تُمثل الحركات المسلحة الموقعة على مسار دارفور عنصراً فاعلاً ومحورياً في معادلة الصراع الراهن في السودان، إذ تتجاوز أدوارها الحالية مجرد التحالفات الميدانية المؤقتة لتطال صميم البنية السياسية والعسكرية ومستقبل استقرار البلاد.

فعلى وقع الحرب المشتعلة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، انتقلت هذه الحركات من مربعات الحياد وحماية المدنيين إلى قلب المواجهة العسكرية المباشرة، متأثرة بجذورها الفكرية وتاريخها التنظيمي وشبكة مصالحها المعقدة.

ويعكس هذا التموضع المتشابك صراعاً عميقاً بين رغبة البقاء وحماية الحواضن الاجتماعية في الإقليم، وبين طموحات النفوذ السياسي والمكتسبات السلطوية في العاصمة، مما يجعل قراءة أدوار وتوجهات هذه الفصائل مفتاحاً أساسياً لفهم مآلات الأزمة السودانية برمتها.

 

الجذور الفكرية والتنظيمية

  تتأسس الخريطة الفكرية والتنظيمية لحركات دارفور المسلحة على خلفيات متباينة أفرزت تيارات ذات منطلقات فكرية وسياسية مختلفة. تمثل حركة العدل والمساواة، بقيادة مؤسسها الراحل خليل إبراهيم وشقيقه الدكتور جبريل إبراهيم وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الحالي، امتداداً فكرياً وتاريخياً لتيار الحركة الإسلامية في السودان، إذ تشربت قياداتها وكوادرها الأولى الأدبيات الإسلامية والتنظيمية قبل أن تدفعهم المظالم التنموية والتهميش السياسي والمناطقية في الإقليم إلى انشقاقهم عن السلطة وحمل السلاح ومناهضة نظام الإنقاذ من موقع المعارضة المسلحة الشرسة.

 لوقت قريب كانت هذه الحركة تعتبر الجناح العسكري لحزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الترابي بعد مفاصلته لنظام البشير. في المقابل، تتبنى حركة تحرير السودان بفصيلها الرئيسي بقيادة مني أركو مناوي توجهاً سياسياً مختلفاً يتسم بالنزعة المدنية والعلمانية المفتوحة، رافعة شعارات السودان الجديد وبناء الدولة القائمة على المواطنة المتساوية وهيكلة المؤسسة العسكرية بعيداً عن الأدلجة الدينية. هذا التباين الأيديولوجي الجذري بين إسلامية العدل والمساواة وعلمانية التحرير صنع عبر السنين تنافساً وصراعاً خفياً وظاهراً على زعامة المهمشين في الإقليم، ورسم حدوداً فاصلة في طبيعة الخطاب والتحالفات الاستراتيجية لكل فصيل على حدة.

 

 

الانقسامات البنيوية

لم تسلم هذه الحركات من أمواج التشرذم والانقسام الهيكلي التي ضربت جسدها التنظيمي عبر تاريخها، متأثرة بالاستقطاب القبلي والسياسي وصراعات القيادة والسيطرة الميدانية. فقد شهدت حركة العدل والمساواة انشقاقات بارزة ومتتالية كان أحدثها الانشقاق الخطير الذي قاده القيادي البارز سليمان صندل، الذي اتجه نحو اتخاذ مواقف مغايرة تنادي بضرورة إيقاف الحرب وتقترب في أطروحاتها من القوى المدنية والمناهضة للقتال.

في السياق ذاته، تعرضت حركة تحرير السودان بقيادة مناوي وفصائل مسار دارفور الأخرى لتصدعات عميقة أفرزت مجالس انتقالية وتجمعات موازية انقسمت ولاءاتها بوضوح مع اندلاع النزاع الحقيقي في البلاد. وتوزعت قيادات هذه الحركات بين تيار آثر الانحياز المبكر والعلني للجيش السوداني، وفصيل آخر فضل التمسك بالحياد المبدئي والمطالبة بوقف الحرب، ومجموعات أخرى وجدت نفسها متورطة في انقسامات تنظيمية داخلية حادة جعلت الجسم العسكري والسياسي لكل حركة ممزقاً بين ولاءات متضاربة تعكس تعقيدات النسيج الاجتماعي والقبلي المتشابك في إقليم دارفور.

