دراسات بيئية
التداعيات البيئية والاجتماعية والاقتصادية لظاهرة النينيو
22-Sep-2026
النينيو ليس حادثاً جوياً عابراً، ولا مرادفاً لارتفاع الحرارة في كل مكان. إنه الطور الدافئ من تذبذب النينيو–التذبذب الجنوبي ENSO، وهو نمط طبيعي ينشأ من تفاعل المحيط الهادئ الاستوائي مع الغلاف الجوي. يبدأ عندما ترتفع حرارة سطح البحر في وسط الهادئ وشرقه عن معدلاتها، وتضعف الرياح التجارية التي تدفع عادةً المياه الدافئة غرباً. ينتقل أثر ذلك عبر موجات جوية ومحيطية إلى مناطق بعيدة، فيتغير توزيع الأمطار والحرارة والعواصف.
تنبع أهمية الظاهرة من اتساع أثرها. فهي تؤثر في الزراعة والثروة السمكية والمياه والطاقة والصحة والأسعار، لكنها لا تنتج النتيجة نفسها في كل بلد. وقد يصبح أثرها أشد عندما تتزامن مع خط أساس أكثر حرارة بسبب تغير المناخ. لذلك فإن التعامل العلمي مع النينيو يتطلب إنذاراً مبكراً وتخطيطاً إقليمياً، لا تنبؤات عامة مبسطة.
أولاً: مفهوم
الظاهرة وأبعادها الفيزيائية:
يصف مصطلح ENSO دورة تتناوب فيها ثلاث حالات: النينيو
الدافئ، والنينيا البارد، والحالة المحايدة. ووفق الإدارة الوطنية للمحيطات
والغلاف الجوي الأميركية (NOAA) ، تحدث النينيو عادةً كل ثلاث إلى خمس سنوات،
بينما يقدّر باحثون آخرون أن الدورة تتكرر بصورة غير منتظمة كل سنتين إلى سبع
سنوات. ويُعرَّف الحدث عملياً عبر ارتفاع مستمر في حرارة سطح منطقة نينيو 3.4 بوسط
الهادئ الاستوائي، غالباً بنحو 0.5 درجة مئوية أو أكثر فوق المتوسط لمدة ستة أشهر
متصلة.
تعود تسمية “النينيو” إلى صيادين على سواحل بيرو والإكوادور لاحظوا وصول مياه دافئة قرب موسم عيد الميلاد، فسمّوها بالإسبانية “الطفل”. لكن الملاحظة المحلية تحولت لاحقاً إلى مفهوم عالمي يربط المحيط بالطقس والاقتصاد والمجتمع. في الظروف العادية، تدفع الرياح التجارية المياه السطحية الدافئة نحو غرب الهادئ، بينما تصعد في الشرق مياه باردة غنية بالعناصر الغذائية من الأعماق، وهي عملية تسمى الرفع المائي. وينتج عن ذلك فرق حراري وضغطي بين شرق الحوض وغربه.
يشرح عالم
المحيطات مايكل ماكفادن وزميلاه ستيفن زبياك ومايكل غلانتز أن النينيو هو تذبذب
بين ظروف دافئة وباردة في الهادئ الاستوائي، وأنه أبرز تباين مناخي من عام إلى عام
على الأرض بسبب قوته وقابليته النسبية للتنبؤ وتأثيره العالمي. وعند بداية النينيو
تضعف الرياح التجارية، فتتحرك المياه الدافئة شرقاً ويضعف الرفع المائي. يضيف هذا
الاحترار مزيداً من الضعف إلى الرياح، في حلقة تغذية راجعة تُعرف باسم تغذية
بيركنز أو تغذية بجيركنس.
هذه العملية لا تستمر بلا نهاية. فالموجات المحيطية وانعكاسها عند حدود الحوض، إلى جانب تغيرات الرياح، تساعد على تبريد المحيط وإنهاء الحدث، وقد تمهّد لظهور النينيا. ولهذا يرى المتخصصون أن ENSO ليس ساعة ميكانيكية منتظمة، بل نظاماً معقداً تتداخل فيه الديناميكيات غير الخطية والضوضاء الجوية الموسمية.
