركية بين الولايات المتحدة وكندا لا تمتلك رابحاً اقتصادياً واضحاً على المدى الطويل. صحيح أن واشنطن تمتلك ميزة تفاوضية نابعة من ضخامة السوق الأمريكية واعتماد كندا الكبير عليها، لكن التشابك بين الاقتصادين يعني أن استخدام هذه الميزة بكثافة يرتد على الشركات والمستهلكين الأمريكيين من خلال الأسعار وتكاليف المدخلات واضطراب الاستثمار. وفي المقابل، تستطيع كندا رفع تكلفة السياسات الأمريكية من خلال الانتقام الموجّه وتنويع الأسواق، لكنها لا تستطيع بسهولة تعويض السوق الأمريكية. ولذلك تبدو الرسوم في جوهرها معركة لتوزيع الخسائر والضغط السياسي أكثر منها أداة لخلق مكاسب اقتصادية صافية.
أما الخطر الأبعد
مدى فيتمثل في انتقال الأزمة من نزاع حول الرسوم إلى إعادة تعريف للعلاقة
الاقتصادية الأمريكية–الكندية. فإذا استمر التصعيد، ستبدأ الشركات في التعامل مع الحدود بين البلدين
باعتبارها مصدراً دائماً للمخاطر، وليس مجرد خط إداري داخل سوق شمال أمريكية
مترابطة. وعندها قد تتسارع إعادة توجيه الاستثمارات وسلاسل الإمداد والتجارة، بما
يقلل تدريجياً درجة الاعتماد المتبادل. ومن هنا فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس
انفصالاً اقتصادياً كاملاً، لصعوبة ذلك وارتفاع تكلفته، وإنما نشوء تكامل
أمريكي–كندي أقل عمقاً وأكثر حذراً وتسييساً؛ وهي نتيجة قد تكون أكثر استدامة
وخطورة من الرسوم نفسها.