مقالات تحليلية
حركة الشباب الصومالية الإرهابية.. العُنف العابر إلى كينيا
10-Aug-2026
أصبحت كينيا في مرمى حركة شباب الإسلام الصومالية، التي
استهدفت الثلاثاء الماضي خمسة من عناصر الشرطة، وفق ما صرح به مسؤولون محليون
لوكالة «فرانس برس»، وذلك على بُعد نحو عشرة كيلومترات من الحدود مع الصومال،
وتحديدا في منطقة لافي (مقاطعة مانديرا) فيستوس تشيبكووني.
وقد شهدت المناطق الشمالية الشرقية في كينيا خلال
الأسابيع الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في هجمات حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة،
في تطور يعكس استمرار قدرة الحركة على تنفيذ عمليات نوعية داخل الأراضي الكينية،
رغم الجهود الأمنية المكثفة لملاحقتها. وتتركز موجة الهجمات الأخيرة في مقاطعتي
مانديرا وغاريسا المحاذيتين للحدود الصومالية، وهما من أبرز معاقل نشاط الحركة
داخل كينيا. ويستند هذا التقرير إلى دراسة صادرة عن MENA Intel Brief بتاريخ 29 يوليو 2026.
سلسلة هجمات متتابعة
يوثق التقرير أكثر من عشر هجمات وعمليات أمنية
متبادلة بين 11 يونيو و28 يوليو 2026، كان أبرزها:
- مقتل
عناصر مجموعة العمليات الخاصة الكينية ومدني
في كمين قرب مانديرا، قبل أن تستهدف الحركة مركبة مدرعة بعبوة ناسفة. وبينما
ادعت الحركة مقتل وإصابة 25 عنصرًا، يشير التقرير إلى أن هذا الرقم لم تؤكده
أي مصادر مستقلة، وأن الحركة اعتادت المبالغة في تقدير خسائر خصومها.
- تدمير
برج اتصالات تابع لشركة “سافاريكوم” في داداب بمقاطعة غاريسا، في إطار سياسة
تستهدف تعطيل الاتصالات ومنع المدنيين من الإبلاغ عن تحركات المسلحين وإرباك
التنسيق الأمني.
- هجمات
على مواقع أمنية وقرى في مانديرا، إلى جانب عمليات لإطلاق النار وادعاءات
متبادلة بشأن الخسائر.
- نجاح
السلطات الكينية في تفكيك أربع عبوات ناسفة في مقاطعة لامو، وتنفيذ عملية
أسفرت عن مقتل 11 عنصرًا من الحركة قرب الحدود الصومالية، إضافة إلى إحباط
هجمات أخرى خلال يونيو ويوليو.
تاريخ العبور إلى لكينيا
عبرت حركة الشباب إلى كينيا وأوغندا، وأسست فرعين
رئيسيين لها، الأول: (جماعة الهجرة)، التي أنشأها رجل الدين الكيني
"بومواني" في مدينة ماجينجو، عام 2007، بعدما سيطر على مسجد موسى ومسجد
السكينة في مومباسا، وأسس مركز الشباب المسلم (MYC)
ليقود عملية تجنيد الكينيين، وردًا على هذا التمدد والتوغل، أطلقت الحكومة الكينية
عام 2011، عمليتها العسكرية ليندا نيشي (حماية البلد) في جنوب الصومال ضد هذه
التوجهات، ما دفع حركة الشباب للرد والاندماج رسميًا مع مركز الشباب المسلم وتكوين
جماعة (الهجرة) بكينيا. وفي يوليو 2018، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في الأمر
التنفيذي رقم (13224)، حيث صنفت "الهجرة" جماعة إرهابية.