ثانياً: الآليات
الجوية والاتصالات المناخية عن بُعد:
ينقل الغلاف
الجوي أثر النينيو عبر ما يسميه العلماء الاتصالات المناخية عن بُعد. فاختلاف
حرارة سطح البحر يغيّر مناطق صعود الهواء وهبوطه، ثم يعيد توزيع التيارات النفاثة
ومسارات العواصف. لذلك قد تواجه منطقة بعيدة آلاف الكيلومترات أمطاراً استثنائية
أو جفافاً أو تغيراً في موسم الأعاصير.
يؤكد شَانغ-بينغ شيه، أستاذ علوم المناخ في معهد سكريبس، أن النمط المعتاد للنينيو قد يخفض أمطار الرياح الموسمية في الهند، ويجلب الجفاف إلى أستراليا وإندونيسيا، بينما يزيد أمطار جنوب غرب الولايات المتحدة في الشتاء. لكنه يحذر من أن كل نينيو مختلف، وأن العمليات العشوائية في الغلاف الجوي قد تنتج شتاءً جافاً حتى في سنة نينيو. هذه الملاحظة مهمة لأنها تمنع تحويل الاحتمال الإحصائي إلى يقين جغرافي.
ثالثاً: الآثار
الاقتصادية والبيئية والملاحية:
تتضرر الثروة
السمكية قبالة سواحل بيرو والإكوادور عندما يضعف الرفع المائي، لأن المياه الدافئة
أقل غنى بالعناصر التي تغذي السلسلة البحرية. كما تتأثر الزراعة بتغير المطر
والحرارة، وقد تنتقل الصدمة إلى أسعار الحبوب والأعلاف والنقل والتأمين. وتوضح NOAA أن ENSO قد يرفع مخاطر الجفاف والفيضانات
وحرائق الغابات، ويؤثر في الغذاء والصحة والهجرة والتوترات السياسية.
أما على مستوى
الحرارة العالمية، فتضيف النينيو حرارة إلى جو دافئ أصلاً. ويذكر ألكسندر
غيرشونوف، عالم الأرصاد والبحوث المناخية في سكريبس، أن النينيو نمط طبيعي يحدث في
عالم ترتفع حرارته على نحو غير طبيعي. أي أن الظاهرة ليست سبب الاحترار العالمي
طويل الأمد، لكنها قد تضخم قياس الحرارة في سنة معينة وتزيد موجات الحر.
رابعاً: التداعيات الاجتماعية والاقتصادية في إفريقيا:
تُعدّ ظاهرة النينيو من أبرز الظواهر المناخية
العالمية التي تُحْدِث اضطرابات واسعة في أنماط الطقس، ولا تقتصر آثارها على
الجوانب البيئية، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية عميقة، خاصةً في دول
إفريقيا جنوب الصحراء، التي تُعتبر من أكثر المناطق تعرُّضًا لتداعيات هذه
الظاهرة؛ نظرًا لاعتماد نسبة كبيرة من سكانها على الزراعة المطرية، وضَعْف البنية
التحتية، ومحدودية القدرات المالية والمؤسسية اللازمة للتكيُّف مع الصدمات
المناخية.
وقد تزايدت
أهمية دراسة الآثار الاقتصادية لظاهرة النينيو في السنوات الأخيرة، في ظل تكرار
الظواهر المناخية المتطرفة، وتزامنها مع أزمات عالمية أخرى، مثل اضطرابات سلاسل
الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتفاقم أعباء الديون، الأمر الذي أدَّى
إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية في العديد من الدول الإفريقية. وفي هذا السياق،
تُسهم ظاهرة النينيو في إحداث خسائر مباشرة وغير مباشرة تمسّ الإنتاج الزراعي،
والأمن الغذائي، وإمدادات الطاقة الكهرومائية، والتجارة الخارجية، والاستقرار
المالي، بما ينعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة.
