مقالات تحليلية
قراءة تفسيرية للأزمة الاقتصادية الهيكلية في إيران
07-Jan-2026
عندما يغلق "البازار" (طبقة التجار) أبوابه احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، فإن ذلك معناه أن نظام الجمهورية الإسلامية يواجه اختباراً صعباً. فقد اعتادت إيران على اندلاع موجات متتالية من الاحتجاجات، لكن معظمها قادتها فئات اجتماعية أو نخبوية تبنت مطالب محددة وسرعان ما تم احتواؤها عبر أدوات مختلفة. لكن هذه المرة، يبدو الوضع مختلفاً، فطبقة التجار – التي بدأت الاحتجاجات في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 - تمثل حليفاً تقليدياً لنخبة رجال الدين في إيران، وكان لها دور بارز في الثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي في عام 1979، وبالتالي عندما تعترض على السياسات التي تتبناها الحكومة وعلى التداعيات التي فرضتها الأزمة الاقتصادية، فإن ذلك يؤشر إلى مدى عمق الأزمة الاقتصادية التي تواجهها إيران خلال المرحلة الحالية.
أسباب مباشرة
يمكن القول إن العنوان الرئيسي للأزمة
الاقتصادية الحالية التي تواجهها إيران يتمثل في ارتفاع مستوى التضخم وانهيار
العملة الوطنية. فقد وصل التضخم على أساس سنوي في إيران إلى نحو 52% (سويس انفو، 4
يناير/كانون الثاني 2025)، فيما فقدت العملة الوطنية (التومان) نحو نصف قيمتها
خلال عام 2025، حيث وصل الدولار إلى أكثر من 144 ألف تومان (الشرق الأوسط، 31
ديسمبر/كانون الأول 2025). فيما وصل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى أدنى مستوياته
في عام 2025، بنسبة 0.6% (The Guardian, 31 Dec
2025). ولم تنجح الإجراءات التي اتخذتها الحكومة
في تقليص مستوى التضخم أو وقف انهيار التومان، بل إنها سمحت بسبب القيود التي
تتعرض لها والخيارات المحدودة المتوافرة أمامها بارتفاع أسعار السلع الغذائية
بنسبة وصلت إلى 72%(اندبندنت عربية، 29 ديسمبر/كانون الأول 2025).
هنا، كان لافتاً أن هذه المؤشرات السلبية فرضت
تأثيرات مباشرة على كل الفئات الاجتماعية في إيران. إذ لم يعد التجار قادرين على استيراد
السلع من الخارج، بعد أن ساهم انهيار العملة الوطنية في ارتفاع فاتورة الواردات
بشكل لا يستطيعون تحمله، خاصة في ظل عدم قدرة الحكومة على توفير السيولة الدولارية
التي يمكن أن تتيح إبرام صفقات أو استيراد مزيد من تلك السلع. كما أن ارتفاع مستوى
التضخم أدى إلى تآكل مدخرات الطبقة الوسطى التي تمثل تاريخياً ما يمكن تسميته
بـ"رمانة الميزان" في التوازن المجتمعي الإيراني، وكان لها دور رئيسي في
معظم الأحداث المفصلية التي شهدتها إيران على مدى تاريخها.
ومن دون شك، فإن الأمر يمتد بدوره إلى
الطبقة الدنيا التي لم تعد لديها القدرة على تلبية احتياجاتها المعيشية، خاصة أن
الدعم النقدي الذي تقدمه الحكومة لم يعد يساعد في تحقيق ذلك، في ظل تآكل قيمته
الشرائية نتيجة الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية. وقد أشارت تقديرات
عديدة إلى أن نحو 30 مليون إيراني أصبحوا تحت خط الفقر، في ظل التدهور المستمر في
الأوضاع الاقتصادية، يرجح أن ينضم إليهم مليونا شخص آخرين خلال عام 2026، إذا لم
تنجح الحكومة في تقليص حدة الأزمة الاقتصادية الحالية (اندبندنت عربية، 31
ديسمبر/كانون الأول 2025).
ولذا، لم يكن مفاجئاً أن انتقلت
الاحتجاجات الحالية من حيزها الضيق الذي يتمثل في طبقة التجار إلى الفضاء الأوسع،
بعد أن بدأت فئات عديدة في المشاركة بها، على غرار طلاب الجامعات، حيث اندلعت في
بعض الجامعات الرئيسية تظاهرات منددة بتصاعد حدة الأزمة الاقتصادية، مثل جامعات
طهران، وامير كبير، وبهشتي، والعلامة طباطبائي، وخواجة نصير الدين طوسي وغيرها. وتوازى
ذلك مع استمرار المظاهرات الفئوية التي كانت سابقة على تلك الاحتجاجات، والتي
يقودها المتقاعدون والأطباء والممرضون والخبازون وغيرهم، وكلها تظاهرات كان السبب
الرئيسي لها هو تفاقم الضغوط التي يتعرضون لها بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة
التي تواجهها إيران.
