مقالات تحليلية
معركة تكساس وفلوريدا لتصنيف الإخوان فيدراليا
12-Oct-2026
رغم أنه لا يوجد تصنيف فيدرالي يضع
الإخوان على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية في الولايات المتحدة، إلا أن تكساس
وفلوريدا فتحا معركة التصنيف في يوم 18 نوفمبر 2025 حينما أصدر حاكم تكساس غريغ
أبوت إعلاناً يصنف فيه الجماعة وCAIR منظمتين إرهابيتين أجنبيتين عابرتين للحدود بموجب قانون الولاية.
وأتاح هذا القرار حظر اقتناء الجماعة العقارات في تكساس، وعزّز الإجراءات
التنفيذية، وإمكانية رفع دعاوى لإغلاق الجهات التابعة لها، وفي ديسمبر 2025 أصدر
حاكم فلوريدا رون ديسانتيس أمراً مشابها، ووجه أجهزة الولاية لمنع التمويل والعقود
والامتيازات المرتبطة بهما، ودخل القانون بالفعل يوم 1 يوليو 2026 حيز التنفيذ،
فيما أمر حاكم أوكلاهوما كيفن ستيت بإجراء تحقيقات أمنية مشابهة، وهذا في إطار ضغط
متزايد من بعض الولايات باتجاه تشديد الإجراءات، فيما تزامن هذا مع مواقف بعض
الدول وقرارات أوروبية أخرى تدعو إلى مزيد من الرقابة على شبكات الإخوان المحلية
والعالمية.
دوافع التصنيف
بالنظر إلى دوافع الولايات في التصنيف
سنجد أنها جمعت بين اعتبارات أمنية معلنة (استنادًا إلى قضايا سابقة واتهام
بالارتباط بحماس) ودوافع سياسية وأيديولوجية محلية. وكانت الدوافع الفيدرالية، وهي
الأكثر تحديدًا وتستهدف فروعًا خارجية متورطة في دعم العنف والإرهاب، وهي فرع
الأردن ولبنان ومصر.
على مستوى الولايات (تكساس وفلوريدا) سنجد
أن الدوافع الأمنية والقانونية المعلنة، هي الاستناد إلى قضايا قديمة مثل قضية
مؤسسة الأرض المقدسة (Holy Land Foundation)، التي ورد فيها أسماء وكيانات، وارتبطت بوثائق لتمويل ودعم حركة
حماس. وأيضا اتهامات بارتباطات تاريخية وتنظيمية بين CAIR والإخوان وبأفراد يعملون مع المنظمة (مثل إدانة غسان العلاشي في
قضية تكساس).
وكانت هناك دوافع تتعلق بالمخاوف من تمويل
أو دعم أنشطة مرتبطة بجماعات مصنفة إرهابيًا خارجيًا، في فلوريدا ، فضلا عن دوافع
أيديولوجية وربط بين الإخوان وتقاطع أفكارها مع جماعات أكثر تطرفا مثل داعش
والقاعدة، أو بذئاب منفردة تستهدف الولايات المتحدة، حيث إن هناك توجها جمهوريا
يرى في شبكات الجماعة العابرة للحدود تهديدًا محتملًا للنفوذ داخل المؤسسات
الأمريكية، ومخاوف من محاولات فرض تفسيرات دينية إسلاموية على النظام الأمريكي.
وهذا ما استغله حاكما فلوريدا وتكساس لإظهار موقف متشدد تجاه «الإسلام السياسي»،
وكل هذا جاء في سياق انتخابي وسياسي أوسع بعد أحداث الطوفان بقطاع غزة.
ويمكن أن نضيف على هذا السياق السياسي
والأيديولوجي اعتبارات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، ومواجهة ما يصفه مؤيدو
التصنيف بمخاطر الشبكات المرتبطة بالإخوان، ومنها شبكات التمويل، وأيضا المؤسسات
والجمعيات والأفراد الذين يُشتبه في ارتباطهم المالي أو بجهات مدرجة على قوائم
الإرهاب. وأيضا الاستجابة لمطالب تيارات سياسية أمريكية تدعو إلى تشديد التعامل مع
منظمة كير، واعتبار أن أنشطتها التنظيمية أو بعض شبكاتها تستدعي رقابة أشد. وفحص
امتداداتها في بعض الجمعيات والمؤسسات المدنية والتعليمية والدينية.
حدود التصنيف
يتجاوز قرار بعض الولايات بتصنيف جماعة
الإخوان وممثلها الرئيسي مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) النقاش حول حدود صلاحيات الولايات في مكافحة التنظيمات السياسية،
إلى الرقابة الأشد على التمويل، والعلاقة بين اعتبارات الأمن القومي وحرية النشاط
الديني والسياسي. وهنا علينا أن نميز بين مستويات مختلفة، وهي قرارات الولايات،
والتصنيف الفيدرالي الذي تتولاه الحكومة الاتحادية وفق القانون الاتحادي، والآثار
القانونية المترتبة على كل منهما. فإعلان ولاية أن جماعة أو منظمة ما إرهابية لا
يعني تلقائياً إدراجها على القائمة الفيدرالية للمنظمات الإرهابية الأجنبية، ولا
يمنح الولاية جميع الصلاحيات المالية والجنائية المترتبة على ذلك الإدراج.
