تعود حركة حماس إلى المشهد السياسي عبر بوابة الانتخابات الفلسطينية المقبلة، ما يفتح الجدل بشأن أسباب اللجوء لهذه الطريقة، وهل هي بوابة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة تموضع الحركة في الساحة، وجعل الانتخابات ليس مجرد استحقاق ديمقراطي بل مظلة لتأهيلها سياسياً بعد سنوات من الحرب والحصار والصراع الداخلي، أم هو تحول أيديولوجي حقيقي يسعى لردم الفجوة المتسعة بين خطابها المقاوم وبين الواقع الشعبي المنهك الذي يرى في استراتيجيتها العسكرية سببا مباشرا للدمار.

بداية العودة

نقلت وكالة "شهاب" للأنباء الفلسطينية عن الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم، قوله، إن "توجه الحركة يعكس رؤيتها لتحويل الاستحقاق الانتخابي إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة التوافق والشراكة الوطنية، وبما يجمع مختلف القوى والفصائل الفلسطينية". موضحاً أن الهدف من هذا التوجه يتمثل في "فتح الطريق أمام تشكيل قيادة وطنية موحدة تتولى إدارة القضايا الوطنية بصورة جماعية وتوافقية، بعيدا عن التفرد والانقسام".

وأفادت صحيفة الشرق الأوسط أن الحركة تنوي ليس فقط المشاركة في الانتخابات التشريعية بل الرئاسية، حيث التقت فدوى البرغوثي، زوجة الأسير مروان البرغوثي، ثم ناصر القدوة، في لقاءات استكشافية تناولت موقفها من الانتخابات واتجاهاتها المحتملة، وشكل التحالفات المقبلة، وهل تقوم على أساس فصائلي، أم جغرافي، أم تتشكل حول شخصيات وقوائم عابرة للتنظيمات؟

وسبق توجه الحركة تصريحات لقادتها حول إمكانية تحول حماس إلى حزب سياسي، وهو ما صرح به عضو المكتب السياسي باسم نعيم، ورئيس المكتب السياسي خليل الحية، بأن الانخراط في مسار سياسي جاد سيكون ضمن ائتلاف وطني. وجاء ذلك خلال لقاءات رسمية مع وسطاء وممثلين دوليين وأمريكيين (مثل جاريد كوشنر) وفي مقابلات إعلامية عبر شبكة CNN.

في هذا السياق انطلقت جولة جديدة من المباحثات بين الحركة وبعض الشخصيات والفصائل برعاية مصرية، إلا أنها في جولتها الأخيرة قوبلت بالرفض من قبل حركة فتح بسبب التباين في الرؤى حول شروط المشاركة، وتفاهمات سابقة مرتبطة باتفاقات وقف إطلاق النار.

براغماتية العودة

بالنظر إلى حماس باعتبارها أحد فروع الإخوان، فإنها أول من هاجم مص ثم أثنوا عليها، وأول من هاجم اوسلو، ثم خاضوا انتخابات عام 2006 تحت مظلته، بل وتولوا مناصب وحصلوا على رواتب من أموال هذا الاتفاق. وأول من رفض الهدنة ووقف الحرب منذ بدايتها مقابل تسليمهم الأسرى الاسرائيليين ثم سلموهم بلا ثمن، كما رفضت بقاء الاحتلال في منطقة عازلة مساحتها 20% من قطاع غزة والآن تطالبه بالانسحاب لـ 50%، ورفضت كل ما عرض عليها والان وافقت حتى على تسليم السلاح مقابل بقاء سياسي ضمن قائمة موحدة وليست قائمة مستقلة.

وهكذا تمارس حماس البراغماتية، وتتخذ من العملية الانتخابية وسيلة للعودة للمشهد، ووفق ما قاله... فإن الانفتاح المتبادل بين حماس وكوشنر سيفاجئ الجميع، وقد يعيد إحياء صفقة القرن، فهي ترى أنها قدمت كل ما يمكن تقديمه في ٧ أكتوبر، وتعتقد أن ذلك سيعطيها صك غفران شعبي لما هو قادم من تنازلات.

وفي قراءة لتلك العودة الانتخابية ثم الانفتاح الذي تبديه حماس على قوى فلسطينية متعددة فإنه ليس مجرد محاولة لتجميع الأصوات أو تحسين فرصها الانتخابية، بل وفق قول عز الدين أبو عيشة في تقرير صحافي، هو تحويل الانتخابات من ساحة تنافس فصائلي إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وعلى قاعدة المصلحة التي تفرض قواسم مشتركة على أطراف لم تكن تتصور سابقًا أنها ستجلس إلى الطاولة نفسها.

