تشهد الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران تحولاً مهماً في طبيعة أهدافها وأولوياتها العسكرية، بعد أشهر من المواجهة التي بدأت بأهداف واسعة تمحورت حول تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية وإضعاف البنية العسكرية للدولة، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى أهداف أكثر ارتباطاً بإدارة الحرب واحتواء تداعياتها الاقتصادية والأمنية. وفي مقدمة هذه الأهداف برزت السيطرة على الوضع في مضيق هرمز، وتأمين حركة ناقلات النفط والسفن التجارية، ومنع إيران من استخدام المضيق ورقة ضغط على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.

وعندما بدأت المواجهة العسكرية الأمريكية مع إيران في فبراير 2026، كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب تتحدث عن عملية عسكرية يفترض أن تحقق أهدافاً كبيرة خلال فترة قصيرة. وكان التركيز منصباً على البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والقواعد والمنشآت العسكرية، وشبكات الدفاع الجوي، إلى جانب إضعاف قدرة طهران على دعم الجماعات الحليفة لها في المنطقة.

لكن امتداد الحرب لنحو ستة أشهر أدى إلى إعادة تعريف الأولويات. فالعملية التي توقع ترامب في بدايتها أن تستغرق ما بين أربعة وخمسة أسابيع تحولت إلى مواجهة طويلة ومفتوحة نسبياً، فيما بقي عدد من الأهداف الأصلية غير محسوم بصورة كاملة. وفي الوقت نفسه، فرض إغلاق أو تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز مشكلة استراتيجية جديدة لم تكن في مقدمة الحسابات الأمريكية عند اندلاع الحرب.

 

هرمز يتقدم إلى صدارة الأولويات

يتمثل التغيير الأكثر وضوحاً في انتقال مضيق هرمز إلى قلب الاستراتيجية العسكرية الأمريكية. فالممر الذي لم يكن يمثل مشكلة عملياتية عندما بدأت الحرب، تحول تدريجياً إلى أهم ساحات المواجهة، بعدما استخدمت إيران موقعها الجغرافي وقدراتها البحرية والصاروخية والمسيّرة لتهديد حركة التجارة والطاقة.

وتنبع أهمية المضيق من حقيقة أن نحو 20% من تجارة النفط العالمية كانت تمر عبره في الظروف الطبيعية، ولذلك فإن اضطراب الملاحة لا يبقى قضية عسكرية أمريكية–إيرانية، وإنما يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية عالمية تنعكس على أسعار الطاقة والنقل والتأمين والتضخم.

وهنا حققت طهران، رغم التفوق العسكري الأمريكي الواضح، شكلاً من أشكال نقل مركز ثقل الحرب. فبدلاً من اقتصار المواجهة على المنشآت النووية والقواعد والصواريخ الإيرانية، أصبحت الولايات المتحدة مطالبة بتخصيص قدر متزايد من قواتها لحماية السفن التجارية، ومواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ الساحلية، ومراقبة عمليات زرع الألغام، وتأمين الممرات البحرية.

ولهذا بدأت واشنطن تنفيذ عمليات أكثر ارتباطاً بالسيطرة العملياتية على المضيق، بما يشمل ضرب مواقع الرادارات والمراقبة الساحلية ومنصات الصواريخ والقوارب الإيرانية التي يمكن استخدامها في زرع الألغام أو مهاجمة السفن. كما درست القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات محدودة لمنع إيران من إعادة بناء شبكات الرادار والصواريخ التي تسمح لها بتهديد الملاحة.

 

تراجع أولوية الحسم النووي الفوري

التحول الثاني يتعلق بالبرنامج النووي، وبصورة خاصة مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. فقد كان مصير هذا المخزون في مرحلة سابقة من أهم القضايا التي تطرحها إدارة ترامب، إلى درجة أن الرئيس تحدث في مايو عن استعادته بالتنسيق مع إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية وتدميره.

وتشير التقديرات المنشورة إلى وجود نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب مدفونة تحت ثلاثة مواقع تعرضت للقصف الأمريكي والإسرائيلي. غير أن استعادتها بالقوة ليست عملية بسيطة؛ إذ حذر خبراء من أن محاولة السيطرة عليها من دون موافقة إيران قد تتطلب عملية برية كبيرة ومحفوفة بالمخاطر. وهذا العامل يساعد في تفسير انتقال الإدارة الأمريكية من هدف «انتزاع المخزون» إلى التعامل معه باعتباره خطراً يمكن احتواؤه ومراقبته مؤقتاً.

