تحت وطأة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في واحد من أهم الشرايين المائية العالمية، تبرز خطة هرمز كترتيب مستقل بين سلطنة عُمان وإيران لإعادة تنظيم مسارات عبور السفن في مضيق هرمز. يأتي هذا التفاهم بعد مفاوضات ثنائية مكثفة، كمحاولة استباقية لإدارة الممر المائي الحيوي بعيدًا عن التدخلات الدولية، وسط تجاذبات معقدة تسعى فيها طهران لفرض شروط سيادتها الإقليمية ومقايضة أمن الملاحة بملفات اقتصادية وسياسية، في حين تتمسك مسقط بدروها الدبلوماسي التقليدي لتأمين سلاسل الإمداد العالمية وفق القواعد الدولية، وهو ما يضع نجاح هذه الخطة على محك التوفيق بين الحسابات الأمنية المعقدة والضغوط والمواقف الدولية والإقليمية.

أبرز بنود التفاهم

يرتكز التفاوض بين طهران ومسقط على بعض البنود المرتبطة برسم خريطة ملاحية موحدة تتجنب الاحتكاكات، وتبرز كأداة جغرافية وفنية تعيد رسم مسارات حركة السفن بشكل دقيق. وقد ذكرت وكالات مثل أكسيوس وبي بي سي معلومات عن هذه المسارات كما اقترحتها مسقط، وفيها مسار لمرور حركة الملاحة المتجهة إلى الخليج العربي عبر المياه الإيرانية، ومسار آخر لحركة الملاحة المتجهة إلى بحر العرب عبر المياه العمانية.

ووفقًا لوكالة يني شفق التركية، تقوم هذه الخطة على تفادي خطوط التماس الساخنة عبر تحديد ممرات منفصلة لدخول وخروج السفن العالمية، مع إخضاعها لرقابة رادارية منسقة بين البلدين، وهو ما يمثل محاولة عملية لفرض نظام صارم يمنع الحوادث البحرية في هرمز.

وتعتمد الخطة في جوانبها التقنية والفنية، بحسب موقع فورتشن، على منظومة رقمية متكاملة لتبادل الإحداثيات الجغرافية المحدثة لحظيًا عبر الأقمار الصناعية لضمان بقاء الناقلات في مسارات آمنة، وربط محطات المراقبة والرادارات البحرية لكل من مسقط وطهران في شبكة اتصال مشتركة. ويشمل هذا التنسيق التقني رصد البصمة الرادارية وهوية السفن المارة، وتحديد نقاط فرز مرورية دقيقة تفصل بين خطوط الذهاب والإياب.

وقد أشار "أسامة حمدي" الباحث في الشؤون الإيرانية، في مداخلة لقناة إكسترا نيوز، إلى سعي طهران للاحتفاظ بالدور الرئيسي في إدارة حركة الملاحة دون تقديم ضمانات لأمن دول الخليج العربي. وأضاف أن الاتفاق قد يكون مؤقتًا لمدة 60 يومًا، على أن يجري بعد ذلك وضع قواعد دائمة.

الأهداف والمطالب الإيرانية

يبدو أن إيران تهدف من خلال هذه الخطة إلى شرعنة سيادتها الجغرافية على المضيق، إذ تسعى إلى إرساء واقع سياسي يثبت أن الإدارة والتأمين هما مسؤولية حصرية للدول الشاطئية دون غيرها، مما يسحب الذرائع القانونية والأمنية التي تستند إليها واشنطن لتبرير وجودها العسكري في الخليج.

كما تحاول توظيف ورقة تنظيم الملاحة كأداة ضغط ومقايضة كبرى في مسار مفاوضاتها غير المباشرة مع واشنطن، حيث ترهن الفتح والتشغيل الكامل والآمن للمضيق بحدوث انفراجة حقيقية في ملفاتها العالقة، مثل رفع الحصار البحري، والسعي للإفراج عن أصولها المالية المجمدة كشرط أساسي لضمان استقرار المرور.

وبحسب صحيفة البورصة المصرية، فإنه على المستوى العملياتي واللوجستي، تهدف طهران لانتزاع صلاحيات رقابية وإجرائية واسعة تمنح بحريتها حق الإشراف المباشر على حركة السفن، إذ تطمح إلى تحويل آليات تبادل البيانات والإحداثيات إلى غطاء يمنحها سلطة التحقق من هويات السفن وتفتيش الشحنات التي تصنفها كمعادية، بجانب السعي لفرض رسوم عبور، وهو ما سيمنح الحرس الثوري نفوذًا جيوسياسيًا خانقًا يستخدمه كورقة ضغط عند أي تصعيد عسكري، فضلًا عن وضع دول الخليج في حالة تهديد دائم.

