تتسارع التحولات الجيوسياسية والأمنية المحيطة بالأزمة السودانية بصورة غير مسبوقة، حيث لم تعد ساحات المعارك الميدانية في الخرطوم ودارفور وكردفان والنيل الأزرق ، هي الأماكن الوحيدة الذي يُحسم فيه مصير البلاد وتوازنات القوى، بل امتدت الحرب بكامل ثقلها وتداعياتها إلى أروقة المحافل الدولية والمنظمات الأممية وغرف اتخاذ القرار في العواصم الكبرى.

 وفي هذا السياق المعقد، يبرز تزامن لافت ودقيق بين النشر الاستقصائي الموسع الذي أقدمت عليه صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» بشأن استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية، وبين التحركات الدبلوماسية الأمريكية المكثفة للتمهيد لجلسة مجلس الأمن الدولي المرتقبة في الثاني عشر من سبتمبر.

هذا التناغم الإعلامي والسياسي ليس مجرد مواكبة صحفية عابرة للحدث، بل يهدف بالأساس إلى تهيئة الرأي العام الأمريكي والدولي والدفع بمقترح المبعوث الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، والذي يسعى إلى توسيع قرار حظر الأسلحة الصادر عن الأمم المتحدة ليشمل كافة الأراضي السودانية بدلاً من اقتصاره التاريخي والجغرافي على إقليم دارفور فقط. هذا التحول التكتيكي ينقل الملف السوداني من خانة النزاع الداخلي والحروب الإقليمية التقليدية إلى مستوى التهديد المباشر للسلم والأمن الدوليين، مما يضع السلطة القائمة في بورتسودان تحت ضغوط سياسية وأخلاقية وقانونية غير مسبوقة تجعل من الصعب مناورة الخطاب الرسمي أو الهروب من التبعات.

وتعتمد صناعة القرار لدى القوى العظمي بأساسها على تهيئة البيئة السياسية والإعلامية المناسبة قبل طرح المشاريع الحساسة للتصويت. ومن هنا، فإن ظهور هذه التقارير الصحفية الاستقصائية في هذا التوقيت بالذات يمثل رافعة إعلامية وضغطاً أخلاقياً يهدف إلى نزع شرعية الخطاب الدفاعي الذي تعتمده المؤسسة العسكرية السودانية. كما أن التغطية الإعلامية المكثفة تخلق حالة من التعبئة داخل الأوساط الحقوقية ومراكز الفكر في واشنطن والعواصم الغربية، مما يجعل موقف أي دولة تحاول عرقلة القرارات الأممية المرتقبة يبدو وكأنه دفاع عن استخدام أسلحة فتاكة ومحظورة دولياً ضد المدنيين والمناطق المأهولة بالسكان.

 

 تفاصيل الأدلة 

  تستند التحقيقات الصحفية الموسعة التي أزاحت الستار عنها الصحيفتان إلى حزمة ضخمة من الأدلة الاستخباراتية والسرية التي تسربت من داخل المؤسسة العسكرية السودانية عبر أجهزة أمنية إقليمية في الشرق الأوسط. وتفصل هذه الأدلة كيف قامت وحدة عسكرية سودانية سرية بتطوير برنامج عسكري نشط يعتمد على غاز الكلور القاتل خلال المعارك الجارية ضد قوات الدعم السريع لكسر حالة الجمود العسكري وخاصة في أجزاء من العاصمة الخرطوم ومحيطها الاستراتيجي.

شملت الوثائق المسربة مخططات هندسية لقنابل كيميائية قائمة على الكلور تجمع بين الرؤوس المتفجرة والغازات السامة، ومقاطع فيديو لاختبارات تجريبية أجريت في أعماق الصحراء أظهرت انبعاث أبخرة صفراء مخضرة، إضافة إلى اتصالات ورسائل نصية وصوتية متبادلة بين كبار الضباط تظهر إشرافاً مباشراً على عمليات التصنيع والتخزين والاختبار. وتكشف التقارير عن وجود مخزون ناهز 290 قذيفة كيميائية مخزنة، مع قدرة مصانع التجميع على إنتاج مئات الذخائر الإضافية.

والأشد خطورة في تلك الأدلة كشف تحويل شحنات ومخزونات مادة الكلور الأساسية المخصصة لتنقية مياه الشرب في المنشآت المدنية، لا سيما محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان – والتي تبرعت ببعضها منظمات إغاثية دولية لمواجهة تفشي مرض الكوليرا – واستخدامها لغايات قتالية وعسكرية في مواقع مختلفة مثل مصفاة الجيلي للنفط ومناطق الخرطوم بحري. فضلاً عن ذلك، أشارت الوثائق والمراسلات الصوتية التي تم اعتراضها إلى أن العملية لم تكن سلوكاً فردياً من ضابط صغير، بل كانت تدار بعلم ومتابعة من أعلى الهرم القيادي للجيش، حيث أظهرت بعض الرسائل طمأنة للقيادة العليا بتنظيف المواقع العسكرية من البقايا والآثار الكيميائية بعد افتضاح الأمر استخباراتياً.