ولا يعني ذلك قبول واشنطن ببقاء إيران دولة على العتبة النووية. فالإدارة ما زالت تعتبر منع إيران من تطوير أو امتلاك السلاح النووي خطاً أحمر. لكن الفارق يكمن في التوقيت والأداة: لم يعد القضاء المادي الفوري على كل مكونات البرنامج النووي يتقدم بالضرورة على أمن الملاحة والضغط الاقتصادي.

 

منع إيران من إعادة بناء قوتها

هناك تغير ثالث أقل وضوحاً لكنه ربما أكثر أهمية على المدى الطويل، ويتمثل في الانتقال من «تدمير القدرات» إلى «منع إعادة بنائها». فالضربات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت أضراراً واسعة بالقدرات العسكرية الإيرانية، وأكد مسؤولون أمريكيون تحقيق مستويات مرتفعة من الاستنزاف في الصناعات الدفاعية الإيرانية. لكن استمرار إيران في إطلاق الصواريخ والمسيّرات وتهديد السفن كشف أن تدمير جزء كبير من القدرات لا يعني القضاء على القدرة على إحداث الضرر.

بل إن صور الأقمار الاصطناعية التي حللتها CNN أظهرت في مراحل سابقة نشاطاً إيرانياً في مواقع عسكرية ونووية متضررة، إلى جانب عمليات للوصول مجدداً إلى مخزونات صاروخية كانت مدفونة تحت الأنقاض.

وهكذا تحولت المهمة الأمريكية تدريجياً إلى عملية مستمرة هدفها إبقاء إيران دون مستوى معين من القدرة العسكرية: كلما حاولت إعادة بناء منظومات الرادار أو الصواريخ الساحلية أو الدفاع الجوي أو منشآت الإنتاج، تصبح هذه القدرات أهدافاً محتملة لضربات جديدة.

وهذا النموذج يختلف جذرياً عن الحرب القصيرة. فهو يفترض وجوداً عسكرياً أمريكياً ممتداً وقدرة استخباراتية مستمرة واستعداداً لتنفيذ ضربات دورية، أي أن الولايات المتحدة تنتقل عملياً من محاولة «إنهاء التهديد» إلى سياسة «إدارة التهديد».

 

الحصار البحري.. سلاح استراتيجي

بالتوازي مع ذلك، اكتسب الحصار البحري للموانئ الإيرانية أهمية متزايدة. فالهدف لم يعد عسكرياً صرفاً، وإنما أصبح الجمع بين القوة البحرية والعقوبات المالية والتجارية بهدف خفض قدرة إيران على تمويل الحرب.

ويشير هذا المسار إلى دمج الأدوات العسكرية والاقتصادية في استراتيجية واحدة: الأسطول يمنع أو يعطل الحركة البحرية، فيما تعمل وزارة الخزانة والأجهزة المالية الأمريكية على تضييق شبكات التجارة والتحويلات والعلاقات التي تسمح لطهران بالحصول على العملات الأجنبية.

وقد وصفت تقارير أمريكية التحول الأخير بأنه انتقال متزايد من الضربات العسكرية واسعة النطاق إلى ممارسة الضغط الاقتصادي، في وقت لا تجري فيه مفاوضات مباشرة فعالة بين الطرفين.

وبهذا يصبح الهدف هو جعل استمرار المواجهة أكثر تكلفة على إيران من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، على افتراض أن تراجع الإيرادات وصعوبة تصدير النفط وتزايد تكاليف الحرب قد تدفع القيادة الإيرانية في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات أكبر.

 

ماذا يقول الخبراء والمحللون؟

يرى اتجاه أول أن واشنطن بدأت تتصرف وفق منطق أكثر واقعية، بعدما أثبتت الحرب أن القضاء الكامل على جميع عناصر القوة الإيرانية هدف مرتفع التكلفة. ومن هذا المنظور، يصبح من الأكثر فاعلية التركيز على الأهداف التي تمس المصالح الأمريكية والعالمية بصورة مباشرة: حرية الملاحة، أمن الطاقة، حماية القواعد والحلفاء، ومنع إيران من إعادة بناء القدرات التي تسمح لها بتهديد هذه المصالح.

ويشير مركز صوفان إلى أن مضيق هرمز أصبح محور المواجهة، وأن الجهود البحرية الأمريكية نجحت في تقليص قدرة إيران على فرض الإغلاق، مع بقاء خلاف حول مدى قدرة واشنطن على إلغاء ورقة الضغط الإيرانية بالكامل. كما رأى المركز أن إدارة ترامب، انطلاقاً من اعتقادها بأنها تحقق تقدماً في الضغط على النظام الإيراني، اتجهت إلى زيادة الإكراه الاقتصادي مع تجنب تصعيد عسكري أكبر في تلك المرحلة.