 

العودة إلى السلطة

  شكل توقيع اتفاق جوبا لسلام السودان في أكتوبر 2020 نقطة تحول كبرى ونقلة نوعية أعادت قادة الحركات المسلحة إلى واجهة المشهد السياسي والتشريعي والتنفيذي في العاصمة الخرطوم، بعد سنوات طويلة من التمرد والحروب والشتات الميداني. ونص الاتفاق على ترتيبات تفصيلية لتقاسم السلطة والثروة، مخصصاً مقاعد رفيعة في مجلس السيادة والوزارات الاتحادية وحكومات الأقاليم، إلى جانب ترتيبات أمنية هادفة لدمج قوات الحركات في المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية.

غير أن هذا الاندماج في السلطة الانتقالية حمل في طياته بذور الأزمة والتجاذب السياسي؛ إذ تعرضت قوى الحرية والتغيير لخذلان سياسي وتكتيكي واضح عندما ساندت قيادات بارزة من هذه الحركات اعتصام القصر الشهير وانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وهو القرار الذي عمق الفجوة بينها وبين القوى المدنية الثورية وقوى الثورة، وأظهر تلك الفصائل في صورة الساعي خلف المكاسب الوزارية والسلطوية الضيقة على حساب التحول الديمقراطي والمشروع الوطني الجامع.

 

التخلي عن الحياد

مع اندلاع الحرب المدمرة بين الجيش والدعم السريع في منتصف أبريل 2023، سعت الحركات المسلحة في البداية إلى إمساك العصا من المنتصف عبر إعلان الحياد وتشكيل القوة المشتركة لحماية المدنيين وتأمين القوافل الإنسانية والتجارية في إقليم دارفور. غير أن ضراوة المعارك واتساع نطاق الانتهاكات ذات الطابع الإثني والعرقي، لا سيما في مدن الجنينة وزالنجي ونيالا والضعين واستهداف الحواضن الاجتماعية، دفعت قادة بارزين مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم ومصطفى تمبور ومالك عقار إلى إعلان التخلي التام عن الحياد والانحياز للجيش السوداني.

شاركت قوات الحركات بفعالية ميدانية كبيرة في معارك أم درمان القديمة وسنار والقضارف وشرق الجزيرة، وشكلت درعاً حصيناً لحماية مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور قبل سقوطها على يد الدعم السريع ، مستفيدة من خبرتها الطويلة في حروب الصحراء والكر والفر وتكتيكات القتال الميداني.

في المقابل، أدى هذا التحول إلى تعميق الانقسامات داخل الحركات نفسها، حيث تمسك آخرون مثل الهادي إدريس والطاهر حجر بمبدأ الحياد المباشر، مما تسبب في إقالتهما من مناصبهما السيادية في مجلس السيادة بقرارات رسمية وتفاقم التصدعات التنظيمية والميدانية بين المجموعات المسلحة.

 

 

التمسك بالوزارات الإيرادية

  لم تحجب ظروف الحرب القاسية والدمار الشامل الذي لحق بالبلاد طموحات قادة حركات دارفور في المحافظة على نفوذهم الاقتصادي والسياسي، حيث أظهرت الممارسات الميدانية تمسكاً صارماً بالحقائب الإيرادية والسيادية الحساسة، وعلى رأسها وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي التي يديرها الدكتور جبريل إبراهيم. واستغلت القيادات المسلحة هشاشة الأوضاع السياسية وضعف مؤسسات الحكم الانتقالي لتثبيت نفوذها والتأثير المباشر على القرارات التنفيذية، وفرض أجندتها ومحاصصاتها في حكومة كامل إدريس، متجاوزة في كثير من الأحيان متطلبات الإصلاح الاقتصادي والشفافية الرقابية والمالية.

مارست هذه القيادات ضغوطاً سياسية وهيكلية مستمرة لضمان بقاء مصالحها ومخصصاتها المالية والتنفيذية بمعزل عن التقييم الكفؤ أو الرقابة المؤسسية المستقلة، مما أثار انتقادات واسعة داخل أروقة الدولة والمجتمع، واعتبره المراقبون نوعاً من الابتزاز السياسي والتكتيكي الذي يعطل جهود بناء دولة المؤسسات والقانون في خضم أزمة وطنية وإنسانية غير مسبوقة.

 

الهواجس العسكرية

 تتصاعد في الأفق تخوفات عميقة لدى قيادات حركات دارفور المسلحة من تداعيات التحولات العسكرية والميدانية الجارية على الأرض، خصوصاً مع تنامي المجموعات المسلحة الجديدة وتحالفات الجيش المستحدثة، مثل التفكير والاتجاه الميداني لتأسيس وتمدد قوة درع الغرب لتكون خصماً عسكرياً وسياسياً مباشراً يحد من نفوذ الحركات وهيمنتها التاريخية. وتخشى هذه الحركات من أن تؤدي عودة قيادات من قوات الدعم السريع الى حدوث تفاهمات وتسويات تكتيكية مع قيادة الجيش ، أو صعود تشكيلات قتالية قبلية ومناطقية منافسة، وأن تتحول تلك الكيانات لخصم سياسي وعسكري يبتلع نفوذها التاريخي في الإقليم والمركز.