ووفقا لتصنيف الولايات وما اتبعه من
قرارات فيدرالية سنجد أن هذا يسمح لها بالتحقيق في جرائم تقع ضمن اختصاصها، وجمع
الأدلة، وتطبيق تشريعاتها على تملّك العقارات (كما في تكساس)، ومنع التمويل
الحكومي والعقود والمزايا العامة لمنظمة كير، والشبكة المعقدة للجماعة. لكنها لا
تملك إلغاء الحقوق الدستورية بمجرد إصدار تصنيف، ولا تستطيع منح نفسها صلاحيات
الإدارة الأمريكية بتجميد الأصول على المستوى الوطني أو إدراج المنظمات على
القائمة الفيدرالية.
وتمنح القرارات السابقة الولايات حدودا
أوسع في الضغط على الحكومة الفيدرالية لتوسيع نطاق إجراءاتها ضد فروع الإخوان في
الخارج، والتحقيق في صلات التمويل داخل الولايات المتحدة. ويشار هنا إلى أن الرئيس
دونالد ترامب أصدر في نوفمبر 2025 أمراً تنفيذياً ببدء مسار لتصنيف فروع محددة من
الجماعة (مثل فروع لبنان والأردن ومصر) كمنظمات إرهابية أجنبية، أو إرهابيين
عالميين، محددين بشكل خاص، وهو مسار قانوني مختلف عن قرارات تكساس وفلوريدا
وأكلاهوما.
كما تسمح هذه القرارات توسيع المسار
السياسي والقانوني ضد بعض فروع الإخوان وشبكات يُشتبه في ارتباطها بها، لكن ذلك لا
يعني قراراً فيدراليا أمريكياً موحداً بحظر الجماعة بكل فروعها ومؤسساتها داخل
الولايات المتحدة.
تأثير التصنيف
يمكن قراءة تأثير التصنيف داخليا على عدة
مستويات، أولا أنه يدفع باتجاه سير ولايات أخرى على نفس الاتجاه، وبالفعل ظهرت
تحركات مشابهة في ولايات أخرى؛ ففي أغسطس 2026 أمر حاكم أوكلاهوما كيفن ستيت
بإجراء تحقيقات بشأن فروع محلية من الإخوان وCAIR، مع بحث إمكانية اتخاذ إجراءات تصنيفية والدعوة لتصنيف فيدرالي.
وقد تتسع القرارات لتشمل التحقيقات في المؤسسات الوسيطة وشبكات التبرعات والعقود
العامة، لكن الانتقال إلى حظر شامل يتطلب أسساً قانونية اتحادية أو تشريعات
متوافقة مع الدستور، ولا ينتج تلقائياً من قرارات ولايات فردية.
ويؤثر التصنيف على التمويل والأنشطة
الموجه لشبكة الإخوان داخل أمريكا، حيث يمكن أن يتردد بعض المانحين في تمويل
مؤسسات إخوانية خشية التدقيق أو الإضرار بالسمعة، لكن التصنيف المحلي لا يؤدي وحده
إلى تجميد جميع التبرعات الخاصة أو جعل كل تبرع جريمة تلقائياً. وقد يكون الأثر
مباشراً على العقود والمنح الحكومية حيث ينص القانون على منعها، ما يؤثر في برامج
تعليمية أو اجتماعية تعتمد على دعم الحكومة الفيدرالية. كما يؤدي إلى تراجع شراكات
أو فعاليات أو تعاون مع مؤسسات أخرى خشية المساءلة القانونية.
ويجفّف التصنيف بعض منابع التمويل وليس
بكاملها، فإلغاء الإعفاء الضريبي الفيدرالي أو تجميد الأصول أو تجريم الدعم المادي
لمنظمة مصنفة اتحادياً أمور تختلف من حيث الاختصاص والأساس القانوني.
ويمكن أن ينعكس التصنيف على السياسة
الأمريكية تجاه الإسلاميين بشكل عام وأيضا العلاقات الإقليمية، حيث إن هذا سيعكس
تشددا أكبر في التعامل مع شبكات الإسلام السياسي، من خلال توسيع التدقيق في
التمويل والروابط المؤسسية العابرة للحدود، وسياسات العقود الحكومية والامتثال
المالي. كما يؤدي إلى تقارب محتمل مع بعض الحلفاء الإقليميين الذين يعارضون
الإخوان، من خلال تعزيز خطاب الرقابة وتبادل المعلومات والتحقيقات المالية
والأمنية.