أما الفرع الثاني: "جيش أيمن" في لامو، فهي
جماعة تشكلت من وحدة مسلحة تسمى "نبوسيا" تحت قيادة تيتوس نبسيوا،
المعروف أيضًا باسم "معلم خالد" و"مُعلم كينيا"، وعملت في
كينيا بأوامر "أحمد عبدي غودان" زعيم حركة الشباب الصومالية السابق. كان أعضاء هذه الجماعة على اتصال بجماعة
"الهجرة"، حيث عملا معا على شن هجمات بالقنابل اليدوية على نطاق صغير في
غاريسا ونيروبي ومومباسا، وبعد وقت قصير من بدء عملية "ليندا نشي" ضد
حركة الشباب في أكتوبر 2011 تغير اسم هذه الوحدة المسلحة إلى "جيش
أيمن"، واتخذت من غابة بوني بمنطقة الغابات الشاسعة في لامو ملاذًا لها.
وقد أقام (جيش أيمن) صلات مع كتيبة "نبهان"
بين شمال شرق كينيا وجنوب الصومال، بقيادة لقمان عيسى عثمان، شقيق عثمان عيسى
عثمان، أحد المدبرين لهجوم فندق بارادايس المملوك لإسرائيل في مومباسا عام 2002،
وهي ما تعرف بـ "هجمات مومباسا 2002".
ووفق مؤشر الإرهاب العالمي عام 2023 ارتبطت جماعة الهجرة
وجيش أيمن بالعديد من الهجمات البارزة في كينيا، وعلى رأسها هجوم ويستجيت مول (Westgate Mall) في عام 2013، الذي يعتقد أن أحد كبار قادة
جيش أيمن، عبد اللطيف أبو بكر، لعب دوراً في التخطيط والتنفيذ، وأيضا الهجوم على
جامعة غاريسا في عام 2015، الذي أسفر عن مقتل 147 شخصاً على الأقل، وهو الهجوم
الإرهابي الأكثر دموية في كينيا منذ تفجير القاعدة للسفارة الأمريكية عام 1998.
هذا إلى جانب معركة كولبيو في عام 2017، التي قام خلالها إريك أشيو أوجادا وأنور
يوغان مووك بقيادة سيارة مفخخة على قاعدة عسكرية مشتركة بين قوات الدفاع الكينية
والصومالية مما أسفر عن مقتل العشرات من الجنود.
ونتيجة لتلك الهجمات الناجحة، دعت حركة الشباب الصومالية عام 2024 إلى الاحتذاء في حملاتها الدعائية بما يجري في كينيا في حملة "لا حماية إلا بالإيمان"، وهو ما جاء على لسان المتحدث باسم الحركة علي محمود راج، بقوله: "الآن، مع اقتحام المجاهدين للأراضي الإسلامية المحتلة في كينيا وخارجها، حان الوقت لإعادة رسم خريطة شرق إفريقيا".
التموضع في كينيا
تُفيد تقارير عدة بأن حركة الشباب تموضعت في كينيا
لأسباب أهمها عمليات التجنيد التي تقوم بها من خلال مجتمع الشتات في شرق القارة بسبب ظروف وأوضاع الفقر السائدة والتهميش
الاجتماعي، وهو الأمر الذي أوضحه الباحث محمود الطباخ في دراسة عن معسكرات الإرهاب
الحدودية، بأن الاستثمار في الهشاشة وعدم الاستقرار والنزاعات والصراعات والضغوط الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية الهشة مكّنت حركة الشباب من التعبئة والعمل، مشيرا إلى
دراسة بحثية أجريت على 36 امرأة وفتاة كينية، انضممن في وقت سابق إلى تنظيمات
إرهابية، (16 منهن كان ضمن صفوف حركة الشباب في كينيا)، إلى أن
"الانتقام" من السلطة باعتبارها
واستغلت حركة الشباب حالة اللا أمن وعدم الاستقرار، وما
نتج عنها من الاحتجاز التعسفي والمضايقات والابتزاز وحتى الترحيل القسري والطرد
للمواطنين، في توفير غذاء ثري لحركة الشباب، وفروعها الهجرة وجيش أيمن وساعدتهم على
التماهي مع المجتمعات المستاءة، لا سيما على الساحل وفي شمال شرق كينيا لتوفير
بديل آمن.