وفي هذا السياق المعقد، برزت توترات واسعة وانتقادات حادة وجهها القيادي بمجلس الصحوة الثوري، المهندس فتحي موسى هلال، تعقيباً على تصريحات حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي المتعلقة بالتشكيلات المسلحة وقوات حرس الحدود؛ إذ انتقد نجل موسى هلال موقف مناوي معتبراً أنه لم يكن موفقاً في مقاربته، ومؤكداً أن قوات حرس الحدود تمثل إحدى وحدات القوات المسلحة السودانية التاريخية والرسمية ولا يجوز التعامل معها بمنطق الإقصاء أو الاحتكار الفصائلي، ومشيراً إلى أن أزمة دارفور لا يمكن تختزل في رؤية أو مصالح طرف واحد.

بالتزامن مع ذلك، أطلق القيادي العسكري المنشق عن قوات الدعم السريع، الملقب بـ"السافنا"، تحذيرات شديدة اللهجة من مخاطر التقسيم الجغرافي والعرقي والديني للسودان، معلناً عن تحركات ميدانية مكثفة للجيش والقوات المساندة له باتجاه إقليم كردفان كمحطة أولى تمهيداً لنقل العمليات العسكرية وتحرير إقليم دارفور بالكامل من الميليشيات. ودعا السافنا أبناء القبائل والمكونات الاجتماعية في دارفور وكردفان إلى مغادرة صفوف الدعم السريع والعودة لخدمة الوطن، بالتزامن مع تفعيل المصالحات وتنسيق الجهود مع القيادات الأهلية والعسكرية البديلة، مما وضع حركات مسار دارفور أمام تحديات وجودية جديدة تخشى فيها تراجع رصيدها العسكري والاجتماعي لصالح تحالفات قبلية وشعبية صاعدة.

 

 

مستقبل الحركتين

يقف مستقبل حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان بقيادة مناوي أمام مفترق طرق مصيري وتحديات وجودية غير مسبوقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمآلات الحرب الحالية وتوازنات ما بعد انتهاء المعارك. فعلى الصعيد العسكري، تواجه حركات مسار دارفور مخاطر تفكك احتكارها التاريخي للسلاح والتمثيل العسكري والتفاوضي في الإقليم، في ظل صعود تشكيلات قبلية جديدة ومجموعات منشقة وقوات مساندة للجيش مثل قوات درع الغرب ودرع السودان وقوات حرس الحدود المعاد هيكلتها ومكونات الإدارة الأهلية المسلحة، مما ينذر بتحول الإقليم إلى بيئة شديدة التنافس والهشاشة العسكرية قد تخرج فيها الكيانات التقليدية خاسرة لسيطرتها الميدانية الحصرية.

أما على الصعيد السياسي والاجتماعي، فإن رهان هاتين الحركتين على التحالف المباشر مع قيادة الجيش والمشاركة في هياكل السلطة الانتقالية  دون قاعدة شعبية مستدامة يعرضها لتآكل الرصيد الأخلاقي والجماهيري، خصوصاً مع تفاقم الأزمات الإنسانية والاتهامات المتكررة بالسعي نحو المكاسب الحزبية والوزارية الضيقة والتمسك بالحقائب الإيرادية كوزارة المالية على حساب آلام النازحين واللاجئين في مخيمات الإقليم.

يضع هذا الوضع المتأزم قيادات الحركتين أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الاستمرار في براغماتية السلطة والتحالفات المؤقتة التي قد تفضي إلى العزلة السياسية والاجتماعية الكاملة في حال حدوث تسويات سياسية كبرى بمعزل عنهم، أو الشروع الفوري في مراجعة شاملة وجريئة للخطاب السياسي والعسكري، والانخراط في تسوية وطنية ديمقراطية شاملة تعيد الاعتبار لمشروع السلام الحقيقي، وتضمن حقوق المهمشين، وتؤسس لجيش مهني قومي واحد، وتمنع انزلاق دارفور والسودان بأسره نحو مستنقع الكانتونات القبلية والميلشياوية المدمرة.