لا توجد
“أفريقيا واحدة” في استجابتها للنينيو. فقد وجدت دراسة منشورة في Frontiers
in Sustainable Food Systems أن النينيو يرتبط غالباً بظروف أكثر رطوبة في أجزاء من شرق أفريقيا،
وبظروف أكثر جفافاً في أجزاء من الجنوب. وسجلت الدراسة انخفاضاً متوسطه 12% في
محصول الذرة بجنوب أفريقيا و19% في زيمبابوي خلال سنوات النينيو، بينما ارتفع
محصول الذرة في كينيا بنحو 4% في سنوات النينيو مقارنة بالمتوسط. ولا تعني هذه
النتائج علاقة حتمية، إذ تتدخل مواعيد الزراعة ونوع التربة والإدارة الزراعية
والأسواق.
من خلال تعطيل
أنماط هطول الأمطار، ورفع درجات الحرارة، والتأثير على إنتاجية المحيطات، من
المرجح أن تزيد من زعزعة استقرار الإنتاج الزراعي، وتفاقم ضغوط أسعار الغذاء،
وتوسيع العجز التجاري، مما يزيد من حدة مواطن الضعف الاقتصادية الكلية القائمة. اذ
قدر بنك التنمية الإفريقي أن خسائر ظاهرة النينيو في إفريقيا ممثلة في تراجع
الناتج المحلي الإجمالي للدول المتضررة بشدة بنسبة تتراوح بين 1% و2% في المتوسط
بما يصل إلى 20 مليار دولار.
إن الخسائر المحتملة لظاهرة النينيو تتركز معظمها في القطاع الزراعي، خاصةً في ظل ظروف الجفاف التي تُعاني منها معظم مناطق الساحل في السنوات الأخيرة. فقد سبق وتسببت ظاهرة النينيو في جفاف حادّ في جنوب إفريقيا، وأمطار غزيرة وفيضانات في شرق إفريقيا. أدَّت هذه الظروف إلى فشل واسع النطاق في المحاصيل، وارتفاع حادّ في أسعار المواد الغذائية، وارتفاعات قياسية في مستوى سطح البحر على طول سواحل القارة. وقدّر بنك التنمية الإفريقي أن مُزارعي إفريقيا يواجهون خسائر في الدخل تُقدّر بنحو 330 مليون دولار، في حين أن قطاع صيد الأسماك قد يتضرَّر بشدة أيضًا بسبب ارتفاع درجات حرارة البحر والعواصف.
ومن المتوقع أن تشهد جنوب إفريقيا انخفاضًا في فائض الذرة، لكنها ستحافظ على مكانتها كمورد إقليمي رئيسي. في المقابل، تواجه زيمبابوي وزامبيا مخاطر أكبر؛ حيث يُرجّح أن تعود زيمبابوي إلى وضع المستورد الصافي للذرة. وستواجه الاقتصادات الأصغر حجمًا التي تعتمد على الزراعة، مثل مالاوي وموزمبيق، ضغوطًا مماثلة على حساباتها الخارجية، بينما قد تحتاج دول شرق إفريقيا إلى زيادة واردات الحبوب في ظل اضطراب هطول الأمطار والخدمات اللوجستية. كما سيؤدي جفاف مصادر المياه للماشية، وضعف المراعي إلى نفوق الماشية، وفقدان الدخل، وزيادة حركة السكان والماشية والحياة البرية في المناطق المتضررة، مما سيؤدي إلى تفشّي أمراض الماشية العابرة للحدود، بما في ذلك الأمراض الحيوانية المنشأ مثل الجمرة الخبيثة.
وتتزايد المخاطر
في الدول التي تعتمد على الزراعة المطرية كأساس إنتاج الغذاء في معظم أنحاء
إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وعلى عكس أنظمة الزراعة المروية الشائعة في أجزاء من
آسيا والأمريكتين، تفتقر أنظمة الزراعة المطرية إلى أيّ آليات وقائية ضد نقص
الأمطار. فعندما ينقطع المطر، تنهار المحاصيل بشكل فوري تقريبًا، وتنتشر آثار ذلك
لتشمل دخل الأُسَر، والاستهلاك الريفي، والناتج القومي.