انقسام داخلي
ربما يمكن القول إن إحدى السمات الرئيسية
لهذه الاحتجاجات تتمثل في الاستقطاب الواضح داخل مؤسسات الدولة بين اتجاهين: الأول،
تقوده الحكومة التي "تعاطفت" مع مطالب المحتجين وأقرت شرعيتها بل واعترفت
بمسؤوليتها عنها عندما أعلنت عن إقالة محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين بعد
انتقاد أداءه وفشله في وقف نزيف العملة الوطنية وتقليص مستوى التضخم، مع تعيين
وزير الاقتصاد السابق عبد الناصر همتي (الذي تولى منصب محافظ البنك المركزي في
حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني).
والثاني، يمثله
تيار المحافظين الأصوليين الذي يسيطر على مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، ويتبنى
سردية تقوم على أن تلك الاحتجاجات تمثل مخططاً تدعمه قوى خارجية ويهدف إلى تقويض
دعائم النظام ونشر الفوضى وعدم الاستقرار في الداخل. وقد عبر حسين شريعتمداري رئيس
تحرير صحيفة "كيهان" – التي تعد الصحيفة الأقرب إلى مكتب المرشد الأعلى
للجمهورية علي خامنئي – عن هذه الرؤية في الافتتاحية التي كتبها في 29 ديسمبر/كانون
الأول 2025 (صحيفة كيهان، 29 ديسمبر/كانون الأول 2025)، والتي اتهم فيها المحتجين
بتنفيذ مخططات إسرائيلية.
هذا الاستقطاب الحالي مرشح لمزيد من
التصاعد بحكم اختلاف وجهات نظر الاتجاهين حول آليات مواجهة الاحتجاجات. إذ أشار
الرئيس مسعود بزشكيان، في أول يناير/كانون الثاني 2026، إلى أن الحكومة تستهدف
إجراء إصلاحات اقتصادية عبر محاربة الرشوة والريع والفساد، محذراً من ضغوط تمارس
على وزراء ومسؤولين من أجل إرباك الإصلاحات (الشرق الأوسط، 1 يناير/كانون الثاني
2026). وألمح الرئيس بزشكيان إلى أن العقوبات الدولية والأمريكية المفروضة على
إيران ليست هي وحدها السبب في الأزمة الاقتصادية التي تواجهها إيران حالياً، وهى
إشارة لها مغزاها ومفادها أن هناك قوى داخلية تضع عقبات عديدة أمام برنامجه
الاقتصادي الذي يحاول تنفيذه منذ وصوله إلى السلطة في أغسطس/آب 2024. وسبق
لبزشكيان أن وجه انتقادات ضمنية للسياسات التي يتبناها النظام ويرى أنها تعرقل
برنامجه الاقتصادي وتضاعف من حدة الأزمة الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق باستنزاف
الخزينة الإيرانية في الإنفاق على دعم بعض الميليشيات المسلحة في المنطقة خاصة في
دول الأزمات. إذ قال، في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025: "ننام على الذهب ولكننا
جائعون" (روسيا اليوم، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025).
ورغم أن تيار المحافظين الأصوليين يشارك
الرئيس في الرؤية القائمة على أن العقوبات الدولية والأمريكية ليست السبب الوحيد
الذي أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، فإنه في الوقت نفسه يرى أن المشكلة تكمن في
الرئيس وحكومته، وبمعنى أدق في الأداء الحكومي، وعدم اختيار وزراء ومسؤولين أكفاء
يستطيعون التعامل مع الأسباب الرئيسية لتلك الأزمة وتقليص حدتها. ومن هنا، مارس
هذا التيار منذ منتصف العام الأول لفترة الرئيس بزشكيان ضغوطاً على وزراء الحكومة،
لاسيما وزراء المجموعة الاقتصادية، ونجح في حجب الثقة عن وزير الاقتصاد والمالية عبد
الناصر همتي في 2 مارس/آذار 2025. كما مارس ضغوطاً في مرحلة لاحقة على بعض الوزراء
الآخرين مثل وزيرة الطرق والتنمية الحضرية فرزانه صادقي.