ويمكن أن تكون هناك عدة أسباب لهذه العودة البراغماتية، أولا/ إن المشهد الانتخابي هو محاولة للبقاء، حيث في الواقع لا تريد الحركة الاختفاء من المشهد الفلسطيني، ولا تستوعب فكرة أنها تركت القطاع لجهة ثانية غيرها، وقد حاولت على مدى أشهر المراوغة في شأن البقاء في الحكم، أو في الأقل البقاء كحزب مسلح داخل القطاع، ولكن جميع محاولاتها باءت بالفشل، حتى اقتنعت بالتحول لحزب سياسي.

ثانيا/ أنهكت الحرب الحركة، كما أنهكت الفصائل الفلسطينية الأخرى، ما دفعهم جميعا لتسليم القطاع إلى لجنة تكنوقراط، وهذا ما أحرج "حماس" كثيراً، ومن أجل الحفاظ على وجودها بدأت تناقش فكرة التحول إلى حزب سياسي يحافظ في الأقل على وجودها في غزة.

ثالثا/ إن الظروف السياسية المحيطة بالحركة، خاصة الحرب الإيرانية الأمريكية، دفع الحركة لمجاراة الواقع، والتموضع من جديد داخل القطاع، حيث إن طهران هي الممول الأول لها. وهذا ما جعلها تطرح نقاشاً حول مستقبلها، في ظل الواقع الجديد، حيث إن تحولها لحزب، واجتماعها مع فصائل أخرى في قائمة واحدة سيتيح لها فرصة البقاء، إذ تقدم نفسها بوجه جديد قادر على المشاركة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحياتي بشكل عام.

رابعا/ يتيح عودة حماس للمشهد الفلسطيني عبر بوابة الانتخابات فرصة للانفتاح أكثر في التعامل مع المجتمع الدولي، وفتح قنوات اتصال سياسية، والتحول إلى فاعل مهم يخدم بقاءها بعيداً من سلاحها، وهذا وفق ما قاله الباحث السياسي عزات دغمش في تصريح إعلامي، بأن "حماس" مجبرة على التحول إلى حزب سياسي، إذ ما فرضته عليها وقائع اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار يوجب عليها التنحي أو تغيير أفكارها، وبهذا تسعى الحركة إلى مجاراة التحول السياسي في الإقليم، بما يخدم منع القضاء عليها، حيث ستستطيع مجاراة تحولات المنطقة، التي باتت تربط فرض معادلة السلام بالتنمية والإعمار، وهو ما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، وبهذا تكتسب الحركة شرعيتها من قدرتها على العمل داخل النظام الوطني ومن برنامجها السياسي بدلاً من القوة العسكرية، وتصبح حزباً وطرفاً سياسياً أمام الجمهور بدلاً من كونها تنظيماً خارج البنية الرسمية، ويتيح لها ذلك الانخراط في منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة تشكيل المؤسسات الفلسطينية، وتوحيد المرجعية السياسية، ولكن هذه الخطوة قد تعرض الحركة لضغوط أكبر من أجل تحديد خطابها وموقعها".

خامسا/ إن السبب الأهم هو تأثير اتفاق شرم الشيخ ووقف إطلاق النار على بنية الحركة وتوازنات قوتها. ما جعل حركتها التنظيمية غير مترابطة مثل أي وقت مضى، وهذا ما دفعها لمراجعة داخلية شاملة تضمنت خيارات سياسية جديدة، من أهمها تحولها لحزب، والدخول للمشهد الانتخابي عبر تحالفات جديدة.

سادسا/ إن السبب المهم هو تآكل الحاضنة الشعبية للحركة خاصة في غزة، وهو ما دفعها للمراجعة الذاتية بشأن كيفية الحصول على قبول شعبي واسع، يتم عبر وسيلة أخرى، غير الجناح العسكري، والمقاومة المسلحة. ويهدف هذا إلى تخفيف التوتر وسد الفجوة بين خطاب المقاومة والاحتياجات المعيشية الملحّة للمواطنين.