ويُعدّ قطاع مصايد الأسماك والاقتصاد البحري الأوسع، ولا سيما في المحيط الهندي، قناةً أخرى لتأثير ظاهرة النينيو. إذ تُقلّل هذه الظاهرة من إنتاجية المحيطات عن طريق إضعاف تيارات المغذيات الصاعدة، الضرورية لاستدامة السلاسل الغذائية البحرية. ويؤدي ذلك إلى انخفاض مخزون الأسماك وتغيُّر توزيع الأنواع. ونتيجةً لذلك، ينخفض إنتاج مصايد الأسماك العالمي عادةً بنسبة تتراوح بين 1% و3.5% خلال فترات النينيو، مع اضطرابات أكبر في الحالات الأقوى. ففي المحيط الهندي؛ حيث تُحدث حوالي 70% من حالات النينيو تأثيرات ملحوظة على الظروف البحرية، قد تنخفض كميات الصيد لأنواع رئيسية مثل التونة والسردين؛ مما يؤثر على عائدات التصدير والإمدادات الغذائية المحلية. بالنسبة للاقتصادات الساحلية الإفريقية، تُعزّز هذه التأثيرات الضغوط الناجمة عن الزراعة، مما يُحدث صدمة أوسع في النظام الغذائي.
يقدّر بنك التنمية الإفريقي أن من المتوقع أن تُؤدي ارتفاع درجات حرارة البحر والعواصف إلى انخفاض الإنتاجية المتعلقة بمصايد الأسماك بنسبة تتراوح بين 1% و4%. ، حيث يؤدي ارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب النينيو، إلى جانب انخفاض فرص العمل في القطاع الزراعي، وفقدان سبل العيش، واضطرابات في سلاسل التوريد، إلى سوء التغذية، وانعدام الأمن الغذائي، والصعوبات الاقتصادية؛ اذ أدَّت ظاهرة النينيو في فترات سابقة إلى صدمة حادة في أسعار المواد الغذائية المحلية؛ إذ ارتفعت أسعار الذرة البيضاء بنسبة 98% في جنوب إفريقيا و41% في زامبيا بين مارس 2015 ومارس 2016، مما زاد من الضغوط التضخمية المتصاعدة أصلًا نتيجة ضعف العملة.
ويأتي ذلك
مصاحبًا لظروف اقتصادية صعبة تمر بها القارة؛ حيث تعاني معظم العملات الإفريقية
بالفعل من ضغوط ارتفاع فواتير الاستيراد، يزداد خطر حدوث وضع مماثل؛ حيث تُفاقم
تأثيرات ظاهرة النينيو على الميزان التجاري وأسعار الغذاء مواطن الضعف القائمة
بدلًا من أن تكون المحرك الوحيد أو الرئيسي. وبشكل عام، من المرجّح أن يؤدي ارتفاع
الطلب على استيراد الحبوب وغيرها من المواد الغذائية الأساسية إلى زيادة فواتير
استيراد الغذاء. ويترتب على ذلك تدهور في ميزان التجارة، وزيادة الضغط على أرصدة
الحساب الجاري، وتفاقم هشاشة العملات في الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد.
