تشير المحادثات الجارية بين إيران وسلطنة عُمان بشأن مضيق هرمز إلى محاولة لإعادة تنظيم الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. ورغم أن الخطاب العُماني يميل إلى تقديم المفاوضات باعتبارها ترتيبات فنية وأمنية تستهدف ضمان سلامة الملاحة، فإن المطالب الإيرانية المتداولة تكشف عن طموح يتجاوز المسائل الفنية إلى تكريس دور دائم لطهران في إدارة المضيق. ومن ثم، فإن جوهر المفاوضات لا يتعلق فقط بتحديد مسار آمن للسفن، بل بالسؤال الأوسع حول حدود الدور الإيراني في هرمز، ومدى إمكانية تحويل ترتيبات فرضتها ظروف التصعيد إلى قواعد مستقرة تحظى بقبول إقليمي ودولي.

أولاً: تباين واضح في أهداف الطرفين

تبدو المقاربة الإيرانية للمحادثات أكثر طموحاً من المقاربة العُمانية، فوفق المعلومات المتاحة، تسعى طهران إلى الحصول على اعتراف رسمي بدورها الدائم في إدارة الممر البحري، بما يشمل الإشراف على تصاريح عبور السفن واعتماد المسار الشمالي الخاضع لسيطرتها وتحويل الإجراءات التي فرضتها خلال التصعيد إلى إطار قانوني دائم، مع استبعاد الإشراف الأمريكي أو الدولي المباشر.

وإذا تحققت هذه المطالب، فإنها ستمنح إيران نفوذاً يتجاوز مفهوم تأمين الملاحة إلى التأثير المباشر في شروط استخدامها. كما أن مطالبة طهران، وفق مصادر قطاع الشحن، برسوم تعادل 5 إلى 7 في المئة من سعر الشحنة تطرح إشكالية اقتصادية وقانونية إضافية، خصوصاً في ظل العقوبات الأمريكية والمخاطر المرتبطة بالتأمين والامتثال بالنسبة لشركات الشحن.

في المقابل، تبدو سلطنة عُمان أكثر حرصاً على حصر الاتفاق في نطاق فني وتنظيمي. فالمصادر العُمانية الواردة في المعلومات المرفقة تؤكد أن الترتيبات المقترحة لا تستهدف فرض تغييرات جوهرية على المرور الآمن للسفن، وإنما تركز على إدارة الملاحة والسلامة البحرية وتطوير التنسيق الأمني بين مسقط وطهران، من دون المساس بمبدأ حرية المرور العابر وفق القانون الدولي.

هذا الاختلاف في السقف التفاوضي يمثل نقطة مركزية في تقدير مستقبل المحادثات: إيران تريد تثبيت نفوذ استراتيجي، بينما تسعى عُمان على الأرجح إلى إنتاج تسوية عملية تمنع الاحتكاك وتحافظ في الوقت نفسه على الإطار القانوني القائم.

ثانياً: عُمان وسيطاً وشريكاً جغرافياً

تكتسب عُمان موقعاً استثنائياً في هذه المفاوضات. فهي ليست مجرد وسيط بين إيران والأطراف الأخرى، بل دولة ساحلية في المضيق وشريك مباشر في أي ترتيبات تتعلق بمسارات الملاحة. وفي الوقت ذاته، تمتلك مسقط خبرة طويلة في إدارة قنوات التواصل بين طهران والولايات المتحدة والقوى الإقليمية. لذلك، تستطيع عُمان تقديم الاتفاق إلى إيران باعتباره اعترافاً بدورها الطبيعي كدولة ساحلية، وفي المقابل تقديمه إلى المجتمع الدولي باعتباره آلية فنية لتقليل مخاطر الحوادث وضمان استمرارية التجارة، وليس قبولاً بسيطرة إيرانية منفردة على المضيق.

ويبدو أن هذا المنطق حاضر في المفاوضات بالفعل، إذ تشمل الترتيبات المطروحة التنسيق في حالات الطوارئ والإنقاذ البحري ومكافحة التلوث وتنظيم حركة السفن، وهي مجالات يمكن بناء توافق بشأنها دون الدخول مباشرة في مسألة السيادة أو إعادة تعريف النظام القانوني للمضيق.

ثالثاً: العقبة الأساسية ليست سياسية فقط

حتى إذا توصلت طهران ومسقط إلى صيغة سياسية، فإن قابلية تنفيذها تظل مرتبطة بعوامل خارج سيطرتهما المباشرة. فالمضيق كان، وفق المعلومات المرفقة، ممراً لنحو خمس إمدادات النفط العالمية إلى جانب سلع حيوية أخرى، الأمر الذي يجعل أي تغيير في قواعد العبور قضية دولية وليس شأناً ثنائياً حصراً.

