فرضت الحرب التي تصاعدت حدتها بين إيران وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بداية من 28 فبراير/ شباط 2026، تداعيات استراتيجية عديدة على المستويات المختلفة، العسكرية والأمنية والاقتصادية. لكن ربما يمكن القول إن أهم ما أنتجته هو أنها كشفت الأهمية القصوى التي يحظى بها مضيق هرمز على مستوى العالم. إذ يقدر النفط والمكثفات والمنتجات النفطية التي تعبر منه يومياً بما يتراوح بين 17 و20 مليون برميل يومياً، بما يعادل نحو عشرين بالمائة من الاستهلاك العالمي يومياً، وأكثر من خمس وعشرين بالمائة من النفط المنقول بحراً، إلى جانب عشرين بالمائة من تجارة الغاز المسال. (سكاى نيوز عربية، 3 مارس/ آذار 2026). 

فمع بداية الحرب الحالية، في 28 فبراير/ شباط 2026، أعلنت إيران أنها أغلقت مضيق هرمز، مشيرة إلى أنها لن تسمح للسفن بالمرور عبر المضيق. وأصدر الحرس الثوري بياناً في اليوم نفسه، زعم فيه أن "المضيق بات غير آمن"، موجهاً تحذيراً مباشراً للسفن من المجازفة بالعبور عبر المضيق. بل إنه أمعن في استهداف بعض السفن بالفعل، على غرار السفينة التي رفعت علم ليبريا والتي هاجمها الحرس في 11 مارس/ آذار 2026، بعد أن اعتبر أنها "مملوكة لإسرائيل". (مونت كارلو، 11 مارس/ آذار 2026)

ورغم الضربات القوية التي وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية للقوات البحرية الإيرانية، لاسيما تلك التابعة للحرس الثوري، إلا أن ذلك لم يحل دون تصاعد حدة الأزمة في المضيق بسبب التهديدات التي واصلت إيران توجيهها إلى السفن العابرة من خلاله. وقد كان لذلك تأثير واضح على حركة التجارة والملاحة عبر المضيق، والتي انخفضت، حسب تقديرات للأمم المتحدة، بنحو سبعة وتسعين بالمائة منذ بداية الحرب، على نحو كان له دور في حدوث خسائر في شحن البضائع تقدر بنحو 2.4 مليار دولار يومياً وخسائر تجارية تراكمة تقدر بحوالي 30 مليار دولار خلال أسبوعين. )الأمم المتحدة، 19 مارس/ آذار 2026). 

متغيرات ثلاثة

هنا، يمكن القول إن ثمة متغيرات رئيسية ثلاثة كان لها دور في تصاعد حدة الأزمة: 

- الأول، يتصل بالخصائص الجيوستراتيجية للمضيق، الذي يصل عرض الممرين الملاحيين الصالحين للملاحة فيه إلى ميلين فقط (نحو 3.7 كيلومتر)، على نحو يجبر السفن عن الاستدارة أمام الجزر الإماراتية والساحل الجبلي الذي تسيطر عليه القوات الإيرانية، (دويتشه فيله، 16 مارس/ آذار 2026) بشكل يوفر لها القدرة على تهديد السفن العابرة منه. كما أن المياه الضحلة في المضيق تساعد القوات الإيرانية على زرع الألغام فيه. (الشرق، 19 مارس/ آذار 2026). وقد أشار مسؤولون أمريكيون إلى أن إيران قامت بالفعل بزرع أقل من 10 ألغام في المضيق، رغم التهديدات التي تعرضت لها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. (سكاى نيوز عربية، 11 مارس/ آذار 2026)

- والثاني، ينصرف إلى المشكلات التي تواجه – حتى الآن - جهود حماية السفن العابرة من المضيق، عبر تشكيل تحالف أو قوة عسكرية، حيث يحتاج ذلك إلى وقت فضلاً عن أنه يتطلب موارد مالية كبيرة قد تتزايد في حالة إطالة أمد الأزمة، إلى جانب أن ذلك كله لا يقلص مخاوف شركات التأمين إزاء المغامرة بعبور المضيق في ظل استمرار التهديدات الإيرانية. 

