رغم الزخم السياسي الذي رافق طرح خطة السلام في غزة، فإن مسارها لا يزال يواجه تعثراً متواصلاً بسبب تداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية. فالمبادرة التي كان يُنظر إليها بوصفها مدخلاً لوقف الحرب، وإطلاق سراح الأسرى والرهائن، وتوسيع المساعدات الإنسانية، والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، اصطدمت سريعاً بخلافات عميقة حول أولويات التنفيذ وضماناته، لتتحول من مشروع تسوية إلى ساحة جديدة للتجاذبات السياسية.

وبعد أيام فقط من إعلان الوسطاء والرئيس الأمريكي دونالد ترامب اقتراب التوصل إلى اتفاق بشأن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، عادت المفاوضات إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مع بروز تحفظات إسرائيلية على مسودة الاتفاق، واستمرار قصفها واستهدافها مناطق عدة داخل القطاع، وتجدد الخلاف حول ترتيب تنفيذ البنود، خاصة ما يتعلق بنزع سلاح حركة حماس وباقي الفصائل انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة. وفي وقت دعا فيه الوسطاء إلى الحفاظ على مسار الاتفاق، تتركز الخلافات حالياً حول واحدة من أكثر القضايا حساسية: هل يسبق نزع سلاح حماس أي انسحاب إسرائيلي من القطاع، أم يجري تنفيذ الخطوتين بشكل متزامن؟، فضلا عن استمرار إسرائيل في المطالبة بحرية العمل العسكري في عموم مناطق القطاع (بي بي سي).

 

خريطة الطريق

وفق موقع الحرة ، تنص خريطة الطريق المكونة من 15 بندا على نزع سلاح حماس وجميع الفصائل، ونقل الصلاحيات المدنية والأمنية في قطاع غزة إلى لجنة وطنية فلسطينية، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار ومراقبة وقف إطلاق النار.

وتشمل الخطة تفكيك الأسلحة الثقيلة والأنفاق ومواقع تصنيع الأسلحة، ووضع الأسلحة في مخازن خاضعة للرقابة، ودمج عناصر من الأجهزة الأمنية الذين يستوفون المعايير المطلوبة في المؤسسات الرسمية، وتحويل آخرين إلى مسارات مدنية. كما تتضمن الخطة انتقالا تدريجيا للسلطة إلى اللجنة التكنوقراطية، إلى جانب ترتيبات لإدارة الأموال العامة، والأمن الداخلي، وسيادة القانون، وصولا إلى مرحلة إعادة الإعمار.

إلا أن التوضيح اللاحق لمجلس السلام وضع ترتيبا أكثر صرامة، إذ أكد أن تراجع الجيش الإسرائيلي لما وراء “الخط الأصفر” لن يحدث إلا عند استكمال عملية إخراج الأسلحة من الخدمة. ما يعني أن الخطوة الإسرائيلية التالية قد تتأخر إلى ما بعد إنجاز مرحلة واسعة من نزع السلاح، بدلا من أن يتحرك المساران بصورة متوازية.

وكان يفترض أن تبقى القوات الإسرائيلية ضمن الخط الأصفر الذي تسيطر من خلاله على نحو 53 في المئة من مساحة القطاع، قبل الانتقال لاحقا إلى انسحابات إضافية مرتبطة بتنفيذ بقية بنود الاتفاق. لكن إسرائيل باتت تسيطر، بحسب تقارير متعددة، على أكثر من 60 في المئة من مساحة القطاع، ما يعني أن هناك خلافين منفصلين يتعلقان بالانسحاب.

الأول يدور حول مطالبة إسرائيل بالعودة إلى “الخط الأصفر”، أي الانسحاب من المناطق التي تقدمت إليها بعد وقف إطلاق النار. أما الثاني فيتعلق بالانسحاب مستقبلا إلى ما وراء ذلك الخط، وصولا إلى “محيط أمني” لم تُعلن حدوده النهائية.

 

أولويات متعارضة

تكمن العقدة الأساسية في اختلاف ترتيب الخطوات بين الأطراف. فإسرائيل تتمسك بضمانات أمنية تحول دون استعادة حركة حماس لقدراتها العسكرية، بينما ترى الحركة أن أي اتفاق لا يبدأ بوقف شامل للحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية يفتقر إلى المصداقية. وبين هذين الموقفين، يحاول الوسطاء الإقليميون والدوليون إيجاد صيغة توازن، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة.

ويلاحظ مراقبون أن الخلاف لم يعد يدور حول المبادئ العامة للخطة، وإنما حول التفاصيل التنفيذية، وهي التفاصيل التي غالباً ما تحدد مصير الاتفاقات في النزاعات الممتدة.

