كانت العقوبات الاقتصادية على مدى عقود هي أداة الضغط الأساسية لواشنطن لتقويض الاقتصاد الإيراني، وبالرغم من الخسائر التي تتكبدها طهران، لكنها نجحت في تطوير آليات التفاف مرنة تحافظ على أدنى مستوى من الاستقرار الاقتصادي. ومع تعنت إيران وعدم قبولها شروط التفاوض مع واشنطن، قررت الإدارة الأميركية استهداف شركاء إيران التجاريين الدوليين بعقوبات تمنعهم من تداول النفط والغاز أو تسيير المعاملات المالية والتجارية مع طهران عبر طرق ملتوية.


طبيعة العقوبات الجديدة

أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عزم بلاده تنفيذ حزمة عقوبات شاملة ضد إيران في مؤتمر صحفي عقده يوم الاثنين 24 أغسطس 2026. وبحسب ما نشرته رويترز، تم الكشف عن تفاصيل "عملية المنبوذ الاقتصادي"، التي تهدف إلى فرض عزلة مالية كاملة تخنق الشرايين الاقتصادية الإيرانية.

قال بيسنت إن العقوبات تستهدف خمسة مجالات حيوية تستخدمها إيران في دول أخرى، هي الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن. فضلًا عن فرض عقوبات فورية على أكثر من 60 كيانًا وشخصًا وسفينة لتسهيلهم تجارة النفط أو المعاملات الالتفافية.

ووجه الوزير تحذيرًا صارمًا للدول الشريكة، وقال إنه تم تحديد جداول زمنية واضحة لوقف تعاملاتها، ومن يرفض الالتزام سيواجه إجراءات أميركية أحادية الجانب، وسيحظر تمامًا من نظام الدولار والمقاصة الأميركية. وتفادياً لتفجير الصدام الدبلوماسي دفعة واحدة، لم يسم دولًا محددة بالاسم كأهداف مباشرة للعقوبات الثانوية الفورية في بيانه، إلا أنه عند سؤاله مباشرة عما إذا كانت العقوبات ستطال المصارف الصينية، باعتبار بكين المشتري لنحو 80% من نفط إيران، أجاب بحسم: "لا أحد فوق أو بمنأى عن نطاق العقوبات الأميركية".  

وفي 22  أغسطس  2026 قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي السبت إن "أي دولة تشارك في فرض قيود اقتصادية على إيران تُعدّ عدواً". وأضاف رضائي في تصريح للتلفزيون الرسمي "نقول لكل الدول المجاورة وكل دول العالم: لا تنضموا إلى الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة".

"ستستهدف مصالح الدول التي تساعد الولايات المتحدة في شن حرب اقتصادية على الجمهورية الإسلامية"، وفق رضائي الذي أضاف: "إذا تعاونت دول الجوار مع الأمريكيين في الحرب الاقتصادية فلن تخرج قطرة نفط واحدة …" من الخليج ومضيق هرمز. وتابع رضائي "لم نهاجم بعد أيّ مصلحة اقتصادية أمريكية، وحتى الآن لم نستهدف إلا القواعد العسكرية، لكن إذا أرادوا فرض عقوبات اقتصادية علينا، فإن للولايات المتحدة شركات نفطية واقتصادية بجوار إيران وفي أماكن أخرى، وسنضربها".


مواقف أبرز شركاء إيران التجاريين

تعكس حزمة العقوبات الأميركية تصعيدًا غير مسبوق في توظيف الأدوات المالية كبديل للصدام العسكري، مما يضع أبرز الشركاء التجاريين لإيران أمام معادلة صفرية تجبرهم على الاختيار بين الحفاظ على علاقاتهم بطهران أو الإقصاء التام من النظام المالي العالمي.

تمثل الصين المستهدف الأول من العقوبات كونها تشتري النفط الإيراني، ما يجعل موقفها محتشدًا بالتعقيد بين الالتزام الظاهري والالتفاف الميداني، إذ تتجنب مصارف بكين الكبرى التورط في أي معاملات مكشوفة دوليًا بالدولار، بينما تستمر الدولة في تسيير تدفقات الطاقة عبر قنوات مالية غير مندمجة عالميًا، والاعتماد على ناقلات أسطول الظل، وهو ما يضع الكيانات الصينية المستقلة في مرمى الاستهداف المباشر لحزمة العقوبات الأميركية. وبحسب سكاي نيوز عربية، ردت الصين بأنها لا تأبه لهذه العقوبات وسوف تتعامل مع إيران وفق القانون الدولي.

أما تركيا، فتواجه معضلة اقتصادية نتيجة هذه الضغوط، على الرغم من أنها قلصت مسبقًا حجم تجارتها مع طهران لتجنيب مصارفها الغرامات الأميركية. وكانت أنقرة، بحسب نيويورك تايمز، قد تحركت سابقًا نحو تعزيز صيغ التبادل المباشرة بالرغم من العقوبات، باعتماد آليات المقايضة القائمة على تبادل الغاز والسلع، نظرًا لحاجتها الحيوية لمصادر الطاقة.