وما يجب ذكره في هذا السياق أنه في 13
يناير 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تصنيف الفرع المصري والأردني ضمن فئة
الإرهابيين العالميين المصنفين، بينما صنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني أيضًا
منظمةً إرهابية أجنبية. واستندت الإدارة الأمريكية إلى اتهامات تتعلق بتقديم دعم
مادي لحماس. ثم أعلنت الخزانة في 23 يوليو 2026 فرض عقوبات إضافية على الأمين
العام للإخوان محمود الإبياري وأفراد وكيانات في تركيا وإندونيسيا والأردن، وقالت
إنهم قدموا دعمًا ماديًا لإرهابيين. وهذا يدل على أن التحرك الاتحادي امتد من
التصنيف إلى استهداف شبكات التمويل والأفراد والكيانات المرتبطة بها وفق ما أعلنته
السلطات الأمريكية.
وخلاصة القول إن التصنيف يمكن أن يقوم
بتوسيع نطاق التصنيفات الاتحادية، ودراسة فروع أو أفراد أو مؤسسات أخرى، إذا
توافرت لدى بعض الولايات الأسس القانونية والأدلة اللازمة. ويؤدي أيضا إلى تشديد
الرقابة المالية، ويوسّع التدقيق في التحويلات والتبرعات والمؤسسات الوسيطة،
ويجمّد الأصول، ويقيد المعاملات المحظورة مع شبكات الجماعة.
تداعيات التصنيف
يمكن تلخيص تداعيات التصنيف على جماعة
الإخوان وتأثيرها عليها بشكل خاص في الآتي: أمنياً، قد يؤدي إلى توسيع نطاق
التحقيقات في مصادر التمويل والعلاقات العابرة للحدود، وزيادة التدقيق في الأنشطة
التي يُشتبه في ارتباطها بجهات مصنّفة إرهابية، بما يدفع في زيادة الضغوط على
شبكات الجماعة ومؤسساتها المرتبطة بها.
كما أن التصنيف بالضرورة سيتبعه إتاحة
إطار تشريعي للولايات يمكّنها من السعي إلى فرض قيود على بعض أشكال التمويل العام والعقود والمزايا الحكومية،
فضلاً عن اتخاذ إجراءات تتعلق بالعقارات التمويلية للجماعة والجهات المشمولة
بالقرارات، في حدود الصلاحيات المقررة قانوناً، بما يمثّل ضغوطا هائلة وغير مسبوقة
على الجماعة، حيث إن المؤسسات والأفراد المرتبطون بها، متى انطبقت عليهم
الإجراءات، سيجدون حصارا كبيرا. دون أن يعني ذلك تجميد الأموال الخاصة تلقائياً أو
حظر جميع المعاملات الخاصة بهم.
وتفرض هذه القرارات على الجماعة وشبكاتها إعادة تقييم أنماط عملها
المؤسسي، وعلاقاتها مع الجمعيات والجهات الوسيطة، وأساليب جمع التمويل والتواصل
العام، وإعادة هيكلة قادتها وشبكتها، ويزيد أيضا من حذر المؤسسات الأمريكية في
التعامل مع الجهات التي يُثار بشأنها جدل حول صلاتها التنظيمية.
ويزيد التصنيف الضغط على الحكومة الاتحادية لتوسيع إجراءاتها ضد فروع
أو كيانات محددة، لكنها لا تعني بالضرورة وجود توافق أمريكي شامل بشأن تصنيف
الجماعة بجميع فروعها أو اعتبار كل المؤسسات الإسلامية المرتبطة بها فكرياً أو
تاريخياً جهات محظورة. وإقليمياً، قد يعزز من فرص التعاون الأمريكي مع حكومات
بالشرق الأوسط تتبنى مواقف مناهضة لها، خصوصاً في تبادل المعلومات وملاحقة التمويل
غير المشروع.
وعلى مستوى التأثير المباشر في الجماعة، فإنه يتمثل في احتمال تراكم
الضغوط القانونية والمالية والمؤسسية، بما قد يحد من قدرتها على الاستفادة من بعض
الموارد والعلاقات داخل الولايات المعنية، ويزيد كلفة العمل العلني لبعض الجهات
المرتبطة بها. وقد يمتد الأثر إلى مؤسسات المجتمع المدني التي تتعامل مع جهات
مشمولة بالتصنيف.
خلاصات
في الختام. يظل السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة ليس مجرد ما إذا
كانت ولايات أخرى ستتبنى التصنيف، بل ما إذا كانت هذه القرارات ستصمد أمام القضاء،
وما إذا كانت الحكومة الاتحادية ستواصل اتخاذ إجراءات ضد فروع أو أفراد أو كيانات
محددة استناداً إلى أدلة وأسس قانونية. وما هو أثر قرارات فلوريدا وتكساس وهل
سيبقى محصوراً في نطاقهما المحلي، أم سيسهم في ترسيخ تحول أوسع في السياسة
الأمريكية تجاه الجماعة.