هذا في الوقت
الذي نتوقع فيه ارتفاعات إضافية في أسعار الطاقة؛ إذ يُمكن أن يؤدي انخفاض هطول
الأمطار إلى تقليل توليد الكهرباء، مما يرفع تكاليف الطاقة ويؤثر سلبًا على نفقات
الإنتاج بشكل عام. إذ تعتمد العديد من أكبر اقتصادات إفريقيا على الطاقة
الكهرومائية لتوليد معظم احتياجاتها من الكهرباء. فزامبيا، وزيمبابوي، وموزمبيق،
وإثيوبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تعتمد كل منها اعتمادًا كبيرًا على
الطاقة الكهرومائية المُخزّنة في الخزانات. وعندما يؤدي الجفاف إلى استنزاف هذه
الخزانات، ينخفض توليد الكهرباء، ويتفاقم انقطاع التيار الكهربائي، ويتباطأ
التصنيع، وتنخفض إنتاجية التعدينويؤدى مزيج من ضعف ديناميكيات النمو، الناتج عن
انخفاض الإنتاج الزراعي، وارتفاع التضخم، يُهيئ بيئة شبيهة بالركود التضخمي. وقد
يُترجم ذلك إلى تشديد للشروط النقدية لفترة أطول، أو حتى رفع أسعار الفائدة مجددًا
في بعض الدول، على الرغم من هشاشة النمو. ويضيف بُعْد الطاقة طبقة ثانية من
الهشاشة غالبًا ما يتم تجاهلها.
التقرير العالمي للأزمات:
يشير التقرير العالمي للأزمات الغذائية إلى أن نحو 149 مليون شخص يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، بينما يعاني حوالي 18 مليون شخص حاليًا من مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي في أنغولا، وبوتسوانا، وإسواتيني، وليسوتو، وناميبيا، ومدغشقر، وموزمبيق، وزامبيا، وزيمبابوي. وقد دأبت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) على دق ناقوس الخطر بشأن الآثار المحتملة لظاهرة النينيو على الأمن الغذائي والزراعة. وأكَّدت أنها بحاجة إلى 202 مليون دولار أمريكي لحماية 8.8 مليون شخص في 22 دولة، منها 12 دولة في إفريقيا.
هذا بالإضافة
إلى تأثير ظاهرة النينيو على تغذية الأطفال وصحتهم، حيث يحتاج 3.5 مليون طفل إلى
خدمات علاجية تغذوية، من بينهم أكثر من 900 ألف طفل سيحتاجون إلى علاج من سوء
التغذية الحاد في أنغولا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وموزمبيق، ومالاوي،
وناميبيا، ومدغشقر، وزامبيا، وزيمبابوي، وإسواتيني، وليسوتو. وتشير التقديرات إلى
أن 21 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم في منطقة جنوب إفريقيا. ومن
المتوقع تدهور الحالة التغذوية للأطفال مع استمرار موسم الجفاف. وحتى في الأماكن
التي يتوفر فيها الغذاء، فإن ارتفاع الأسعار يجعل النظام الغذائي المغذي بعيد
المنال عن الكثيرين. ويواجه الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية خطرًا أكبر
للوفاة بسبب أمراض يمكن الوقاية منها مثل الإسهال والالتهاب الرئوي والملاريا.
فعلى سبيل
المثال، يعتمد ما يُقدّر بنحو 70% من سكان جنوب إفريقيا على الزراعة لتأمين
قُوتهم. ومن المتوقع أن تشهد المجتمعات المتضررة من آثار النينيو انخفاضًا في
المحاصيل وقلة في فرص كَسْب العيش. وفى زيمبابوي، سيؤدي جفاف مصادر المياه
واستنزاف المراعي إلى زيادة حركة السكان والماشية والحياة البرية غير المنظمة في
المنطقة المتضررة. وسيؤدي ذلك إلى زيادة تفشي الأمراض العابرة للحدود التي تصيب
الماشية. وتُعدّ الفئات السكانية الأكثر ضعفًا، مثل النساء الحوامل والمرضعات
والأطفال الصغار، أكثر عُرْضَة لسوء التغذية خلال موسم الجفاف. كذلك الحال في
ملاوي؛ إذ يُظهر تحليل بيانات مسح المؤشرات المتعددة (MICS) قبل ظاهرة النينيو أن معدل انتشار فقر
الغذاء بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهرًا يبلغ 82.7%؛ حيث يعيش
25.5% منهم في فقر غذائي حاد؛ أي أنهم يتغذون بحد أقصى مجموعتين غذائيتين فقط في
اليوم.
