تقديرات
نقص الذخائر الأميركية.. الحروب الحديثة تكشف حدود القوة الصناعية
04-Sep-2026
لم تعد أزمة الذخائر الأمريكية مجرد مسألة تتعلق بعدد الصواريخ التي أُطلقت في الحرب مع إيران، بل أصبحت اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على تحويل تفوقها التكنولوجي والمالي إلى إنتاج عسكري مستدام. فالتقديرات التي تتحدث عن استنزاف نسبة كبيرة من صواريخ «باتريوت» و«ثاد» تكشف خللاً أعمق: الجيش الأمريكي مصمم لخوض عمليات عسكرية شديدة الكثافة، لكن قاعدته الصناعية لم تعد مهيأة لتعويض الذخائر بالسرعة نفسها التي تستهلك بها في الحروب الكبرى.
معلومات سرية
وفق ناتيلا اولفيردو
في تقرير بـ
Military Times نشر في
30 يوليو 2026 ، لا يعلن البنتاغون الأرقام الدقيقة لمخزوناته، لأنها معلومات سرية
ترتبط بخطط الحرب ومستويات الجاهزية. ولذلك تتفاوت التقديرات المنشورة. فقد أشارت تحليلات
إلى استنزاف قد يصل إلى 80 في المائة في بعض فئات الصواريخ الاعتراضية، بينما قدّر
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الولايات المتحدة استخدمت، حتى أواخر يوليو
2026، نحو 65 في المائة من مخزونها السابق للحرب من صواريخ «باتريوت»، ولم يتبق لديها
سوى أقل من ألف صاروخ. أما مخزون «ثاد»، فقد تراجع وفق التقدير نفسه من نحو 450 صاروخاً
إلى قرابة 250. وتؤكد هذه الفروق أن الأرقام تقريبية، لكنها لا تلغي الاتجاه العام:
معدل الاستهلاك يتجاوز بكثير معدل التعويض.
أسباب متعددة
يرتبط السبب الأول
بطبيعة الحرب نفسها، فقد واجهت القوات الأمريكية وحلفاؤها موجات كثيفة من الصواريخ
الباليستية والمسيّرات، ما فرض استخدام أعداد كبيرة من الصواريخ الاعتراضية لحماية
القواعد والقوات والمدن والمنشآت الحيوية. وفي بعض الحالات، يُطلق أكثر من صاروخ اعتراضي
على الهدف الواحد لرفع احتمال تدميره. وهكذا تستطيع إيران استخدام صاروخ أو مسيّرة
أقل تكلفة، بينما تضطر الولايات المتحدة إلى الرد بصاروخ متطور وباهظ الثمن، يصعب إنتاجه
بسرعة. إن المعادلة ليست مالية فقط؛ إنها معادلة بين ذخيرة هجومية تُنتج بكميات كبيرة
ودفاعات شديدة التعقيد تُصنع بأعداد محدودة.
ويشير توم كاراكو،
مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن المشكلة
لا تقتصر على نفاد الصواريخ، بل تشمل «عمق المخزون»؛ أي قدرة القوات على مواصلة القتال
مع الاحتفاظ باحتياطي كافٍ لمواجهة حرب أخرى. فالاعتراضات الناجحة في الشرق الأوسط
قد تحقق حماية فورية، لكنها تستهلك في الوقت نفسه ذخائر يحتاج إليها المخططون للدفاع
عن أوروبا أو قواعد المحيطين الهندي والهادئ. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا
كانت واشنطن قادرة على مواصلة الحرب الحالية، بل ما إذا كانت تستطيع خوض أزمتين كبيرتين
في وقت متزامن.