وقد اختارت الهند مسارًا أكثر حذرًا يرتكز على تغليب شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن على مصالحها مع طهران، فاستجابت مبكرًا للضغوط الأميركية مع بداية الحصار البحري عبر تصفير وارداتها النفطية الرسمية من إيران. والأرجح أنها ستمتثل لقرارات واشنطن الجديدة لخشيتها من العواقب الاقتصادية الهائلة نتيجة العقوبات.

 

المشهد يتجاوز حدود المواجهة

وفي ظل تصاعد الضغوط الأميركية على إيران، يتجاوز المشهد حدود المواجهة بين واشنطن وطهران، ليكشف عن لوحة جيوسياسية أوسع تحضر فيها الصين بوصفها شريكا تجاريا ومستوردا رئيسيا للطاقة الإيرانية، بينما يبرز العراق باعتباره إحدى أكثر ساحات الضغط حساسية. ويرى الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي لسكاي نيوز عربية أن المرحلة الراهنة تمثل حلقة في استراتيجية أميركية تبدأ بالحصار والإضعاف والإنهاك، وقد تنتهي بعمل عسكري إذا فشل الضغط الاقتصادي في دفع إيران إلى الاستجابة للمطالب الأميركية. وتأتي هذه القراءة بالتزامن مع إطلاق واشنطن حملة عقوبات جديدة تستهدف شبكات إيران المالية والتجارية وشركاءها الدوليين، بما يشمل قطاعات النفط والشحن والذهب والتكنولوجيا والعملات الرقمية، وفق ما أعلنته وزارة الخزانة الأميركية.

 

آليات وأدوات إيران للتعامل مع العقوبات

تسببت العقوبات الأميركية سابقًا في إرباك الاقتصاد الإيراني بالرغم من الالتفاف عليها، لكن هذه المرة تأتي وسط نسبة تضخم تجاوزت 350% ونقص للعملات الصعبة أدى إلى تدهور مستمر لقيمة الريال الإيراني. كما أن التهديد بعزل الشركاء عن نظام سويفت الدولي سيجعل العمليات التجارية الخارجية شديدة التعقيد وباهظة التكلفة.

لقد اعتمدت طهران على صندوق أدوات عالي المرونة تم تطويره على مدار عقود للالتفاف على الحصار، باستخدام ناقلات نفط شبحية تغلق أجهزة التتبع وتغير هوياتها، والاعتماد على شبكات مالية غير رسمية لتسيير المدفوعات. وتبادل النفط والغاز مع الدول المجاورة بريًا مقابل سلع أساسية. فضلًا عن تعزيز العضوية في كيانات لا تهيمن عليها واشنطن، مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.

ومع تهديدات ترامب، قامت إيران بتحركات استباقية قد تخفف من وطأة العقوبات الجديدة. فوفقًا لبي بي سي، صرحت للنفط العراقي بالمرور الآمن عبر مضيق هرمز، وقد يكون ذلك مقابل آليات دفع مبتكرة أو مقايضة بالسلع التي تحتاجها، أو حتى التنسيق مع بغداد لخلط نفطها بالنفط العراقي المعفى من العقوبات، ومن ثم تصديره للأسواق الدولية كنفط عراقي المنشأ.

ومن المحتمل أن تتشدد طهران في تهديد السفن المارة عبر مضيق هرمز كورقة ضغط. لكن هذا الإجراء قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث يرى مراقبون، مثل محمد صالح صدقيان، بحسب سكاي نيوز عربية، أن التصعيد الإيراني سيمنح الولايات المتحدة وأوروبا الذريعة المثالية لعسكرة المضيق عبر نشر كاسحات ألغام وتسيير دوريات بحرية ذات أوامر مشددة، مما يضيق الخناق ميدانيًا على إيران.


خلاصات

-       تضع العقوبات الأميركية حلفاء طهران وشركاءها أمام خيارات سيادية ومعضلات قانونية معقدة، ومهل زمنية حاسمة، لتتحول الساحة الدولية إلى حقل تجارب لمدى فعالية سلاح الدولار في فرض الإذعان السياسي. وبينما تحاول إيران امتصاص الصدمة والمناورة بورقة أمن مضيق هرمز، فإن اتساع رقعة العقوبات هذه المرة يضيق الخناق على اقتصادها، ويجعل من استمرارية شبكات الالتفاف تحديًا غير مسبوق في مواجهة العزلة المالية الأقسى تاريخيًا.

-       يجب على واشنطن لإنجاح حزمة العقوبات أن تنسق بشكل جاد قبل البدء بتنفيذها مع كل الدول المستهدفة، والاتفاق معها وتحفيزها وتعويضها، للخوض معها بشكل جماعي في عملية ترويض إيران، فلا توجد أي قاعدة في القانون الدولي تلزم دولة ما باتباع العقوبات الأحادية لدولة أخرى. لذا، ترى طهران وبكين وموسكو أن هذه العقوبات غير قانونية وتفتقر للشرعية الدولية.

-       تعد العقوبات ضد إيران أداة قوة مادية وسياسية، وليست أداة عدالة قانونية دولية. وبالرغم من أنها تمثل خرقًا روحًا ونصًا للأعراف الدولية، لكن هيمنة واشنطن على النظام المالي العالمي تجعل أغلب الدول مجبرة على الانصياع تجنبًا للخسائر، مفضلة المصلحة الاقتصادية على المبادئ القانونية..