تفاعلات انضمام السويد إلى الناتو

تقديرات

تفاعلات انضمام السويد إلى الناتو

28-Dec-2023

عادت الأنظار مجدداً إلى عضوية السويد في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث وافقت لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان التركي في السادس والعشرين من ديسمبر 2023 على بروتوكول انضمام ستوكهولم إلى التكتل العسكري، بعد تأخير دام 19 شهراً؛ تمهيداً لإحالته إلى الجمعية العامة للبرلمان. تتماشى الخطوة مع الالتزام الذي قطعه أردوغان أمام الحلف في قمته في يوليو بإحالة بروتوكول الانضمام إلى البرلمان للتصديق عليه، إلا أن مراقبين يرون أن ذلك يعد إجراء شكلياً في ظل الأغلبية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية الذي يقوده الرئيس التركي نفسه، والذي يمتلك سجلاً حافلاً في رفض مطالب السويد.

مرّ مسار انضمام السويد إلى الناتو بعدة مراحل بداية من ترشحها في عام 2022 رفقة فنلندا، وتوقيع الدولتين مذكرة ثلاثية مع تركيا لتنفيذ مطالب منها حظر بعض الأحزاب والجماعات المحظورة في تركيا وتسليم مطلوبين لها، حيث تم تشكيل آلية لمتابعة تطبيق تلك المذكرة. وعلى عكس فنلندا، تعثر مسار انضمام السويد بسبب حوادث منها تظاهرات مناهضة لتركيا نظمها أنصار حزب العمال الكردستاني، وسماح السلطات السويدية لزعيم حزب "الخط المتشدد" الدنماركي اليميني المتطرف راسموس بالودان بإحراق نسخة من القرآن الكريم قرب السفارة التركية في ستوكهولم، وسط حماية من الشرطة، التي منعت اقتراب أي أحد منه أثناء ارتكابه العمل الاستفزازي.

الموافقة التركية

من أبرز العوامل التي تدفع إلى الموافقة على انضمام السويد، زيادة الضغوط الأمريكية والغربية، وهو ما أوصل رسالة تحذيرية إلى أنقرة التي رأت أنها تواجه موقفاً قوياً من الغرب، خاصة وسط الانتقاد المتزايد لتنامي علاقاتها مع روسيا، بالإضافة إلى تزايد النقاش حول دورها السلبي كعضو في حلف الناتو.

بالتزامن مع ذلك، من المتوقع أن تكون تركيا قد رصدت محاولة الدول الغربية تنشيط الناتو والعمل على زيادة التنسيق بين أعضائه. وهذا قد تنظر إليه تركيا من جانبين، الأول: أن إعادة النشاط للحلف بعد الحديث عن "موته سريراً" خلال السنوات السابقة، تدفعها إلى تعزيز وجودها فيه بما يزيد قوتها ونفوذها. أما الجانب الثاني: فيمكن أن تكون تركيا رأت في زيادة قوة الحلف تهديداً لها خاصة في ظل تنامي علاقتها مع روسيا، وبالتالي أرادت من خلال هذه الخطوة ترطيب الأجواء مع الدول الغربية.

في المقابل، سعت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وبالتوازي مع الرسائل السلبية إلى إغراء أنقرة عبر التلويح بتقديم بعض الامتيازات السياسية والعسكرية، مما شكل دافعاً قوياً خاصة أن تركيا تعاني أزماتٍ اقتصاديةً، وهي بحاجة إلى مزيد من التعاون مع الدول الغربية.

المقابل

ارتبط ملف انضمام السويد إلى الناتو بمطالب وخلافات تركية مع الغرب، دفعت أنقرة إلى المماطلة في إحالة الطلب إلى البرلمان للموافقة عليه. في هذا السياق قال أردوغان خلال ديسمبر الجاري، إنّ البرلمان لن يتخذ أي قرار بشأن السويد إلا إذا وافق الكونغرس الأمريكي على بيع بلاده عشرات الطائرات المقاتلة من طراز 6F-1، وقطع غيار، إضافة إلى رفع حلفاء آخرين في "الناتو" من بينهم كندا حظر الأسلحة المفروض على تركيا. فيما ذكرت صحيفة "حرييت" أن واشنطن تنتظر تصديق البرلمان التركي على انضمام السويد قبل تنفيذ صفقة طائرات "إف-16" مع أنقرة. اعتمد مجلس النواب الأمريكي في يوليو 2022 تعديلاً لميزانية الدفاع يحظر بيع مقاتلات جديدة (إف 16) ومكونات لتحديثها إلى تركيا، ما دامت تنتهك المجال الجوي اليوناني، بعد أن تم في عام 2019 استبعاد أنقرة من برنامج إنتاج مقاتلات الجيل الخامس من طراز F-35 بسبب شراء أنظمة الصواريخ الروسية S-400.

طالبت تركيا السويد بخطوات أوسع في كبح جماح الأعضاء المحليين في حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة جماعة إرهابياً، واستجابت ستوكهولم لذلك بإقرار مشروع قانون جديد لمكافحة الإرهاب يجعل العضوية في منظمة إرهابية غير قانونية، مع رفع القيود المفروضة على تصدير الأسلحة إلى تركيا، كما تقول إنها التزمت بالجزء الخاص بها من صفقة وقعت العام الماضي.

من جهة أخرى ربما تكون الموافقة على انضمام السويد بعد مفاوضات وصفت بالشاقة مؤشراً على أن تركيا قررت إحداث نوع من التغيير في سياستها الخارجية. إذ يرى مراقبون أن أنقرة كانت تماطل ليس فقط من أجل الحصول على بعض التنازلات، بل أيضاً ارتباطاً بتنامي علاقاتها مع روسيا التي ترفض بشدة توسع الناتو، وبالتالي يكون الموقف الجديد ناتجاً عن توجه لدى أنقرة يقتضي تنشيط العلاقات مع الدول الغربية بغض النظر عن تأثير ذلك في العلاقة مع موسكو.

twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 90