الاتهامات الأميركية

  لم تكن هذه الاتهامات وليدة النشر الصحفي الحصري فحسب، بل سبق للإدارة الأمريكية أن وجهت اتهامات رسمية للجيش السوداني باستخدام السلاح الكيميائي، بناءً على تقييمات استخباراتية جرت لمراجعة هجمات وقعت في أواخر عام 2024. ونتيجة لذلك، فرضت واشنطن جولات متتالية من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية الحادة على قيادات في الجيش وعلى مؤسسات تابعة للمنظومة الدفاعية. وعلى الصعيد الميداني، كثفت قوات الدعم السريع اتصالاتها مع الأمم المتحدة، حيث أبلغت رسمياً عن استخدام الجيش لأسلحة كيميائية في أكثر من 11 موقعاً شملت الجزيرة وسنار ودارفور ومناطق متفرقة من العاصمة الخرطوم، مشيرة إلى سقوط ضحايا وتلوث بيئي ومائي واسع.

في مواجهة هذه الاتهامات المتصاعدة، أعلنت السلطة في بورتسودان برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفيها القاطع لما اسمته الادعاءات ، واصفة إياها بالتقارير العارية من الصحة والافتراءات الإعلامية، مع التهديد باتخاذ إجراءات قانونية ضد وسائل الإعلام الناشرة أمام المحاكم الأمريكية. ولدعم هذا النفي، أصدر البرهان قراراً بتشكيل لجنة تحقيق رسمية تضم وزارات الدفاع والخارجية والجهات الأمنية للتقصي والتفتيش، غير أن التقرير المرحلي الصادر عن اللجنة أعلن عدم العثور على أي أثار مادية للأسلحة الكيميائية. وهذا التقرير واجه تشكيكاً دولياً واضطربت مصداقيته بشكل كبير بعد تسريبات صحفية كشفت أن بعض ضباط الجيش الذين وردت أسماؤهم مهندسين ومشرفين على الأنشطة الكيميائية السرية قد تم إدراجهم كمستشارين في لجنة التحقيق نفسها، مما جعل المجتمع الدولي ينظر للجنة على أنها محاولة للتغطية وإخفاء الأدلة بدلاً من إجراء تقصٍ مستقل وشفاف.

موقف الصين وروسيا

  مع اقتراب جلسة التصويت الحاسمة في مجلس الأمن والمخصصة لمناقشة تمديد وتوسيع حظر السلاح على السودان، تتجه الأنظار نحو مواقف القوى العظمى ذات حق النقض (الفيتو). إن الكشف الاستقصائي المتزامن حول الأسلحة الكيميائية يضع كلاً من روسيا والصين أمام اختبار سياسي وأخلاقي معقد. طالما ناهضت موسكو وبكين التوسع في العقوبات الأممية أو فرض قيود على الدول الحليفة لهما تحت بنود التدخل في السيادة الوطنية، غير أن الكلفة السياسية والدبلوماسية لاستخدام الفيتو تتضاعف بشكل حاد عندما يتصل الأمر بادعاءات موثقة ومصحوبة بأدلة مرئية حول إنتاج وتوظيف سلاح محظور دولياً بموجب الاتفاقيات الشاملة لمنع انتشار الأسلحة الكيميائية.

من الواضح ان التكتيك الدبلوماسي الأمريكي يراهن على رفع هذا الثمن السياسي، بحيث لا يتوجب على واشنطن إقناع روسيا والصين بالتمكين الكامل للقرار بالتصويت لصالح التوسيع، بل يكفي دفعهما خطوة واحدة للوراء للانتقال من مربع استخدام حق النقض الفيتو إلى مربع الامتناع عن التصويت. وإذا ما فضلت موسكو وبكين تجنب الحرج الأخلاقي الدولي وتراجعتا نحو الامتناع، فإن القرار سينفذ بأغلبية التسعة أصوات، مما يعزل سلطة بورتسودان ويقطع الإمدادات العسكرية الرسمية عن كافة أطراف النزاع. كما أن التحركات الجارية تحاول إقناع الدول الأفريقية غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن بدعم المشروع الأمريكي، مما يقلل من مساحة المناورة المتاحة أمام الدبلوماسية السودانية في الدفاع عن موقفها.

