مقالات تحليلية
الحرب الإيرانية في أجندة داعش في سوريا والعراق
27-Apr-2026
شهد العام الماضي تصاعداً ميدانياً لداعش في ولاية سوريا،
وكموناً -كالمعتاد- في ولاية العراق. فأما التصاعد الميداني فكان عن طريق مجموعات تابعة
مثل أنصار السنة، أو عن طريق قوات النخبة التابعة والخلايا الأمنية له بطريقة مباشرة
من التنظيم نفسه، وأما الكمون فخالفه تصاعد إعلامي ناقد للنظام العراقي والدولي، ومحرض
على أعمال إرهابية. ومع اندلاع الحرب الإيرانية الأمريكية ، سعى التنظيم إلى استخدام
الحرب وتوظيفها في خطابه المعادي للعالم، وفي صراعاته الداخلية مع التيارات الجهادية
المنافسة، وهو ما يناقشه هذا المقال.
(1) الوضع الراهن للتنظيم:
من ناحية العمل الميداني، تحوّل التنظيم في عام 2026 إلى
العمل الحركي المتخفي والاستخباري داخل المناطق الحضرية والساحلية السورية والعراقية،
بعد تراجع قدرته على الاحتفاظ بمناطق مفتوحة في البادية. وكان له أشكال متنوعة:
أولاً: هجمات نوعية، واغتيالات مختارة، وزرع خلايا نائمة داخل تشكيلات عسكرية محلية
وأجنبية بهدف إشعال توترات داخلية واستغلالها سياسياً وعسكرياً.
ثانياً: العمل على خلق خلايا أمنية عسكرية سرية؛ فمع النصف الأول من عام 2025 والشهور
الأولى من عام 2026، بدأ التنظيم العمل على صناعة خلايا يقودها زعيم الولاية "أبو
عائشة السوري". وهي خلايا تعمل من خلال الانضمام للجيش السوري التابع لأحمد الشرع،
وتحديداً "الفرقة 84 قوات خاصة"، التي تضم عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب
ذوي التوجهات الإسلامية المتشددة، ومنها (أنصار التوحيد-القاعدة). وقد ثبت هذا في الهجوم
على مخيم الهول، من خلال عناصر هذه الفرقة.
ثالثاً: العمل على إحداث انقسام داخلي، حيث هدف التنظيم لإحداث انقسام داخلي أو انقلاب
عسكري عن طريق الخلايا الأمنية والسرايا التي لا تحمل اسمه، من خلال تنفيذ عمليات اغتيال
وتفجير موجهة تُنفّذ بأسلوب يوحي بأن أجهزة استخبارات سورية تقف خلفها، ما يُسهم في
تعميق الشكوك داخل صفوف المقاتلين الأجانب والسوريين على حد سواء، وهو ما أطلق عليه
عناصر من التنظيم: "اختراق الخصوم من الداخل".
في السياق، وزّع التنظيم خلاياه الكامنة في بادية العراق
والأنبار وفي الصحاري والقرى البعيدة، وأما في سوريا فعمد إلى زرعها داخل الجيش السوري
أو خارجه على محاور إستراتيجية في دمشق وريفها واللاذقية وريفها (ساحل سوريا)، وهي
عبارة عن وحدات صغيرة مكلفة بتنفيذ عمليات نوعية تشمل اغتيال قيادات وشخصيات من المقاتلين
الأجانب، مثل الإيغور والتركمانستانيين والطاجيك والأوزبك وكتيبة الغرباء الفرنسيين
وغيرهم، عن طريق عبوات يتم تفجيرها عن بعد، مما يعمّق الانقسام والفتنة، بالإضافة إلى
استهداف مقرات ونقاط لوجستية تابعة للفصائل الأجنبية لإحداث فوضى تنظيمية. وقد توافق
ذلك مع تقارير رصدت تحوّل التنظيم نحو أساليب "الهجمات الصغيرة والمتكررة"
والاغتيالات الفردية التي تُقدَّم أحياناً على أنها أعمال ذئاب منفردة.
رابعاً: استخدام وكالات التنظيم الإعلامية المركزية الحرب في الاستقطاب، وحسم الصراعات
البينية مع التنظيمات المختلفة. وهي خلايا ظل وكمون دعائية مدربة على استخدام الميديا
ووسائل التواصل لخلق انقسامات داخلية يستغلها في الاستقطاب والتجنيد للفصائل، مركزاً
على إفقاد المخالفين الثقة، مما يسهل عليه تشكيل خلايا نائمة، واستثمار المقاتلين الأجانب،
وخلق فتنة بين الطوائف.