 

 

آراء خبيرة

يرى علي محمود علي، الباحث المختص بالسودان في مؤسسة «أكليد» لرصد النزاعات، في تحليله لتحركات جبهات القتال خلال عام 2026، أن مسار الحرب يتجه نحو استنزاف طويل أكثر من اتجاهه إلى حسم السيطرة على شمال دارفور ومحيط الأبيض. ويوضح أن تقدم القوة المشتركة في أجزاء من شمال وغرب دارفور أجبر الدعم السريع على إعادة توجيه قوات كانت مخصصة لجبهة الأبيض، بما يكشف استمرار قدرة هذه القوة على التأثير في توزيع جهد الخصم. لكنه يشدد على أن المدنيين يدفعون ثمن هذا الجمود، وسط أخطار العمليات البرية والطائرات المسيّرة   (إلى أين تتحرك جبهة القتال في السودان؟»، أكليد، تحليل يتناول تطورات يونيو ويوليو 2026)

وبالاستناد إلى هذه القراءة، تستنتج الدراسة أن الحركتين قد تحتفظان بقيمة عسكرية داخل تحالف الجيش، لكن تحويل هذه القيمة إلى نفوذ سياسي دائم يظل مشروطاً بالحفاظ على تماسك قواتهما وصلتهما بالمجتمعات المحلية. فإطالة الحرب قد تزيد حاجة الجيش إليهما، وفي الوقت نفسه تستنزف مواردهما البشرية وتضعف قدرتهما على الوفاء بوعود حماية السكان؛ لذلك لا تعني المكاسب التكتيكية بالضرورة تحسن موقعهما في تسوية نهائية.

يربط الكاتب والمحلل السوداني عثمان ميرغني، في مقاله «من السلاح إلى الدولة... اختبار حركات دارفور» المنشور في «الشرق الأوسط» في 23 أبريل 2026، استدامة الدور السياسي للحركات بقدرتها على التحول إلى شريك في بناء الدولة. ويرى أن الجمع بين المواقع الحكومية وقوة مسلحة مستقلة ينطوي على عدم استقرار طويل الأجل، وأن المناصب ينبغي أن تخضع لتقييم الأداء والمساءلة. ويدعو إلى دمج القوات ضمن تسلسل رسمي موحد، وإلى برامج سياسية تتجاوز التعبئة الجهوية وتكتسب شرعيتها عبر التداول الديمقراطي. وفي تطبيق هذه الرؤية على الحركتين، تستنتج الدراسة أن الحفاظ على الحقائب والمناصب وحده لا يكفل مستقبلهما، ما لم يصاحبه بناء قاعدة مدنية وبرنامج قابل للمحاسبة.

وعليه، ترجّح هذه الدراسة استمرار الحركتين فاعلين عسكريين وسياسيين ما دامت الحرب تفرض الحاجة إلى قواتهما، مع بقاء حجم نفوذهما عرضة للتغير. ويبدو المسار الأكثر استدامة لهما مرتبطاً بتسوية تجمع الترتيبات الأمنية المتفق عليها والتمثيل السياسي وحماية حقوق مجتمعات دارفور. أما استمرار الاستنزاف مع غياب هذه الضمانات، فيرفع احتمال انقسامات جديدة وتراجع الاستقلالية داخل التحالفات الأكبر. وهذا تقدير استشرافي مستخلص من القراءات السابقة، وليس تنبؤاً منسوباً حرفياً إلى أصحابها.

وتحذر أريج الحاج، محررة المحتوى العربي في معهد واشنطن والمحللة السياسية، في مقال نشره المعهد في 21 مايو 2026، من أن انتقال قادة من الدعم السريع إلى معسكر الجيش قد يفتح باباً لتفتت دارفور وصراعات قبلية متوازية، إذا ظل هؤلاء محتفظين بولاءاتهم وشبكاتهم المسلحة. وتربط هذا الخطر مباشرة بقوات مناوي وجبريل، التي كانت تقاتل هؤلاء المنشقين حتى وقت قريب، معتبرة أن غياب مصالحة حقيقية وسريعة يبقي دوافع الانتقام قائمة. وتعرض هذه التطورات بوصفها مسارات محتملة قد تتيح التسوية أو تعجّل بالتشظي، لا باعتبارها نتيجة محسومة.

وتشير هذه القراءة، في تقدير الدراسة، إلى أن مستقبل الحركتين يتوقف أيضاً على طريقة إدارة الخلافات داخل المعسكر المتحالف مع الجيش. فقد يضعف انشقاق قادة الدعم السريع خصمهما عسكرياً، لكنه يخلق منافسين على التمثيل المحلي والموارد والترتيبات الأمنية. ومن ثم تزداد أهمية اتفاقات واضحة بشأن القيادة والمساءلة وحماية المدنيين، تحول دون نقل الخصومات السابقة إلى مواجهة جديدة بين حلفاء الأمس القريب.