معضلة اليوم التالي

لا يقل الخلاف حول إدارة قطاع غزة بعد الحرب أهمية عن الخلاف العسكري. فالأسئلة المتعلقة بالجهة التي ستدير القطاع، وشكل الأجهزة الأمنية، وآلية الإشراف على إعادة الإعمار، لا تزال دون إجابات توافقية.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن المانحين الدوليين يربطون إطلاق برامج الإعمار بوجود إدارة فلسطينية مستقرة وقادرة على إدارة الموارد، بينما ترى أطراف فلسطينية أن أي ترتيبات انتقالية يجب ألا تتحول إلى بديل عن الحل السياسي الأشمل.

أزمة الثقة

تكشف المفاوضات أن أزمة الثقة أصبحت أكبر من النصوص المقترحة. فكل طرف يخشى أن يؤدي تنفيذ التزاماته أولاً إلى فقدان أوراق الضغط التي يمتلكها، وهو ما يجعل الاتفاقات المرحلية أكثر هشاشة عند التطبيق.

ويرى الباحث خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن أي تهدئة لن تكون قابلة للاستمرار إذا لم ترتبط بأفق سياسي واضح يعالج جذور الصراع، لأن الاكتفاء بالترتيبات الأمنية يعيد إنتاج الأزمة بصورة دورية.

ومن زاوية أخرى، يذهب عبد الوهاب الأفندي، في المركز العربي واشنطن، إلى أن تجارب المنطقة أثبتت أن الاتفاقات التي تغيب عنها التسوية السياسية الشاملة غالباً ما تتعثر عند أول اختبار ميداني، مهما بلغت دقة الترتيبات الأمنية.

أكثر من هدنة

في قراءة نشرتها تشاتام هاوس ترى الباحثة جولي نورمان أن نجاح أي اتفاق في غزة لا يتوقف عند تثبيت وقف إطلاق النار، بل يرتبط بوجود رؤية سياسية تحدد مستقبل القطاع وعلاقته بالمسار الفلسطيني الأوسع. وتعتبر أن غياب هذه الرؤية يجعل الهدنة مجرد استراحة مؤقتة بين جولات القتال.

وفي الاتجاه نفسه، يحذر الباحث نيل كويليام، في أوراق صادرة عن المؤسسة ذاتها، من أن التركيز على إدارة الأزمة بدلاً من حلها قد يفضي إلى واقع سياسي جديد يزيد تعقيد فرص التسوية، إذا لم تقترن الترتيبات الأمنية بإطار سياسي يحظى بقبول الأطراف المختلفة.

أما مجموعة الأزمات الدولية ، فتشير في عدد من تقاريرها إلى أن نجاح أي مبادرة يتطلب الجمع بين وقف الأعمال العسكرية، ومعالجة الملف الإنساني، وبلورة ترتيبات حكم قابلة للحياة، باعتبار أن غياب أحد هذه العناصر يهدد المنظومة بأكملها.

دور الوسطاء

أثبتت جولات التفاوض المتعاقبة أن الوسطاء لا يواجهون فقط صعوبة في تقريب وجهات النظر، وإنما أيضاً في الحفاظ على زخم العملية السياسية مع كل انتكاسة ميدانية. فكل تصعيد يعيد النقاش إلى نقطة البداية، ويؤخر التوافق على القضايا الأكثر حساسية، خصوصاً تلك المتعلقة بالأمن والإدارة وإعادة الإعمار.

كما أن تباين أولويات القوى الدولية والإقليمية يضيف تعقيداً آخر، إذ يركز بعض الفاعلين على تثبيت الاستقرار الأمني، بينما يمنح آخرون الأولوية لإطلاق مسار سياسي شامل يضمن عدم تجدد الصراع.

إلى أين تتجه الخطة؟

السيناريو الأول يتمثل في نجاح الوسطاء في تضييق فجوة الخلافات، عبر التوصل إلى صيغة توازن بين المطالب الأمنية والإنسانية والسياسية، بما يسمح بتنفيذ مراحل الخطة تدريجياً. ويظل هذا الاحتمال قائماً إذا توفرت ضمانات تنفيذية تحظى بثقة جميع الأطراف.

أما السيناريو الثاني، فهو استمرار حالة الجمود الحالية، بحيث تبقى المفاوضات مفتوحة من دون اختراق حقيقي، مع اتفاقات جزئية ومؤقتة تعالج بعض الملفات الإنسانية، لكنها تعجز عن الانتقال إلى تسوية سياسية مستقرة، وهو سيناريو قد يطيل أمد عدم اليقين في القطاع.

ويبقى السيناريو الثالث، والأكثر تعقيداً، مرتبطاً باحتمال انهيار المسار التفاوضي بالكامل نتيجة تصعيد ميداني جديد أو اتساع الخلافات السياسية، وهو ما قد يعيد الأزمة إلى مربع المواجهة المفتوحة، ويؤجل مرة أخرى أي فرصة لبناء سلام مستدام. وفي جميع الأحوال، تبدو قدرة خطة السلام على تجاوز التعثر مرهونة بمدى نجاحها في تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات عملية قابلة للتنفيذ، وليس بمجرد التوصل إلى اتفاقات على الورق.