تحديات في الطريق

ورغم أن خطوات عودة حماس البراغماتية عبر المشهد الانتخابي تسير بخطى وئيدة نحو هدفها، إلا أنه في الطريق تبرز العديد من التحديات أولها الجدول الزمني، حيث ترفض الحكومة الإسرائيلية الحالية تقديم أي تسهيلات لإجراء الاقتراع. بل وتذهب التقديرات إلى أنها قد تعمد إلى تصعيد ميداني لعرقلة وصول الفلسطينيين إلى الصناديق، ضمن خطة أوسع لتصفية القضية. وأما الموقف الأمريكي وفق صحيفة العرب اللندنية، فلا يزال يتسم بالغموض، حيث تطالب واشنطن بضرورة نزع سلاح فصائل المقاومة كشرط مسبق للاعتراف بنتائج الانتخابات، وهو ما أعلن عنه كوشنر، الذي أكد أن حماس ستبدأ تسليم 30% من سلاحها بالفعل، وأنها ستتحول ناحية العمل السياسي.

ومن بين الهواجس المطروحة، تبرز مسألة 'مجلس السلام' الذي أقرته قرارات دولية ليكون مسؤولاً عن قطاع غزة في المرحلة الانتقالية. ويخشى الفلسطينيون من حدوث تضارب في الصلاحيات بين هذا المجلس وبين المجلس التشريعي الذي سيتم انتخابه، مما قد يخلق حالة من ازدواجية الولاية القانونية والإدارية، خاصة إذا فازت عناصر حماس بعدد كبير من المقاعد.

وتواجه حماس اتجاهات رافضة للمسار الجديد، خاصة من عناصر كتائب عزالدين القسام، وهو ما يتطلب إعادة تطوير خطابها الفكري والأيديولوجي، وفق المعطيات الجديدة. فإذا كانت الحركة بالفعل قد حدثت لها تحولات فارقة فعليها إثبات ذلك فكريا، وأيضا دوليا، ويكون ذلك بتقديم ذاتها كفاعل سياسي مسؤول قادر على إدارة الملفات المختلفة، الإنسانية منها والسياسية، وبناء مصداقية دولية، وفق الكاتب والمحلل السياسي سمير غطاس، وأن تصيغ خطاباً يوازن بين المقاومة والدبلوماسية والسياسة.

كما على الحركة وفق غطاس أيضا التموضع الطبيعي بالانخراط بمنظمة التحرير الفلسطينية والانضمام لمؤسساتها وقبول قواعد اللعبة السياسية الفلسطينية، حيث أنّ ذلك يمنحها شرعية وطنية، وقد يخفّف من عزلتها في حال التزمت بتلك القواعد. وأن تحدد استراتيجيتها الجديدة بوضوح في المرحلة المقبلة، وهو ما يجب على كل حركة أو حزب سياسي فعله للحفاظ على شرعيته داخلياً وخارجياً، وأن تقرّر كيفية إعادة تعريف هويتها، عندما تتحول إلى العمل بالأدوات القانونية والدبلوماسية. هذا بالإضافة إلى إعادة تقييم شكل تحالفاتها الإقليمية لخدمة التحول المنشود، وهنا لا أقصد إنهاء علاقاتها مع حلفائها من الدول الإقليمية، بل القيام بإعادة تشكيل شكل العلاقة لتتناسب مع وضعها الجديد، وبما يخدم المرحلة. ناهيك عن الانفتاح على قوى دولية أخرى بالوسائل الممكنة.

في الختام/ رغم سعي الحركة الحثيث لتحقيق كل أهدافها السابقة عبر بوابة الانتخابات، فإن هذا لا يدلل على أي تحول أيديولوجي جذري يمس منطلقاتها الفكرية الأساسية، ويدلل فقط على البراغماتية وسعيها لاستغلال الانتخابات كأداة لإعادة إنتاج شرعيتها السياسية والمؤسساتية داخل النظام الفلسطيني، وسعيها لفك عزلتها الدولية، عبر التحالف مع تيارات محسوبة على خطوط سياسية وإقليمية مغايرة مما يمنحها واجهة جديدة، ويقلل من قدرة الأطراف الدولية على فرض أي عقاب وحصار عليها. كما يدلل على أنها تستهدف حجز مقعد في "اليوم التالي" ما بعد الحرب، عبر الاندماج في صيغة سياسية جديدة، والانتخابات هي البوابة الأقوى لتحقيق ذلك. والأهم هو سد الفجوة الشعبية وامتصاص الاحتقان الداخلي، وعدم تحمل عبء الحكم وإعادة الإعمار بمفردها، وتحويله إلى مسؤولية جماعية تشارك فيها أطراف مقبولة عربياً ودولياً.