- والثالث، يتعلق بخبرة التهديدات الحوثية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، حيث أن الإجراءات التي اتخذتها العديد من القوى الدولية من أجل تشكيل قوة مهام بحرية لحماية حركة التجارة والملاحة كان تأثيرها محدوداً، لدرجة أن بعض الشركات العملاقة ما زالت حريصة حتى الآن على اعتماد البدائل المتوافرة للعبور غير مضيق باب المندب وقناة السويس، على غرار طريق رأس الرجاء الصالح.

حسابات طهران

ربما يمكن القول إن الهدف الأول الذي سعت إيران إلى تحقيقه عبر تأسيس وتعزيز القوات البحرية، خاصة التابعة للحرس الثوري، كان يتمثل في إغلاق مضيق هرمز عندما تحين اللحظة التي تتخذ فيها إيران هذا القرار. فمنذ اندلاع الثورة الإيرانية وتأسيس نظام الجمهورية الإسلامية عام 1997، اعتبر قادة النظام أن المضيق يمثل ورقة ضغط يمكن استخدامها ليس فقط في إدارة الصراع مع العديد من القوى الإقليمية والدولية، وإنما حتى في ابتزاز وتهديد دول الجوار، لاسيما دول مجلس التعاون الخليجي. 

وقد بدا ذلك واضحاً خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، حيث ردت إيران على الهجمات العراقية التي استهدفت موانئها التي تصدر عبرها النفط خاصة في جزيرة خرج التي يتصاعد الجدل حولها في الفترة الحالية بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف منشآت الطاقة فيها، بشن هجمات ضد ناقلات النفط الخليجية، وخاصة الكويتية، على نحو دفع الكويت إلى طلب حماية دولية لناقلاتها بدأت سوفيتية ثم تحولت إلى أمريكية، حيث تم تسجيل الناقلات الكويتية تحت العلم الأمريكي، إلا أن ذلك لم يمنع الهجمات الإيرانية التي استخدمت فيها ألغام، ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى تنفيذ ما يسمى بعملية "براينج مانتيس" التي شنت فيها هجمات ضد سفن ومنصات إيرانية عام 1988. (العين، 22 مارس/ آذار 2026)

في هذه اللحظة، بدا أن إيران أدركت أن ثمة كُلفة عالية سوف تدفعها في حالة إقدامها على مواصلة شن هذه الهجمات، على نحو دفعها إلى عدم تكرارها خلال المرحلة التالية على انتهاء الحرب مع العراق، حيث اكتفت بإطلاق تهديدات تفيد أنها قادرة على التسببت في اندلاع أزمة طاقة على مستوى العالم في حالة تعرضها لهجمات عسكرية أو منعها من تصدير نفطها. بل إن أحد قادتها العسكريين، وهو قائد البحرية التابعة للجيش حبيب الله سياري قال، في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2011، أن "إغلاق القوات المسلحة لمضيق هرمز مهمة سهلة"، مضيفاً أنه "كما يقول الإيرانيون سيكون أسهل من شربة ماء". (الجريدة الكويتية، 29 ديسمبر/ كانون الأول 2011)

ومع تصاعد حدة التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية القرارات التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب (خلال فترته الرئاسية الأولى) بالانسحاب من الاتفاق النووي في 18 مايو/ آيار 2018، ثم إعادة تطبيق العقوبات الأمريكية على إيران في 7 أغسطس/ آب من العام نفسه، بدأت إيران في تكثيف التهديدات بإغلاق المضيق.   

إذ أشار الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني إلى هذه المقاربة الإيرانية بشكل واضح، في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2018، في معرض تعليقه على العقوبات الأمريكية التي كانت تتضمن منع إيران من تصدير نفطها، حيث قال: "على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعلم أنها إذا أرادت أن تقف حائلاً دون بيع النفط الإيراني، فإن ذلك يعني أنها ستمنع بيع نفط المنطقة". (روسيا اليوم، 4 ديسمبر/ كانون الأول 2018)، وكان ذلك يعني مباشرة أن إيران سوف تعمل على منع دول الجوار من تصدير نفطها في حالة ما إذا تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تصفير صادرات النفط الإيرانية كما كان يريد الرئيس ترامب في هذه الفترة.