تتسبب الفيضانات
في شرق إفريقيا والعواصف على طول المناطق الساحلية في أضرار للطرق والجسور وشبكات
الصرف الصحي والأسواق الحضرية. وتؤدي تكاليف إعادة الإعمار إلى تحويل ميزانيات رأس
المال الحكومية بعيدًا عن نفقات التنمية المخطط لها. وتفرض متطلبات الاستجابة
للطوارئ إعادة تخصيص الموارد المالية، مما يؤدي إلى تقليص الاستثمار في قطاعات
الصحة والتعليم والبنية التحتية الإنتاجية.
تجاوز التداعيات المالية:
أحيانًا تتجاوز
التداعيات المالية لظاهرة النينيو في كثير من الأحيان أضرارها المادية المباشرة،
فعندما تُجبر الحكومات على إعادة توجيه ميزانيات التنمية المخصصة مسبقًا نحو
الاستجابة للكوارث، فإنها تُضعف البنية المالية طويلة الأجل للنمو المخطط له.
وتواجه الدول التي تفتقر إلى أدوات تأمين كافية أو احتياطيات طوارئ أصعب المفاضلات
بين الإغاثة الفورية والاستثمار التنموي المستدام. ويتفاقم هذا الوضع مع تكرار
دورات ظاهرة النينيو، مما يُضيّق الحيز المالي تدريجيًّا.
يُعدّ نقص
المياه مصدر قلق، لما له من آثار خطيرة محتملة على الصحة العامة والأمن وسبل العيش
في منطقة تُكافح بالفعل تفشيًا خطيرًا للكوليرا. غالبًا ما تزداد الأمراض المنقولة
بالنواقل، مثل الحمى الصفراء والملاريا وحمى الضنك، في ظروف الجفاف، بينما قد يؤدي
ازدياد استخدام مصادر المياه غير الآمنة إلى ارتفاع حالات التراخوما والكوليرا
والتيفوئيد والبلهارسيا.
علاوة على ذلك،
تشير الأدلة إلى أن النساء والفتيات يتعرضن لمخاطر متزايدة للعنف القائم على النوع
الاجتماعي عندما تكون المياه شحيحة؛ حيث يُجبرن على النزوح لمسافات طويلة (غالبًا
بمفردهن) بحثًا عن مياه صالحة للشرب، مما يجعلهن عُرْضة للعنف الجنسي. وقد تتعطل
الخدمات الصحية بسبب الظواهر المناخية المتطرفة الناجمة عن ظاهرة النينيو. كما
تُسبّب الفيضانات والأعاصير أضرارًا بالبنية التحتية الصحية وتُشرّد المجتمعات،
ومن المرجّح أن يؤدي النزوح والاكتظاظ وعدم الحصول على اللقاحات إلى زيادة خطر
الإصابة بالعديد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل الحصبة وشلل
الأطفال. كذلك من المتوقع أن يزداد الطلب على خدمات الرعاية الصحية في وقتٍ تُكافح
فيه معظم دول المنطقة للحفاظ على أنظمة الرعاية الصحية العامة.
كما تُخلّف
الصدمات الناجمة عن تغير المناخ، وما يصاحبها من إغلاق للمدارس، وتدمير كلي أو
جزئي للبنية التحتية المدرسية، والمواد التعليمية، أثرًا مدمرًا على تعليم
الأطفال. وتُسهم آثار ظاهرة النينيو، ولا سيما الجفاف، في زيادة احتمالية تسرب
الأطفال من المدارس؛ حيث تُضطر الأُسَر إلى إعطاء الأولوية للغذاء والماء على حساب
التعليم، مما يجعلهم أكثر عُرضة لعمالة الأطفال، وزواج القاصرات، والتجنيد في
الجماعات المسلحة.
خامساً: النينيو وتغير المناخ وسقف درجتين مئويتين:
التمييز بين
الظاهرة الطبيعية وتغير المناخ ضروري. لا تثبت الأدلة أن تغير المناخ يزيد
بالضرورة تكرار النينيو أو قوته في كل مكان، لكن ارتفاع خط الأساس الحراري قد يجعل
نتائج الحدث أكثر خطورة. فالحرارة التي كانت تُعد استثنائية قد تصصبح أكثر تكراراً
عندما تضاف إليها دفعة النينيو. كما أن التربة الجافة أو ضعف البنية التحتية قد
يحول تغيراً عادياً في المطر إلى كارثة إنسانية.
