الانتخابات الفرنسية:  سباق محتدم واليمين المتطرف في المقدمة

تقديرات

الانتخابات الفرنسية: سباق محتدم واليمين المتطرف في المقدمة

26-Jun-2024

في 30 يونيو الجاري، يتوجه الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع ، للإدلاء بأصواتهم في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية المبكرة التي دعا إليها الرئيس إيمانويل ماكرون، بعد أن تعرض معسكره لنزيف الأصوات في الانتخابات الأوروبية في وقت سابق من يونيو، ومن المقرر إجراء جولة الإعادة في 7 يوليو. 

بعد ساعة من فوز حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة جوردان بارديلا ومارين لوبان، على تحالف التجديد بزعامة ماكرون في الانتخابات الأوروبية، ظهر الرئيس الفرنسي على شاشة التلفزيون ليقول إنه لا يستطيع التصرف وكأن شيئاً لم يحدث.

 وبعد أن حصل حزب التجمع الوطني على 31.4% من الأصوات مقابل 14.6% لحزبه، قال إن الوقت قد حان للشعب الفرنسي والساسة "الذين لا يدركون أنهم وسط حمى التطرف" لبناء ائتلاف جديد ولم يكن بحاجة إلى الدعوة لانتخابات الجمعية الوطنية لأنها أجريت آخر مرة في يونيو 2022، ولم يكن من المقرر إجراء تصويت آخر حتى عام 2027. 

منذ ذلك الحين أصر ماكرون على أن هذا هو "الحل الأكثر مسؤولية"، ويبدو أن السيد ماكرون كان يفكر في الدعوة إلى انتخابات منذ أشهر، لكن فرنسا منشغلة حالياً بالاستعداد لدورة الألعاب الأولمبية في باريس من 26 يوليو إلى 11 أغسطس، (بي بي سي – 21 يونيو).

تتنافس أربعة كتل رئيسية في الانتخابات وهي حركة النهضة بزعامة الرئيس ماكرون، وحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، والجبهة الشعبية الجديدة اليسارية، وحزب الجمهوريين المحافظ. تحمل هذه الكتل عدة ملفات خلافية في برامجها الانتخابية، وتركز بالدرجة الأولى على القضايا الاجتماعية التي تُعرف بالقوة الشرائية والضمان الاجتماعي وعدم المساواة، تليها القضايا الاقتصادية مثل النمو والديون والتضخم ومعالجة العجز، بالإضافة إلى قضية الهجرة.

ووعد حزب التجمع الوطني بخفض ضريبة القيمة المضافة على الطاقة والوقود، في حين قالت الكتلة اليسارية إنها سترفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 14%. كما كان رفعُ سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً جزءاً من برنامج سياسة ماكرون في عام 2022، وتم فرض هذا الإجراء من خلال البرلمان في عام 2023. 

تدعو العديد من المجموعات السياسية إلى التراجع عن الإصلاح الذي لا يحظى بشعبية، وتعارض جميع الأحزاب اليسارية إصلاح نظام التقاعد لعام 2023، الذي تريد إلغاءه. ويذهب برنامجها السياسي إلى أبعد من ذلك، حيث يهدف إلى استعادة الحق في التقاعد عند سن الستين. كما تخطط تلك الأحزاب لرفع الحد الأدنى من معاشات التقاعد إلى مستوى الحد الأدنى للأجور ورفع الحد الأدنى من معاشات الشيخوخة إلى مستوى عتبة الفقر.

ليست لدى حزب الرئيس أية خطط لإحياء النقاش حول معاشات التقاعد من الآن وحتى عام 2027. وقد أعرب ماكرون عن خيبة أمله في مايو لعدم تمكنه من تنفيذ خطته الأولية لعام 2017، وهي إصلاح شامل يخلق نظامَ تقاعدٍ واحداً قائماً على النقاط. ولم يعد هذا الإصلاح الشامل على جدول الأعمال.

ويقترح اليسار رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1600 يورو شهرياً، ورفع نقطة المؤشر لموظفي الخدمة المدنية وربط الأجور بالتضخم. بالإضافة إلى ذلك، يقترح تنظيم مؤتمر اجتماعي كبير حول الأجور والتوظيف والمؤهلات، إلا أنه في شهر مارس، أعلن وزير المالية برونو لومير أنه يريد زيادة مبلغ الأموال التي يجلبها العمال الفرنسيون إلى وطنهم عن طريق تحويل إسهامات الضمان الاجتماعي التي يدفعها الموظفون إلى ضرائب القيمة المضافة، كما يقترح الجمهوريون زيادة الأجور الفرنسية عن طريق خفض إسهامات الضمان الاجتماعي للموظفين الذين يكسبون أقل من ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور (أي صافي 4200 يورو)، كما يريد التجمع الوطني تشجيع زيادة الأجور حيث يقترح إعفاء هذه الزيادات من إسهامات أصحاب العمل، بحد أقصى 10% وما يصل إلى ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور.

وفي وقت تريد فيه الجبهة الشعبية الجديدة فرض الضرائب على الأغنياء ترفض النهضة أي زيادات ضريبية كما يريد الجمهوريون خفض الضرائب بينما يريد التجمع الوطني فرض ضريبة على الأصول المالية. وفيما يتعلق بأسعار الطاقة تؤيد الجبهة الشعبية الجديدة تجميد الأسعار كما تَعِد النهضة بخفض أسعار الكهرباء، وبدروه يَعِد التجمع الوطني بتخفيض جذري، وفي الوقت نفسه ينقسم الجمهوريون حول ذلك.