(2) الحرب في منظور داعش:
أولاً على المستوى الميداني: لم يكتفِ التنظيم بقراءة الحرب وتأطيرها، بل مضى إلى تقديم
إستراتيجية واضحة لاستغلالها لصالح مشروعه الفوضوي. ففي العدد الخامس من مارس من العام
2026 من صحيفته (النبأ)، صوّر داعش الحرب الأمريكية الإسرائيلية الدائرة مع إيران على
أنها حرب "مباركة إلهياً" بين الكفار من كلا الجانبين. وهذا ليس بالأمر المفاجئ،
إذ لطالما أدان التنظيم الإيرانيين ووصفهم باتباعهم نسخة "معادية" من الإسلام.
لكن الأمر الأكثر أهمية أنه بدا مستعداً لاستغلال هذه اللحظة من عدم الاستقرار الإقليمي
لصالحه. فعلى وجه التحديد، يبدو -وفق المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب- حريصاً على
استقطاب أتباع جدد، وتحريض الهجمات، وتوطيد سيطرته على الأراضي وسط الفوضى الناجمة
عن الحرب.
وفي دراسة للمركز المصري للبحوث، فإن نتيجة الحرب -سواء تصاعدت
أو هدأت- هي في نظره فرصة تاريخية يجب اغتنامها لتعزيز وإعادة إحياء الجهاد. وهو ما
جاء في صحيفة النبأ عبر مقالين متتاليين: "أما ميدانياً، فالواجب على الموحدين
السعي الجاد والواعي لاستغلال هذه المتغيرات الكبرى في نصرة الجهاد وتغذيته وتجديد
شرايينه، لأن هذه الفوضى المرحلية، سواء هدأت أو تصاعدت، فإن تبعاتها ستدوم وتطول،
وانتهازها من الكياسة والفطنة بمكان".
وسجل داعش موقفه معززاً حكمه هذا بعدم الوقوف مع أي طرف من
أطراف الصراع، لكنه حاول استغلال هذا الصراع والفراغ الحاصلين، سواء بكسب تموضع جديد
أو حجز مكان له في الساحة السورية بعد جولات دارت للقضاء عليه خلال الأعوام الماضية
بعد سقوطه. كما ورد في موقع (إندبندنت عربية) أن هذه الإستراتيجية لا تقتصر على العمل
المركزي المنظم، بل تشمل العمل الفردي واللامركزي؛ حيث خاطب المجاهدين داخل ولايات
التنظيم أو المجاهدين المنفردين في كل مكان (الذئاب المنفردة) بدعوة واحدة إلى استغلال
المتغيرات الكبرى. وهو ما يعكس تكيفاً مع الواقع الجديد بعد فقدانه السيطرة على مناطق
نفوذه، مع الحفاظ على قدرته على تحريك أتباعه نحو استغلال الفراغات الأمنية والسياسية
التي تخلقها الحروب الإقليمية.
وفي غضون ذلك، أحبطت أجهزة الأمن السورية مخططاً لعمل تخريبي
كانت خلية تتبع لـ "داعش" تعتزم تنفيذه في العاصمة دمشق. ونشرت وزارة الداخلية
السورية تفاصيل كشفها للخلية عبر منصة "إكس"، مؤكدة تنفيذ العملية بدقة عالية
وبالتعاون مع جهازي الاستخبارات في سوريا وتركيا، كما اعتقلت أفراداً من التنظيم عقب
إقدامهم على تلغيم سيارة بهدف تنفيذ عمل إرهابي في العاصمة دمشق.
ثانياً على مستوى الخطاب: حاول داعش أن يؤطر الحرب ضمن مفهوم "سنة التدافع"،
حيث عدّها حلقة في سلسلة صراعات قدرها الله بين الكافرين، نافياً أي مسؤولية أو دور
للمؤمنين في هذه الحرب، معتبراً الحرب أداة للتمحيص والغربلة داخل الأمة الإسلامية
لكشف الولاءات الحقيقية وفرز الصفوف، وفق المركز المصري للدراسات، والمفاصلة الحادة
بين "فسطاط إيمان" و"فسطاط الكفر".
كما أعاد ترتيب واضح أثناء الحرب للأعداء، كما ورد في مقالاته
بصحيفة النبأ، حيث أقر بأولوية قصوى لمواجهة "العدو القريب" المتمثل في إيران،
معتبراً خطره في هذه المرحلة أشد من الخطر البعيد المتمثل في إسرائيل واليهود، لأن
خطره -وفق خطابه- يتعلق بالانحراف والفتنة حتى تحت شعارات المقاومة.