تعتمد شدة ظاهرة
النينيو على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه
المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم
حِدتها. وتتزامن ظاهرة النينيو مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف
شديد الحرارة.
وهذا يعني أن
الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط درجة الحرارة العالمية الشهرية
لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي
طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة»
الناجمة عن تغير المناخ.
في الواقع، تجدر
الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير
المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي
موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات
الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء
كوارث أكثر تطرفاً.
نحن لم نصل بعدُ
إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء
تأثير دورة النينيو ، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين
آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة النينيو إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة
عما سيبدو عليه ذلك العالم.
وكتب روبرت رود،
كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» تعليقاً على ظاهرة النينيو: «قد تكون الأشهر
الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس
متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه
لنا المستقبل .
من جهته يصف زيك
هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث
المناخ بشركة «سترايب»، ظاهرة النينيو بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار
الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن
تسود في سنوات قادمة.
لكن ثمة أمراً
مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة النينيو وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب
هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا
كلايمت برينك»: يمكن للعالم المستقبلي
الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته
مؤقتاً بفعل ظاهرة النينيو ، أن يتشاركا في
متوسط درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا
الاحترار.
إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب. في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة النينيو تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي. وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة النينيو ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.
وبهذا المعنى،
لن تحاكي ظاهرة النينيو الصورة الكاملة للاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة
البشرية وتراكم الغازات الدفيئة. ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من
العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة-
مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير
مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة النينيو.
سادساً: التنبؤ
والإنذار المبكر واستراتيجيات الصمود:
تتمثل الأولوية في تحويل التنبؤ إلى إجراء.
تحتاج الحكومات إلى ربط توقعات ENSO بقرارات مبكرة في تخزين الحبوب والمياه، وإدارة السدود، والتحصين
الصحي، وحماية الماشية، وتحديد المناطق المعرضة للفيضانات. وينبغي عرض التوقعات
بصيغة احتمالية تشرح درجة الثقة والاختلاف بين الأقاليم.
تحذر روزا
لونا-نينيو، الباحثة في سكريبس، من أن القيمة التنبؤية للنينيو تختلف بمرور الزمن،
وأن الننماذج قد تبالغ في الثقة بالأنماط المعتادة. أما دان كايان فينبه إلى أن
نسبة العاصفة الفردية إلى النينيو ليست إجابة بنعم أو لا، بل تقدير لاحتمالات
تتأثر بعوامل أقصر زمناً. والخلاصة أن النينيو يوفر إنذاراً مهماً، لكنه لا يلغي
الحاجة إلى الرصد المحلي والمرونة المؤسسية.
أطلقت منظمة
الأمم المتحدة للزراعة والأغذية "الفاو" خطة عمل استباقية واستجابة للحد
من الآثار المتوقعة لظاهرة "النينو" المناخية، التي تؤثر بشدة على
ملايين الأشخاص حول العالم، على سبل العيش والمحاصيل والأمن الغذائي للفئات الأكثر
عرضة للخطر. وتتطلب هذه الخطة توفير 160 مليون دولار أمريكي بشكل عاجل لدعم أكثر
من 4,8 ملايين شخص، وتم إعطاء الأولوية لتطبيقها في 34 دولة عبر شرق أفريقيا،
والجنوب الأفريقي، وآسيا، والمحيط الهادئ، وأمريكا اللاتينية، ومنطقة بحر
الكاريبي، التي تم تحديدها بناءً على تقييم الآثار التاريخية لظاهرة
"النينو" وغيرها من العوامل الرئيسة، مثل: أحدث التوقعات المناخية
الموسمية، ونقاط الضعف الزراعية الحالية.