مقاربات اجتماعية واقتصادية
عملت حركة الشباب على توظيف مقاربات اجتماعية واقتصادية،
ومنها: إقامة روابط وشبكات "صلبة" مع مواطني الشريط الحدودي، ويُجادل أحد الباحثين الغربيين بأن هذه
الشبكات تقوم على منطق يُمكن أن يُسمى بـ "بقعة الحبر Ink blot logic"، على فرضية أن الروابط
"الصلبة" التي انشأها الإرهابيون في الفضاءات أو المساحات "غير
الخاضعة للحكم" على الحدود هي أقوى بكثير من هذه الروابط "السائبة"
التي تقيمها دول شرق أفريقيا المجاورة الواقعة في نفس "المُركب الأمني"
بين بعضها البعض بغرض مكافحة الإرهاب، على اعتبار أن مقاربات الإرهابيين نشأت بين
المجموعات العرقية والاجتماعية وتتصل ببعضها بشكل وثيق ومتين وتغذيها ظروف
اجتماعية وثقافية ودينية متشابهة قائمة بينهم.
ولعبت "القرابة" دورًا في تموضع الحركة، حيث
يغلب على المنطقة الشمالية في كينيا الواقعة مع حدود الصومال تمركز سكان كينين
مسلمين من أصل صومالي، يشتركون في القرابة واللغة والدم والأخوة الدينية أو
الأيديولوجية للحفاظ على السلوكيات القبلية الموحدة. وهو ما سهل تشكيل روابط
"عبر وطنية" مُشتركة. كما عملت الحركة على دمج
مقاتليها في السياق المحلي الكيني، حيث أقامت منازل آمنة لأعضائها والمتعاطفين معها
الذين كانوا يمرون في المنطقة. وكذلك فتحت العديد من الشركات الصغيرة والمنظمات الإغاثية لدعم
أنشطتها وإخفائها. على سبيل المثال، في عام 1993، بدأ خالد الفواز، الذي أصبح فيما
بعد المتحدث باسم بن لادن في بريطانيا، نشاطاً تجارياً في نيروبي، وأيضا أبو عبيدة
البنشيري، أحد القادة العسكريين للقاعدة، الذي غرق فيما بعد في بحيرة فكتوريا. كما
أقام كل من "وديع الحاج" و"محمد عاطف" القياديين في القاعدة
أنشطة في مومباسا، وعمل الأخير في تجارة الصيد، دون إثارة أي شك.
انصهار وتزاوج
تُظهر تحقيقات هجوم 1998 على سفارة أمريكا في نيروبي،
انصهار وتزاوج المدبرين من المجتمعات المحلية، مثل محمد عودة، الذي تزوج من امرأة
سواحيلية من قرية ويتو النائية على طول الطريق السريع مومباسا ماليندي، وصالح علي
صالح نبهان، الذي تزوج من بلدة لامو، وعبد الله محمد الذي تزوج من قرية سيو.
ومن أهم عوامل التموضع
توفير الفرص الاقتصادية البديلة، وتقديم السلع المادية والأموال في المناطق الهشة
شمال شرق كينيا، وفي تقرير له، يؤكد رئيس مفوضية الإرهاب والتطرف في مجلس السلم
والأمن التابع للاتحاد الافريقي أن طريقة عمل حركة الشباب هي نفسها في جميع
البلدان التي استهدفتها في شرق أفريقيا، عبر التركيز على وتر المظالم المحلية
وإغراء الشباب بسهولة للانخراط في الإرهاب من خلال الوعود بالثروات السريعة التي
وعد بها وكلاء التجنيد.