أما السبب الثاني فيكمن
في تراجع القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة. فقد أُغلقت
خطوط إنتاج، واندمجت شركات كثيرة، وتقلص عدد الموردين، بينما اعتمدت وزارة الدفاع سياسة
شراء سنوية تقوم على طلبيات محدودة. كان ذلك منطقياً خلال مرحلة العمليات القصيرة والحروب
ضد خصوم لا يمتلكون ترسانات صاروخية ضخمة، لكنه خلق صناعة تعمل وفق مبدأ «الإنتاج في
الوقت المناسب»، لا وفق متطلبات حرب استنزاف طويلة. وعندما ارتفع الطلب فجأة، لم تكن
هناك مصانع احتياطية أو عمالة ماهرة أو سلاسل توريد جاهزة للقفز بالإنتاج خلال أسابيع.
وتوضح دراسة أعدها
مارك كانسيان وكريس بارك أن الولايات المتحدة اشترت خلال العقد السابق للحرب ما معدله
225 صاروخ «باتريوت» سنوياً، وهو رقم متواضع مقارنة بما قد يُستهلك خلال أسابيع من
القتال الكثيف. ويعمل خط إنتاج صواريخ PAC-3 MSE حالياً بمعدل يقارب 650 صاروخاً في السنة، يذهب نحو نصفها إلى الجيش الأمريكي،
بينما يُخصص الباقي للحلفاء. وحتى مع خطط رفع الطاقة الإنتاجية، قد لا تبدأ آثار التوسع
الفعلية قبل سنوات. ويختصر كانسيان المعضلة بقوله إن الأموال التي تُضخ اليوم لن تتحول
إلى صواريخ قبل ثلاث أو أربع سنوات، وربما خمس في بعض الحالات.
السبب الثالث هو التعقيد
التقني، فالصاروخ الاعتراضي ليس قذيفة مدفعية يمكن إنتاجها على نطاق واسع خلال أشهر؛
إنه منظومة دقيقة تضم محركات ومواد دافعة ورادارات مصغرة وباحثات إلكترونية وأشباه
موصلات وبرمجيات ومكونات حرارية. وقد يعتمد إنتاج جزء صغير على مصنع واحد أو مورد وحيد.
لذلك لا يكفي أن تطلب الإدارة الأمريكية من شركة «لوكهيد مارتن» أو «RTX» مضاعفة الإنتاج؛ إذ يتعين توسيع شبكة كاملة
من الموردين، وبناء منشآت، وشراء معدات، وتدريب العمال، ثم اختبار كل صاروخ وفق معايير
صارمة.
إجراءات حكومية معيقة
تقول دراسة نُشرت في
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 27 مايو 2026، إن الإجراءات الحكومية نفسها تخلق طبقة إضافية من التأخير.
فبين اعتماد التمويل في الكونغرس وتوقيع العقد وبدء الإنتاج وتسليم الدفعة الأولى،
قد تمر ثلاث أو أربع سنوات. وتشير الدراسة إلى أن صواريخ «باتريوت» المطلوبة في موازنة
عام 2027 لن يبدأ تسليم جزء مهم منها قبل مايو 2029، فيما يحتاج مخزون «ثاد» إلى أواخر
2029 تقريباً للعودة إلى مستواه السابق للحرب. أما صواريخ «توماهوك»، فقد لا يُستعاد
مخزونها بالكامل قبل نهاية 2030 أو بداية 2031.
ووفق ول ستريت جورنال (28 أغسطس 2026)، تتضاعف الأزمة
بفعل تعدد الالتزامات الأمريكية. فواشنطن لا تعيد بناء مخزونها فقط؛ إنها تزود أوكرانيا
بصواريخ «باتريوت»، وتدعم إسرائيل، وتحمي قواعدها وشركاءها الخليجيين، وتنفذ طلبيات
تعاقدت عليها دول أوروبية وآسيوية. وتستخدم منظومة «باتريوت» في 17 دولة أخرى، ما يجعل
كل صاروخ جديد موضع تنافس بين احتياجات الولايات المتحدة وطلبات الحلفاء. وقد ذكرت
صحيفة «وول ستريت جورنال» أن بعض المخزونات الأمريكية في أوروبا من صواريخ «باتريوت»
و«أتاكمز» وصلت إلى مستويات وصفها مسؤولون بأنها «تجاوزت الحد الحرج»، وسط مخاوف من
تأثير التحويلات إلى الشرق الأوسط في القدرة على ردع روسيا والصين.