وترتبط ظاهرة
"النينو" في شرق أفريقيا بأمطار أعلى من المتوسط، مما قد يؤدي إلى أمطار
غزيرة وفيضانات وانهيارات أرضية، خاصة في شرق إثيوبيا وكينيا والصومال وجنوب
أوغندا، بينما في جنوب أفريقيا وأجزاء من أمريكا الجنوبية والوسطى، عادة ما تؤدي
ظاهرة "النينو" إلى نقص في هطول الأمطار يسبب آثار سلبية على الإنتاج
الزراعي والأمن الغذائي، في حين تختلف هذه الآثار في أنحاء آسيا والمحيط الهادئ،
فقد تؤدي إلى هطول أمطار أكثر أو أقل، اعتمادًا على الموقع، ويدخل العالم دورة ظاهرة "النينو" بينما يعاني مئات
الملايين من الجوع الحاد، كما تواجه العديد من البلدان التي تواجه أزمات إنسانية
خطر التأثر بالظاهرة.
يتطلب الوضع
الانتقال من سياسات الاستجابة الطارئة إلى تبنّي نَهْج استباقي يقوم على بناء
القدرة على الصمود وتعزيز مرونة الاقتصادات الإفريقية في مواجهة المخاطر المناخية.
ويتطلب ذلك الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والتنبؤات المناخية لتمكين الحكومات
والمزارعين من اتخاذ قرارات استباقية، والتوسع في تطبيقات الزراعة الذكية
مناخيًّا، وتحسين إدارة الموارد المائية من خلال تطوير البنية التحتية للري
والاستفادة من مياه الأمطار، إلى جانب تنويع القاعدة الاقتصادية للحد من الاعتماد
المفرط على الزراعة المطرية. كما تبرز أهمية تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية،
وتوسيع برامج التأمين الزراعي، وتوفير التمويل الميسر للمزارعين والمشروعات
الصغيرة الأكثر تضررًا من التقلبات المناخية.
وعلى المستوى
الإقليمي والدولي، يتعين على الدول الإفريقية تعزيز التعاون في مجالات تبادل
البيانات المناخية، وإدارة الموارد العابرة للحدود، وتنسيق الاستجابة للكوارث، مع
زيادة الاستفادة من التمويل المناخي الدولي وصناديق التكيُّف ونقل التكنولوجيا
وبناء القدرات. كما ينبغي دَمْج مخاطر تغيُّر المناخ في خطط التنمية والسياسات
المالية والاستثمارية، بما يُسهم في توجيه الموارد نحو مشروعات البنية التحتية
المقاومة للمناخ والطاقة المتجددة والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.
خاتمة:
تكشف النينيو هشاشة المجتمعات أمام تفاعل المحيط
والغلاف الجوي. وهي ليست قدراً لا يمكن التعامل معه، بل مخاطرة يمكن تقليلها عندما
تتحول المعرفة العلمية إلى إنذار مبكر وسياسة زراعية ومائية وصحية. والخطأ الأكبر
هو اختزالها في شعار مناخي واحد؛ فالقيمة الحقيقية للعلم تكمن في تحديد المكان
والوقت ودرجة الاحتمال، ثم حماية الفئات التي لا تملك القدرة على تحمل الصدمة.
إن الحد من
الآثار الاقتصادية لظاهرة النينيو لا يعتمد فقط على مواجهة تداعياتها بعد وقوعها،
بل يتطلب بناء اقتصادات أكثر تنوعًا ومرونة وقدرة على التكيُّف مع المتغيرات
المناخية. ومن شأن تبنّي سياسات تنموية تراعي الاعتبارات المناخية، وتعزيز التعاون
الإقليمي والدولي، وتعبئة التمويل والاستثمار في القطاعات الحيوية؛ أن يُحوّل
التحديات التي تفرضها الظاهرة إلى فرصة لتعزيز الاستدامة الاقتصادية وتحقيق تنمية
أكثر قدرة على الصمود في إفريقيا جنوب الصحراء.