وقد كان لافتاً أن بزشكيان تعمد اختيار
همتي لمنصب محافظ البنك المركزي خلفاً لمحمد رضا فرزين. ورغم أنه استند في هذا
السياق إلى أن هذا الاختيار جاء بعد مصادقة مجلس الوزراء، وإلى أن همتي يمتلك خبرة
سابقة كونه تولى المنصب في عهد الرئيس الأسبق حسن روحاني، فإن الأمر لا يخلو من
محاولة لتصعيد حدة التوتر مع تيار المحافظين الأصوليين وتأكيد أن الرئيس لن يقف
صامتاً أمام محاولات الأخير محاصرته وعرقلة برنامجه الاقتصادي.
تحديات قائمة
أعلن الرئيس بزشكيان أن الحكومة سوف تتخذ
إجراءات عاجلة لتقليص حدة الضغوط التي تفرضها الأزمة على المواطنين والتجار، وأشار
إلى أن همتي مكلف بتحقيق ثلاثة أهداف هي تخفيض مستوى التضخم وتعزيز العملة الوطنية
ومعالجة سوء إدارة البنوك.
كما كشفت الحكومة عن خطة لمواجهة الضغوط
الاقتصادية الحالية التي تسببت في اندلاع الاحتجاجات، تضمنت 15 مادة، من بينها منح
المواطنين الإيرانيين قرضاً بقيمة مليون تومان (نحو 7 دولار شهرياً) توضع في
حساباتهم لمدة 4 أشهر من أجل شراء السلع (همشهري، 4 يناير/كانون الثاني 2026)،
وتيسير حصول التجار على العملة الصعبة لاستيراد السلع، ومراقبة سوق الصرف وتقليص
الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، فضلاً عن اتخاذ إجراءات عاجلة من أجل
الإفراج عن البضائع الموجودة في الجمارك.
لكن يمكن القول إن هذه الإجراءات قد تكون
أقرب إلى "المسكنات" فقط التي تهدف إلى تقليص حدة الأزمة الحالية
وبالتالي احتواء الاحتجاجات التي تسببت في اندلاعها ومنع انتشارها في المزيد من
المحافظات الإيرانية، دون أن تصل إلى مستوى الإجراءات الإصلاحية الجذرية التي يمكن
أن تساعد في التعامل مع الأزمة الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد.
فضلاً عن ذلك، فإن تنفيذ هذه الإجراءات لن
يكون مهمة سهلة، خاصة أن الخيارات المتاحة أمام الرئيس في هذا الصدد قد لا تكون
متعددة. فعلى صعيد الدعم النقدي للمواطنين، فإن ذلك قد يتسبب في ارتفاع أسعار بعض
السلع، وهو ما نبهت إليه المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني التي أشارت إلى أن
الحكومة سوف تتدخل من أجل تخفيض أسعار بعض تلك السلع الضرورية للتعامل مع هذا
الاحتمال (تسنيم، 4 يناير/كانون الثاني 2026).
كما أن حجم هذا الدعم لن يلبي الاحتياجات
الأساسية للمواطنين، فضلاً عن أن الحكومة لن تستطيع توفيره على المدى الطويل، خاصة
في ظل أزمة السيولة النقدية التي تواجهها، فرغم أن الأموال التي تمتلكها إيران في
الخارج ربما تصل إلى نحو 120 مليار دولار، إلا أن إيران لا تستطيع الوصول إليها في
ظل العقوبات الدولية والأمريكية المفروضة عليها، والتي تمنع الدول من تحويل تلك
الأموال إلى إيران والتي تمثل عوائد الصادرات الإيرانية، لاسيما النفط، إلى تلك
الدول.
إلى جانب ذلك، فإن إجراء إصلاحات حقيقية
وجذرية داخل الاقتصاد يتطلب تقليص سيطرة بعض المؤسسات على قسم منه، ولاسيما الحرس
الثوري، الذي تشير تقديرات عديدة إلى أنه يهيمن على نحو 30% من الاقتصاد، وهو خيار
يواجه عقبات عديدة أهمها رفض القيادة العليا في النظام لذلك، في ظل تعويلها على
الأدوار التي يقوم بها الحرس على المستويين الداخلي والخارجي.
لذا، فإن قدرة الحكومة على احتواء الأزمة
الاقتصادية الحالية تبقى محدودة. وبصرف النظر عن المسارات التي يمكن أن تتجه إليها
الاحتجاجات الحالية، فإنه ما لم تنجح الحكومة في إجراء إصلاحات حقيقية فإن الأزمة
الحالية سوف تتجدد مرة أخرى، على نحو سوف يضع إيران أمام اختبارات صعبة خلال
المرحلة القادمة.