 

 البرهان في خط المواجهة  

حظيت هذه التطورات بتحليلات عميقة من قبل عدد من القادة السياسيين والمفكرين السودانيين الذين سلطوا الضوء على تداعيات هذه الأزمة على القيادة العسكرية والمستقبل السياسي للبلاد. في مقال للقيادي في تحالف القوى الثورية الديمقراطية (صمود) خالد عمر يوسف ، أشار إلى أن البرهان ومجموعته الممسكة بالسلطة يواجهون مأزقاً استراتيجياً يتجاوز مجرد إخفاق عسكري عابر، بل يتصل بالتقاء خطير بين اتهامات السلاح الكيميائي وتعاظم نفوذ عناصر النظام البائد وجماعات الإسلام السياسي داخل المؤسسة العسكرية، إلى جانب العلاقات الراهنة مع طهران والتي تثير حفيظة واشنطن بشأن الملاحة والأمن في البحر الأحمر. وأكد عمر أن واشنطن لم تعد تنظر للنزاع ككارثة إنسانية بعيدة فحسب، بل كتهديد أمني مباشر، مشدداً على أن الحل الوحيد يكمن في إنهاء الحرب عبر عملية سياسية تعيد التأسيس المدني الديمقراطي وتفكيك شبكات النفوذ العقائدي.

ومن جهته، قدم الكاتب والأكاديمي علاء الدين محمد عبد الرحيم تحليلاً ركز فيه على الموقف السياسي للبرهان عشية معركة الثاني عشر من سبتمبر في مجلس الأمن، مشيراً إلى أن قائد الجيش يتجه للمجلس وهو محمول على خلفية أزمة قنابل الكلور التي كان يُظن أن غبار الحرب سيتكفل بإخفائها. وأوضح علاء الدين أن الخطورة الكبرى في التسريبات تكمن في تغيير طبيعة السؤال المطروح أمام أعضاء مجلس الأمن؛ إذ لم يعد السؤال هل يؤيد الأعضاء توسيع حظر السلاح أم لا، بل هل هم مستعدون لتحمل التبعة الأخلاقية لاستخدام الفيتو لحماية طرف تطارده أدلة حول استخدام غازات سامة، مما يضع البرهان وسلطته في أضعف موقف دبلوماسي منذ اندلاع الحرب.

السيناريوهات المتوقعة لمسار الأزمة

أمام هذا المشهد المتشابك الممتد من ساحات المعارك إلى الصحافة الدولية ومقرات مجلس الأمن، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما قد تتجه إليه الأوضاع في السودان خلال المرحلة القادمة:

السيناريو الأول: تمرير قرار حظر السلاح الشامل وزيادة العزلة الدولية

يتمثل هذا السيناريو في نجاح الجهود الأمريكية والدبلوماسية الغربية في حشد التسعة أصوات المطلوبة داخل مجلس الأمن، مع إجبار روسيا والصين على الامتناع عن التصويت تحاشياً للكلفة الأخلاقية والسياسية المرتبطة بملف السلاح الكيميائي. وفي حال صدور قرار بتوسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل كامل السودان بدلاً من دارفور فقط، ستتلقى سلطة بورتسودان ضربة كبرى تؤدي إلى شلل خطوط إمدادها وتسليحها المعلن، وتجبر قيادتها العسكرية تحت التضييق المالي والدبلوماسي على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول بهدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار واقتسام الترتيبات الانتقالية مع القوى المدنية.

السيناريو الثاني: استخدام حق النقض الفيتو والذهاب نحو العقوبات الأحادية التشديدية

يقوم هذا السيناريو على تمسك روسيا أو الصين بموقفهما المناهض للعقوبات الغربية واستخدام حق النقض الفيتو لإحباط مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن. ورغم أن هذا الفيتو قد يوفر حماية سياسية مؤقتة للجيش السوداني داخل المنظمة الدولية، إلا أنه لن ينهي الملف؛ إذ ستلجأ الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى فرض حزم متصاعدة من العقوبات الأحادية الصارمة، تشمل استهداف قطاعات الطاقة والمال، وتصنيف مؤسسات وشخصيات قيادية على قوائم الإرهاب، إلى جانب فتح ملفات ملاحقة جنائية دولية تسعى لشل حركة المسؤولين وتجفيف منابع الدعم المالي والعسكري عبر آليات الرقابة الإقليمية.

السيناريو الثالث: تصاعد الخيار العسكري والتدخل الدولي لفرض الممرات الإنسانية

يرتبط هذا السيناريو باستمرار أطراف الصراع في اعتماد خيار سياسة الأرض المحروقة ورفض الانصياع للضغوط الدبلوماسية، مع زيادة استخدام الذخائر والأسلحة النوعية لحسم المعارك الميدانية. وأمام التدهور المريع للأوضاع الإنسانية وانتشار المجاعة والأوبئة، قد يتجاوز المجتمع الدولي عقبات مجلس الأمن بالذهاب نحو تشكيل تحالفات دولية وإقليمية لفرض ممرات آمنة لحماية المدنيين ولإيصال المساعدات الإنسانية بحكم الأمر الواقع، وهو ما قد يؤدي إلى فرض مناطق حظر طيران جزئية أو تقييد التحركات العسكرية، مما يسرع في تفتيت السيطرة الميدانية للأطراف المتحاربة وإعادة تشكيل المشهد السياسي العسكري في السودان قسراً.