وفيما يخص الحرب الأوكرانية، تتفق منظمات الجبهة الشعبية الجديدة على الدفاع عن "حرية الشعب الأوكراني"، كما لم يؤكد ماكرون فقط دعم فرنسا لأوكرانيا، ووعد بالطائرات والأسلحة والذخيرة، لكنه يعتقد الآن أنه لم يعد من المحرمات إرسال مدربين فرنسيين إلى الأراضي الأوكرانية لتدريب القوات الأوكرانية، ويريد الجمهوريون مساعداتٍ ماليةً أعلى، ومن ناحية أخرى يعارض الحزب اليميني عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، فيما يُعَدّ التجمع الوطني مراوغاً بشأن هذا الملف حيث لم يتضح موقفه الفعلي من ذلك.

اعترافاً بالغضب ضده الذي عبر عنه العدد القياسي من الأصوات لليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية في وقت سابق من هذا الشهر والذي دفعه إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، وعد ماكرون بالتغيير إذا أعيد انتخاب حكومته. وكتب في رسالة مفتوحة نُشرت في الصحف: "الهدف لا يمكن أن يكون مجرد الاستمرار على ما كانت عليه الأمور. لقد سمعت أنكم تريدون التغيير" وقال "إن الطريقة التي نحكم بها يجب أن تتغير بشكل عميق"، مشيراً على وجه الخصوص إلى "ردود فعل إدارته الأقوى والأكثر صرامة" بشأن "انعدام الأمن والإفلات من العقاب"، في إشارة إلى تركيز حزب الجبهة الوطنية على القضايا الأمنية، وقال إنه سيكمل ولايته حتى عام 2027، بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات البرلمانية، في مواجهة الدعوات التي تطالبه بالتنحي في حالة فوز حزب الجبهة الوطنية.

ومن الواضح أنه أراد كسر الجمود، بعد فشله في تأمين الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية في يونيو 2022، خاصة وقد أصبح إقرار القوانين بمثابة صداع حقيقي، فقد اضطر إلى فرض إصلاحات التقاعد دون تصويت بينما كانت قواعد الهجرة الأكثر صرامة تتطلب دعم التجمع الوطني.

ورغم عدم التيقن تماماً بشأن النتائج المتوقعة للانتخابات الفرنسية المقبلة، لا يمكن أن يكون هنام تقليل من شأن النفوذ المتنامي لليمين المتطرف في السياسة الفرنسية وأوروبا بشكل عام. وقد استفادت هذه الأحزاب من موجة السخط بين الناخبين غير الراضين عن سياسات الحكومة الحالية بشأن التنمية الاقتصادية، والهجرة، والأمن. وفي الجولة الأولى من الانتخابات العامة المبكرة في فرنسا، سيحصل الائتلاف الذي يقوده حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان على أكبر عدد من الأصوات، وفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة. 

الأحزاب اليسارية والبيئية ستحتل المركز الثاني بنسبة 29.5%، وبحسب الاستطلاع، فإن تحالف ماكرون سيتراجع إلى المركز الثالث بنسبة 19.5% من الأصوات.  في الوقت نفسه، أظهر استطلاع أجراه معهد أودوكسا أنه من المتوقع أن يحصل حزب الجبهة الوطنية على 33%، والجبهة الشعبية على 28%، والحزب الحاكم على 19%، وأظهر استطلاع آخر أجرته مؤسسة Opinionway-Vae Solis حصول ائتلاف حزب التجمع الوطني على 35%، والجبهة الشعبية على 28%، والتحالف الذي شكله الحزب الحاكم على 22% (الأناضول، 23 يونيو).

ويضع الناخبون ثقة أكبر في حزب التجمع الوطني، مقارنة بالمجموعات الأخرى حول كيفية تعامله مع الاقتصاد، رغم افتقاره إلى الخبرة الحكومية وغياب خطة تمويل محددة. والسؤال الذي يدور في أذهان الجميع، هو ما إذا كان التجمع الوطني المناهض للهجرة سيحكم البلاد، ويحتاج حزب لوبان إلى 289 مقعداً على الأقل حتى يتمكن من تحقيق الأغلبية في البرلمان الفرنسي.

في الوقت الحالي يبدو من المرجح أن يحقق اليمين المتطرف مكاسبَ كبيرةً على خلفية حملة ناجحة في الانتخابات الأوروبية. ومرة أخرى، يجب التعامل مع استطلاعات الرأي بقدر من الحذر، لكن حزب التجمع الوطني قد يحصل على ما بين 195 و245 مقعداً، وفقاً للتوقعات الحالية. سيكون ذلك بمثابة زيادة قياسية عن عدد النواب الحالي البالغ 88 نائباً، وإذا حصل اليمين المتطرف على الأغلبية في البرلمان، فسيتعين على الرئيس الفرنسي الدخول في ترتيب "تعايش" مع حزب التجمع الوطني وتعيين رئيس وزراء يميني متطرف. وقال بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني، إنه لن يسعى لقيادة حكومة ما لم يحصل على الأغلبية. ومن المفترض أن يعني ذلك أنه سيحتاج إلى شركاء في الائتلاف، أو أنها إستراتيجية انتخابية لتحقيق إقبال كبير (بولتيكو -20 يونيو).

نظام الجولتين يعني أنه لا يوجد شيء واضح المعالم، وحتى لو تأهل حزب التجمع الوطني للجولة الثانية في عدد كبير من الدوائر الانتخابية، فمن الممكن أن يختار الناخبون اعتماد "التصويت التكتيكي" لإبقاء الحزب خارج البلاد، ويملكون 88 مقعداً في البرلمان المنتهية ولايته، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أنهم قد يتجاوزون 200 مقعد. 


twitter icon threads icon 66