والجدير بالذكر أن مجرد انتقال النقاش من "هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟" إلى "كيف ستشارك إيران في إدارة الملاحة فيه؟" يمثل تحولًا مهمًا في موقع طهران التفاوضي بعد أن كانت تواجه مطالب بإعادة الوضع إلى ما قبل الحرب. والحقيقة أنها تحاول عدم إعادة الأوضاع إلى نظام الملاحة السابق، وتصر على أن ترتيبات ما بعد الحرب يجب أن تأخذ في الاعتبار التطورات الأمنية الجديدة. ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق الإيراني العُماني ليس مجرد اتفاق ملاحي، بل هو تفاوض على إعادة تعريف ميزان القوى في الخليج، يجب أن تتعامل معه كل القوى الإقليمية بذكاء.


المصالح العُمانية

تتعلق أهداف عُمان بحماية حركة الشحن البحري وتدفقات الطاقة العالمية التي تمر عبر المضيق، فضلًا عن رغبتها في تخفيف حدة الاستقطاب والعسكرة، وتجنيب مياهها الإقليمية التداعيات الكارثية للحرب. كما تحاول الحفاظ على دور دبلوماسي تقليدي قادر على بناء جسور تفاهم بين طهران والمجتمع الدولي لتفادي الانزلاق إلى حصار بحري دائم. وهكذا نجد أن أهم ما في المبادرة العُمانية أنها تحاول تحويل قضية المضيق من ورقة صراع ثنائية إلى قضية أمن ملاحي إقليمي.

وفقًا لموقع صحيفة ذا ناشيونال الإماراتي، لا تريد مسقط أن يكون فتح المضيق نتيجة تفاهم أميركي إيراني مؤقت، وإنما تسعى إلى إنشاء ترتيبات طويلة الأجل تشارك فيها الأطراف الإقليمية. وهذا يتسق مع موقف عُمان الرسمي الذي أكده وزير خارجيتها "بدر البوسعيدي" بأن إدارة الملاحة ينبغي أن تتم وفق القانون الدولي، مع إشراك الأطراف ذات الصلة. كما أن المبادرة العُمانية حظيت بدعم خليجي، وهو ما يمنحها بعدًا إقليميًا يتجاوز العلاقة الثنائية مع طهران.

ويتمحور أحد أبرز عناصر الرؤية العُمانية حول عدم إنكار الحقوق السيادية لإيران وعُمان في مياههما الإقليمية، مع منع تحول هذه السيادة إلى حق في تعطيل المرور الدولي. ولهذا اقترحت مسقط في إحدى صيغها تقسيم مسارات الملاحة مع وضع ترتيبات مشتركة للممر الأوسط. وهذا يكشف أن عُمان تحاول إيجاد صيغة هندسية للملاحة تقلل الاحتكاك المباشر بين السفن وطهران.

ومن أكثر الأمور اللافتة أن عُمان تستند في المفاوضات، بحسب رويترز، إلى نموذج مضيق ملقا، حيث لا تقوم الدول المشاطئة بفرض رسوم مرور، وإنما تقدم السفن المستفيدة مساهمات طوعية لتمويل خدمات الملاحة والإنقاذ والحماية البيئية. وتحاول مسقط هنا معالجة الخلاف الأساسي مع إيران التي تريد الاعتراف بحقها في فرض رسوم مرور، بينما ترفض دول الخليج وواشنطن تحويل المضيق إلى ممر تفرض فيه رسومًا إلزامية.

يرى "بول موسغريف" أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون في قطر، أن هناك مشكلة جوهرية في المقارنة، فالمساهمات الطوعية في نموذج ملقا تبلغ نحو 70 مليون دولار سنويًا، في حين أن إيران تطالب بمليون دولار عن السفينة الواحدة ما يجعل الفارق ضخمًا، ويكشف أن المسألة بالنسبة لها ليست مجرد تمويل خدمات الملاحة.