في المقابل، يرى اتجاه ثان أن تغير الأهداف يعكس مشكلة استراتيجية وليس مرونة فحسب. فكلما امتدت الحرب ظهرت أهداف جديدة: البرنامج النووي أولاً، ثم الصواريخ، ثم الصناعات الدفاعية، ثم حماية الحلفاء، ثم مضيق هرمز والحصار الاقتصادي. وهذا يثير السؤال التقليدي في الحروب الطويلة: هل تقوم واشنطن بتعديل وسائلها لتحقيق هدف ثابت، أم أنها تعيد صياغة الهدف لأن الأهداف السابقة لم تُحسم؟

أما إليوت كوهين، الذي شغل سابقاً منصب مستشار في وزارة الخارجية الأمريكية، فقد ركز عند مناقشة احتمالات التسوية حول هرمز على عامل شخصي وسياسي في نهج ترامب، مشيراً إلى أن الرئيس يميل إلى النظر إلى الصراعات من زاوية «الفائز والخاسر»، الأمر الذي يجعل تقديم تنازلات علنية أكثر صعوبة بالنسبة إليه.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة؛ لأن أي تسوية بشأن المضيق ستحتاج على الأرجح إلى صيغة تسمح للطرفين بإعلان تحقيق مكاسب. فواشنطن تريد حرية الملاحة دون شروط، بينما تحتاج طهران إلى تجنب ظهورها كطرف فقد بالكامل واحدة من أهم أوراقه الاستراتيجية.

 

سيناريوهات مستقبلية

السيناريو الأول: استمرار «الضغط المنضبط» وإدارة الصراع

يبدو هذا السيناريو الأكثر انسجاماً مع الاتجاه الراهن. تستمر الولايات المتحدة في حماية الملاحة وفرض الحصار الاقتصادي، مع تنفيذ ضربات محدودة كلما حاولت إيران إعادة بناء قدراتها الساحلية أو استهداف السفن. وفي المقابل، تحافظ طهران على مستوى من المضايقة والتهديد دون تجاوز الخط الذي يستدعي حرباً أمريكية واسعة. وفي هذه الحالة يتحول الصراع إلى مواجهة طويلة منخفضة ومتوسطة الحدة، بينما يبقى الملف النووي تحت المراقبة ولا يعود إلى رأس الأولويات إلا إذا ظهرت أدلة على استئناف سريع للتخصيب أو إعادة بناء المنشآت. خطورة هذا السيناريو تكمن في أن الاحتكاك المستمر يجعل أي خطأ في الحسابات قادراً على تحويل «الضغط المنضبط» إلى مواجهة شاملة.

السيناريو الثاني: عودة التصعيد العسكري والملف النووي إلى الصدارة

يمكن أن يتغير ترتيب الأولويات سريعاً إذا خلصت الاستخبارات الأمريكية أو الإسرائيلية إلى أن إيران تستعيد منشآتها النووية أو تحاول الوصول إلى المواد المدفونة ونقلها أو استئناف التخصيب بصورة تهدد بكسر العتبة النووية. عندها قد يتراجع هرمز مؤقتاً إلى المرتبة الثانية، وتعود المنشآت النووية والصاروخية إلى رأس قائمة الأهداف. وقد تشمل الحملة الجديدة ضربات أكثر عمقاً ضد منشآت تحت الأرض ومراكز القيادة والصناعات الصاروخية والدفاع الجوي. غير أن مثل هذا السيناريو يحمل خطر توسيع الحرب؛ لأن إيران قد ترد بمحاولة إغلاق هرمز بصورة كاملة وضرب القواعد الأمريكية ومصالح حلفاء واشنطن، لتجد الإدارة نفسها مضطرة إلى إدارة حربين مترابطتين في آن واحد: حرب على القدرات الإيرانية داخل البلاد وحرب لضمان الملاحة في الخليج.

السيناريو الثالث: تسوية تحت الضغط وإعادة ترتيب العلاقة

أما السيناريو الثالث فيقوم على نجاح استراتيجية الاستنزاف في دفع الطرفين إلى تسوية مرحلية. ويمكن أن تبدأ بصيغة محدودة تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز مقابل تخفيف جزئي لبعض إجراءات الحصار، ثم تنتقل إلى ملف اليورانيوم والبرنامج النووي والصواريخ والعقوبات. وستحتاج مثل هذه التسوية إلى صيغة تحفظ ماء الوجه للطرفين: يستطيع ترامب تقديمها باعتبارها نتيجة للقوة والحصار، بينما تستطيع طهران القول إنها أجبرت واشنطن على التفاوض ولم تستسلم عسكرياً. لكن نجاح هذا السيناريو سيظل مرهوناً بإيجاد آلية موثوقة للتحقق من البرنامج النووي وضمان أمن الملاحة ومنع عودة دورة الضربات والردود.