وفي السياق، انتقد داعش تنظيم القاعدة بشدة، معتبراً أن موقفه
من الحرب يكشف ازدواجية المعايير وانخراطه في محور إيران. وربط خطاب القاعدة بالانحراف
عن ثوابت الجهاد وتمييع العقيدة، مشبهاً إياه بخطاب جماعة الإخوان المسلمين، ومعتبراً
في الوقت ذاته أنه الوحيد الذي يحافظ على نقاء العقيدة الجهادية. وقال إن تنظيم القاعدة
يحاول استمالة دول الخليج، وهذا يعكس -من منظوره- تغيراً أيديولوجياً عميقاً واتجاهاً
متزايداً نحو البراغماتية. فبعد أن اعتادت القاعدة وصف حكام الخليج والعالم العربي
بـ"الطواغيت"، أصبحت تخاطبهم بـ"العقلاء في دوائر صنع القرار".
واعتبر داعش -وفق إصداراته أثناء الحرب- أن ما يجري تمهيد
ليس على صعيد الحكام فقط، بل على صعيد الشعوب أيضاً، وأن الحرب تعيد تشكيل التحالفات
بطرق غير مباشرة. ومن هنا حذر من الانحياز إلى أي طرف ومن الاصطفاف تحت أي راية من
الرايات التي يرفعها طرفا الصراع.
وقدم داعش تفسيراً للاستقطاب الإيراني للمنطقة بوصفه أحد
أخطر تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا باعتباره نتيجة جانبية للصراع،
بل كجزء محوري من إستراتيجية إيرانية أوسع تهدف -وفق منظوره- إلى اختراق البيئة الجهادية
السنية وإعادة توجيه ولائها وانتمائها لصالحها. فالحرب، من منظور التنظيم، لم تفتح
فقط جبهة قتال بين معسكرين كافرين، بل أطلقت أيضاً معركة موازية على مستوى الوعي والولاء
داخل صفوف المجاهدين. يقول: "لم تفرض إيران على أذرعها وبيادقها "السنية"
التشيع، فإيران لا تريدهم حشداً شيعياً، بل بيدقاً وظيفياً يقف معها في وجه "القطب
الوحيد" كما أسماه بيان القاعدة الأخير".
وفي هذا السياق، حاول التنظيم تأطير الاستقطاب الناتج عن
الحرب بوصفه محاولة لإعادة تعريف العدو، وأن كلاً من إيران وأمريكا أعداء. وفي نظره،
فإن الإخوان والقاعدة يريدون إذابة الفوارق العقدية والأيديولوجية بين السنة والشيعة،
ويبررون التقارب مع إيران لأنهم موظفون لديها، مقدماً نفسه كصاحب الموقف السليم والنقي
الذي يرفض الاصطفاف مع أي من طرفي الحرب، ويكفّر المعسكرين معاً، لكنه في الوقت نفسه
يمنح أولوية خاصة لمواجهة الاستقطاب الإيراني، باعتباره أخطر من العداء الأمريكي-الإسرائيلي
في هذه المرحلة.
خلاصات
داعش في سوريا والعراق هما ولايتان مركزيتان للتنظيم؛ إحداهما
في العراق غارقة في الكمون والعمل الإعلامي، والثانية تعتمد الآن على خلايا الظل والكمون
والسرايا، وتركز على إحداث خسائر ميدانية، وتستغل الظروف والحروب لخلق انقسامات داخلية
تسهل عليها عمليات الاستقطاب والتجنيد للفصائل، وتشكيل خلايا نائمة، واستثمار المقاتلين
الأجانب، وخلق فتنة بين الطوائف. وكلاهما يستثمر في الحرب، وفق الإصدارات والخطاب،
فإن ما يجري تمهيد على مستوى المنطقة سيكون فرصة غير مسبوقة للنفاذ والعودة.
في ضوء هذه المعطيات، يُتوقع أن
يواصل تنظيم داعش انتهاج إستراتيجية “الانتظار النشط” القائمة على استثمار الفوضى
الإقليمية دون الانخراط المباشر في صراعات كبرى، مع التركيز على توسيع شبكاته
الاستخبارية والخلايا النائمة داخل البيئات الهشة أمنياً وسياسياً. كما أن استمرار
التوترات بين القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما في حال تحوّلها إلى صراعات طويلة
الأمد أو منخفضة الحدة، سيمنح التنظيم هامشاً زمنياً كافياً لإعادة بناء قدراته
البشرية واللوجستية تدريجياً.
ومن زاوية أخرى، قد يدفع تطور
أنماط الصراع في المنطقة التنظيم إلى مزيد من اللامركزية والاعتماد على الفاعلين
الفرديين والشبكات الصغيرة، بما يعزز من صعوبة تعقبه أمنياً ويمنحه قدرة أكبر على
البقاء والتكيّف. كما أن تصاعد الاستقطاب الطائفي والإيديولوجي، الذي يغذيه خطاب
الحرب، يوفر بيئة خصبة لإعادة إنتاج سرديات التنظيم وتوسيع قاعدة التعاطف معه،
خاصة بين الفئات المهمشة أو المتأثرة بالصراعات.