وتبرز هنا ثلاثة قيود رئيسية. الأول قانوني، ويتمثل في أن حق المرور العابر تحكمه قواعد القانون الدولي للبحار، ما يحد من إمكانية تحويل اتفاق ثنائي إلى أداة لفرض قيود جوهرية على السفن التجارية. وتشير المصادر العُمانية نفسها إلى أن أي تعديلات مرجحة ستكون إجرائية وتنظيمية وليست تغييراً في الطبيعة القانونية للمرور.

أما القيد الثاني فهو اقتصادي ومالي. فوجود عقوبات أمريكية على جهات إيرانية مرتبطة بإدارة المضيق قد يجعل شركات الشحن غير قادرة عملياً على دفع الرسوم أو التعامل مع الآليات الإيرانية المقترحة من دون التعرض لمخاطر الامتثال. ويضاف إلى ذلك القيد التأميني، حيث تشير المعلومات إلى أن الشروط المرتبطة بمخاطر الحرب قد تؤدي إلى إلغاء التغطية بالنسبة للسفن التي تدفع رسوم العبور الإيرانية.

والقيد الثالث سياسي، ويتمثل في صعوبة إقرار ترتيبات استراتيجية في مضيق بهذه الأهمية دون أخذ مواقف الدول المجاورة والقوى الدولية وشركات الشحن في الاعتبار. وهو ما تدركه مسقط على ما يبدو، إذ تشير المصادر إلى احتمال وجود قنوات اطلاع أو تواصل غير مباشرة لتجنب ترتيبات تؤثر في حرية الملاحة والتجارة الدولية.

رابعاً: السيناريو الأكثر ترجيحاً

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن التوصل إلى اتفاق شامل يحقق كامل المطالب الإيرانية احتمال ضعيف، بينما ترتفع فرص التوصل إلى اتفاق مرحلي أو مؤقت ذي طبيعة فنية وأمنية. وقد بدأت ملامح هذا السيناريو في الظهور؛ إذ أعلنت إيران الاتفاق مع عُمان على الإحداثيات الجغرافية لمسار الملاحة المقترح، وأشارت إلى أن البيان المشترك بات في مرحلة المراجعة النهائية والصياغة، بعد محادثات استمرت شهرين وشملت دراسة الجوانب الفنية والقانونية والأمنية والبيئية.

ومن المرجح أن يقوم الاتفاق الممكن على ثلاثة عناصر: تحديد مسار ملاحي متفق عليه، وإنشاء آليات تنسيق عمانية-إيرانية للسلامة والطوارئ، وتأجيل القضايا الأكثر خلافية، وفي مقدمتها الرسوم والسيطرة الإيرانية على تصاريح المرور والوضع القانوني الدائم للترتيبات.

وتدعم هذا السيناريو الإشارات إلى جهود إقليمية أوسع، تشمل قطر وباكستان، بالتوازي مع الوساطة العُمانية، بما يوحي بأن الهدف المباشر قد يكون الوصول إلى ترتيب مؤقت يعيد الاستقرار إلى حركة الملاحة ويمنع تحول المضيق إلى بؤرة مواجهة جديدة.

تقديرات

المحادثات حول مضيق هرمز ليست مفاوضات فنية بحتة، لكنها أيضاً لا تبدو مهيأة لإنتاج تحول استراتيجي يمنح إيران السيطرة القانونية الكاملة التي تطمح إليها. والأرجح أن النتيجة ستكون حلّاً وسطاً يمنح طهران دوراً عملياً أكبر في إدارة أمن الملاحة، من دون منحها حق التحكم المنفرد في المرور الدولي.

بالنسبة لإيران، يمكن لمثل هذه التسوية أن تمثل مكسباً سياسياً، لأنها تكرس التعامل معها باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوز دوره في أمن المضيق. وبالنسبة لعُمان، يحقق الاتفاق هدفاً أساسياً يتمثل في خفض احتمالات التصعيد وحماية الملاحة، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو النظام القانوني الدولي.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون توقيع الاتفاق، بل قابليته للتنفيذ. فإذا أصرت طهران على الرسوم وتصاريح العبور أو حاولت تحويل المسار الملاحي إلى أداة سيطرة سياسية واقتصادية، فمن المرجح أن تواجه الترتيبات اعتراضات دولية ومشكلات تأمينية وعقوبات تعطلها عملياً. أما إذا قبلت بفصل مسألة أمن الملاحة عن مطالبها الأوسع، فإن فرص استمرار الترتيبات ستكون أعلى.

وعليه، فإن السيناريو الأرجح هو اتفاق محدود ومرحلي، تُسوَّق بنوده باعتبارها ترتيبات للسلامة والتنظيم، بينما يؤجل الخلاف حول السيطرة والرسوم والوضع القانوني للمضيق إلى مرحلة لاحقة. وبذلك تنجح الوساطة العُمانية في احتواء الأزمة أكثر مما تنجح في حلها نهائياً، فيما تحصل إيران على اعتراف عملي بدورها من دون تحقيق كامل هدفها في تحويل نفوذها الجغرافي والعسكري إلى سلطة قانونية دائمة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.