خلافات حول التنظيم

إن الخلاف حول الخطة لا يتعلق فقط بالمسارات، وإنما بالسؤال الأهم حول من يمتلك سلطة إصدار الإذن بالمرور وتنظيم حركة السفن وفرض أو تحصيل رسوم الخدمات. فالمقترح العُماني، بحسب ما نشره موقعي ذا ناشيونال الإماراتي وأكسيوس، يقوم على إدارة مشتركة أو إقليمية، بينما طرحت إيران صيغة تمنحها قدرة أكبر على الإشراف على حركة السفن، بحيث تقع أجزاء من مسارات الدخول والخروج داخل المياه الإيرانية. فهناك احتمال أن ترفض طهران صيغة التقاسم المتساوي التي اقترحتها مسقط. وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية الحقيقية، فهل تصبح إيران دولة مشاطئة لها حقوق سيادية، أم تصبح عمليًا حارس بوابة المضيق ذهابًا وإيابًا؟

كما أن أكثر النقاط إثارة للجدل تلك التي تتعلق بمسألة الرسوم، حيث أكد وزير الخارجية العُماني "بدر البوسعيدي"، أن مسقط لا تؤيد فرض رسوم عبور. وبناء على رأي الخبير القانوني الأميركي "آلان كان" في تصريحه لفاينانشيال تايمز، يتعارض فرض الرسوم مع القواعد الحاكمة للمضائق الدولية، مستندًا إلى أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وبحسب هذا الرأي، فإن الدولة المشاطئة تستطيع تحصيل مقابل لخدمات فعلية، لكنها لا تستطيع تحويل حق المرور نفسه إلى خدمة مدفوعة. كذلك يرى أستاذ العلاقات الدولية "رامي عاشور" في تصريحه لجريدة الوطن المصرية، أن فرض رسوم على الملاحة في المضيق سيثير إشكالًا قانونيًا دوليًا.

ويمكننا التأكيد على أن إيران ستستخدم الرسوم كأداة لتأكيد نفوذها. والقضية هنا ليست قيمة الرسوم في حد ذاتها، وإنما اعتراف العالم بأن المرور سيخضع لترتيبات إيرانية. وهو ما يجعل الفكرة حساسة للغاية، فإذا دفعت السفينة مقابل المرور، فإنها تعترف ضمنيًا بدور إيراني سيادي. ويعزز ذلك ما ذهب إليه "فالي نصر" أستاذ شؤون الشرق الأوسط في تصريحه لفاينانشيال تايمز، من أن طهران تنظر إلى سيطرتها على هرمز بوصفها فرصة استراتيجية لإعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي.



الموقف الدولي من الخطة المقترحة

تثير الخطة المقترحة نقاشًا واسعًا حول مدى توافقها مع القوانين الدولية، لاسيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. فبينما تسعى السلطنة إلى ضمان أمن وسلامة السفن دون المساس بحرية العبور التاريخية، تحاول طهران استغلال هذه الترسيمات الجديدة لفرض واقع سيادي يمنحها حق الإشراف الأوحد.

إن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ينظرون بعين الريبة والمعارضة للخطة. وبحسب صحيفة البورصة المصرية، فإنهم يرون فيها محاولة إيرانية لتقويض مبدأ حرية الملاحة، وتحويل المضيق إلى منطقة نفوذ إيرانية. وتخشى العواصم الغربية أن تستغل هذه الترتيبات والإحداثيات الجديدة كغطاء قانوني يمنح الحرس الثوري صلاحيات تفتيش السفن واعتراضها عسكريًا. وبناء على ذلك، يجب أن تخضع أي ترتيبات لإشراف المنظمة البحرية الدولية.



خلاصات 

1.     إن نجاح التفاهم الإيراني العُماني محاط بعقبات هيكلية معقدة، فالخطة قد تنجح جغرافيًا في تأمين السيادة البحرية لكلتا الدولتين فوق مياههما الإقليمية، خاصة وأن مسقط يمكنها ضبط إيقاع المراقبة البحرية بمرونة تضمن عدم انتهاك القوانين الدولية. ولكن ذلك وحده لا يضمن إعادة تشغيل المضيق عالميًا، لأن واشنطن لن توافق على شروط أو قيود إيرانية لا تضمن حرية المرور المطلقة.

2.     وقد يستمر خطر تعرض الناقلات البحرية للاستهداف، ما يعني أن المضيق سيظل رهينة لحسابات أوسع من مجرد خريطة ملاحية، خاصة بعد تصريح وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" بأن التفاوض مع عُمان شيء، وإعادة فتح المضيق شيء آخر يرتبط بالظروف الأوسع للصراع الإيراني الأميركي.

3.     ومن ثم، فإن جوهر الاتفاق ليس تقنيًا بقدر ما هو منافسة على تعريف السيادة والنفوذ. فإذا نجحت مسقط في تثبيت صيغة مشتركة تقوم على مسارات واضحة تضمن حرية الملاحة، وعدم فرض رسوم، فقد يتحول الاتفاق إلى نموذج جديد للأمن البحري الخليجي. أما إذا تمكنت طهران من عسكرة المسارات، فإن النتيجة ستكون مختلفة تمامًا..