وعملت حركة الشباب على اختراق المدارس والجامعات
والمنظمات المدنية، ومنذ عام 2015، لاحظت السلطات الكينية وجود اتجاه بين طلاب
الجامعات، لا سيما أولئك المهتمين بالمجالات العليا كالهندسة وعلوم الكمبيوتر
وتكنولوجيا المعلومات والطب، للانضمام إلى تنظيمي القاعدة وداعش، وهو نتاج تفاعلهم
عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي. وفي مايو عام 2016، اكتشف الأمن الكيني شبكة تطرف وتجنيد
وصلت إلى عدد من الجامعات في الغرب تحت اسم "شبكة أبو فداء"، الذي تم
اعتقاله فيما بعد هو وزوجته بعد أن أجريا أبحاثاً حول استخدام الجمرة الخبيثة
كسلاح بيولوجي داعشي.
الأهم في عملية التموضع والتجنيد المتلاحق هو اختراق
مخيمات اللاجئين الحدودية، وهما (داداب) و(كاكوما)،
حيث يُقدر عدد القاطنين فيها حوالي 600 ألف شخص، وأصبحت "مفرخه"
للإرهابيين، وفق الأمم المتحدة. وربطت السلطات
الكينية بين الهجمات الإرهابية الكبرى في الدولة وبين المُخيمات، إذ أشارت إلى أن
هجوم ويست جيت عام 2013، وجامعة غاريسا في 2015، وهجوم 2019 على مجمع فنادق دويست
دي (DusitD2) تم التخطيط لهما من مخيمي كاكوما وداداب في
الشمال.
اللغة السواحلية كآلية ثقافية
استخدمت حركة الشباب اللغة السواحلية كآلية ثقافية فاعلة
في تجنيد الكينيين، عبر نشرها مقاطع فيديو
على وسائل التواصل الاجتماعي، للوصول إلى المواطنين في العمق الكيني وليس فقط على
الحدود، وقد اجتذبت هذه الدعاية مجندين من مناطق عدة، وعلى سبيل المثال المقطع
الشهير لتعيين الشيخ
أحمد إيمان علي، زعيم جماعة الهجرة، أميراً للحركة في كينيا، حيث كان باللغة
السواحلية. وأيضا إطلاقها مجلة خاصة نشرت العدد الأول منها في 4 أبريل 2012. وجاء
فيها أن "كينيا ساحة جهاد لتحرير المسلمين في الصومال وشرق أفريقيا".
في ظل هذا يلعب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعية لدى
الإرهابيين دورًا رئيسيًا في نشر الأيديولوجية المتطرفة ونشر الخوف بين الناس في
كينيا، كما تعمل أيضًا على بث حالة العداء والسخط الجماهيري ضد الحكومة والنظر
إليها على أنها غير كفء.
وترى دراسة نشرتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حول الإرهاب في شرق أفريقيا أن تبادل الدعم بين التنظيمات الإرهابية الناشطة في أفريقيا جعل من السهولة استغلال سيولة الحدود، ومن خلال تجاوز الخلافات الفكرية التي أوقعت هذه التنظيمات في فترات سابقة في مواجهات مسلحة نالت من قدراتها على النشاط بصورة فعالة، وبسبب استقبال ساحات نشاط التنظيمات الإرهابية في أفريقيا أعداداً متزايدة من المقاتلين سواء القادمين من مناطق خارجية مثل الشرق الأوسط، أو المنتقلين بين الدول الأفريقية وبعضها البعض سيستمر النشاط الإرهابي.
خلاصات
يواجه مستقبل
الإرهاب المرتبط بحركة الشباب في كينيا تحديات أمنية مستمرة تتمثل في الهجمات
الحدودية والتجنيد المحلي، رغم الجهود المشددة لاحتواء التهديد عبر الحدود
الصومالية. وسيظل مستقبل الحركة في كينيا مرتبط بالأنشطة الحدودية والساحلية،
وتحديدا في مناطق مثل غاريسا ولامو الحدودية، وأيضا التداخل القبلي والهشاشة الأمنية،
والتشابك مع الجريمة المنظمة، وشبكات التهريب والاتجار غير المشروع. وأخيرا بسبب قصور
ما في تشريعات دول شرق القارة الأفريقية لمكافحة الإرهاب.