أبعاد استراتيجية
ولهذا تحمل الأزمة
بعداً استراتيجياً يتجاوز الحسابات الصناعية وفق اكسيوس (3 سبتمبر 2026) . فالتآكل
المعروف أو المتوقع في المخزون قد يشجع الخصوم على اختبار الإرادة الأمريكية خلال
«نافذة الضعف» الممتدة إلى نهاية العقد. وفي المقابل، قد تضطر واشنطن إلى تقليص المساعدات
العسكرية، أو إعادة ترتيب انتشارها، أو حماية الأهداف الأعلى قيمة فقط، أو قبول نسب
أكبر من المخاطر. ووفق ما أوردته «أكسيوس»، فإن النقص لا يقتصر على «باتريوت» و«ثاد»،
بل يشمل «توماهوك» و«جاسم» و«أتاكمز» وذخائر أخرى تحتاج إليها الولايات المتحدة في
أي مواجهة محتملة بالمحيط الهادئ.
تكشف حرب إيران، في
المحصلة، أن القوة العسكرية لا تُقاس بجودة السلاح وحدها، بل بالقدرة على إنتاجه وتعويضه
والاستمرار في استخدامه. وقد تستطيع واشنطن معالجة الأزمة عبر عقود متعددة السنوات،
وتوسيع عدد الموردين، وإنشاء مخزونات مشتركة مع الحلفاء، وتطوير وسائل اعتراض أرخص
لمواجهة المسيّرات، لكنها لن تحقق نتائج فورية. فالمشكلة الحالية، كما يقول كانسيان
وبارك، ليست نقص المال بقدر ما هي نقص الوقت.
وبذلك، لا يعني نفاد
الذخائر أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عسكرياً، وإنما يعني أن نموذجها الدفاعي يواجه
فجوة بين طموحات عالمية واسعة وقاعدة إنتاجية ضيقة. وإذا لم تُعالج هذه الفجوة، فقد
تصبح الذخيرة—not
عدد الجنود أو الطائرات—هي
العامل الذي يرسم حدود التدخل الأمريكي، ويحدد أي الجبهات تحظى بالحماية وأيها يُطلب
منها انتظار دورها.
تقدير موقف
- يكشف استنزاف صواريخ
«باتريوت» و«ثاد» في الحرب مع إيران عن فجوة متزايدة بين اتساع الالتزامات العسكرية
الأمريكية وقدرة القاعدة الصناعية على تعويض الذخائر المتطورة. فالمشكلة لا تتعلق بنقص
التمويل، بل بطول دورة الإنتاج، ومحدودية خطوط التصنيع والموردين، والتعقيد التقني
للصواريخ الاعتراضية، ما يجعل استعادة المخزونات تستغرق سنوات.
- يضع هذا النقص واشنطن
أمام مفاضلة صعبة بين استمرار عملياتها في الشرق الأوسط، ودعم أوكرانيا، والاحتفاظ
بمخزون كافٍ لردع روسيا والصين. وقد يدفعها ذلك إلى إعادة ترتيب أولويات الحماية، وتقليص
بعض الإمدادات للحلفاء، وتجنب عمليات طويلة مرتفعة الاستهلاك، بما يخلق فجوة مؤقتة
في الجاهزية الأمريكية يمكن للخصوم استغلالها لاختبار التزاماتها الدولية.
- يرجح أن تتجه الولايات المتحدة إلى تسريع العقود متعددة السنوات، وتوسيع طاقات الإنتاج، وتقاسم أعباء الدفاع الصاروخي مع الحلفاء، وتطوير وسائل اعتراض أقل تكلفة. غير أن أثر هذه الإجراءات لن يكون فورياً؛ لذلك ستظل إدارة التصعيد ومنع اندلاع جبهات متزامنة جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأمريكية حتى استعادة المخزونات، بما يجعل القدرة الصناعية عاملاً محدداً لحدود القوة والنفوذ الأمريكيين.