أكد هذا المعنى أيضاً رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري (قتل في اليوم الأول لحرب الإثنى عشر يوماً مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل خلال الفترة من 13 إلى 24 يونيو/ حزيران 2025)، في 28 أبريل/ نيسان 2019، عندما قال أنه "إذا كان من المقرر أن لا يمر نفظنا عبر مضيق هرمز، فإن نفط الآخرين لن يمر عبر هذا المضيق أيضاً"، مضيفاً: هذا الأمر لا يعني إغلاق مضيق هرمز، فنحن لا ننوي غلقه إلا إذا بلغ عداء الأعداء حداً لم يبق فيه حل سوى هذا، فإننا عند ذلك اليوم سنكون قادرين على غلق هذا المضيق". (وكالة أنباء تسنيم، 28 أبريل/ نيسان 2019)

وبدأت إيران في ترجمة هذه التهديدات إلى خطوات إجرائية على الأرض، لكن بأدوات أخرى. فقد بدأ الحرس الثوري في احتجاز سفن وناقلات عديدة تابعة لبعض الدول التي كانت تناوئ السياسات التي تتبناها إيران سواء على المستوى النووي أو الإقليمي. وبدا واضحاً في هذا السياق، أن إيران كانت تحاول عبر ذلك امتلاك أوراق ضغط في إدارة الخلافات مع تلك الدول.

وقد بدا ذلك جلياً خلال الأزمة التي تصاعدت حدتها مع بريطانيا في عام 2019. إذ قامت إيران باحتجاز ناقلة بريطانية في 13 يوليو/ تموز 2019، رداً على قيام قوات بريطانية، بالتعاون مع سلطات مضيق جبل طارق، في 7 يونيو/ حزيران من العام نفسه، باحتجاز ناقلة إيرانية محملة بأكثر من 2 مليون برميل نفط كانت متوجهة - حسب تلك الجهات - إلى سوريا، على نحو اعتبرت أنه ينتهك قرارات العقوبات الأوروبية ضد نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد. ولم تطلق طهران سراح السفينة البريطانية، في 22 سبتمبر/ أيلول 2019، إلا بعد أن اتخذت تلك الأطراف قراراً مماثلاً بالنسبة للناقلة الإيرانية في 15 أغسطس/ آب من هذا العام، والتي أبحرت لعدة أيام في مياه البحر المتوسط حتى وصلت إلى وجهتها في سوريا وأفرغت حمولتها في أحد الموانئ السورية رغم كل الجهود التي بذلت لمنعها من ذلك.

آليات الرد

فرضت الحرب الحالية تداعيات سلبية خطيرة على إيران، أهمها أنها كبّدتها خسائر ضخمة على المستويات المختلفة، السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية. فقد بدأت الحرب بصدمة قوية تعرضت لها إيران، تمثلت في اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور ورئيس هيئة أركان القوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، فضلاً عن تدمير قسم كبير من القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، بل إن الضربات الإسرائيلية والأمريكية وصلت إلى حد القضاء على قسم كبير من القدرات الأمنية للنظام، ممثلة في قوات الباسيج وأجهزة الأمن المسؤولة عن ضبط حركة الشارع في إيران.

من هنا، سعى النظام إلى رفع كُلفة العمليات العسكرية التي تعرض لها، وذلك عبر آليتين: الأولى، العدوان الغاشم على دول مجلس التعاون الخليجي، عبر انتهاك سيادتها وأمنها بشن هجمات ضد منشآت مدنية ومرافق حيوية داخلها. والثانية، تعطيل حركة التجارة والملاحة في مضيق هرمز. لكن اللافت في هذا السياق، أن إيران سوف تكون أول المتضررين من الاستناد إلى هاتين الآليتين، لأسباب رئيسية أربعة:

- الأول، أن العدوان الغاشم على دول مجلس التعاون الخليجي سوف يزيد من العزلة التي يتعرض لها النظام الإيراني، خاصة أن دول المجلس كانت تسعى – قبل اندلاع الحرب - إلى تأسيس علاقات إيجابية مع إيران تقوم على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بدليل جهودها الحثيثة لدعم إجراء مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية من أجل تجنيب المنطقة اندلاع الحرب الحالية.

- والثاني، أن إيران سوف تمنع بدورها من تصدير القسم الأكبر من نفطها، على نحو سوف يزيد من مضاعفة الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها في الأساس. وتشير التقديرات إلى أن إيران كانت تقوم - قبل اندلاع الحرب الحالية – بتصدير نحو 1.84 مليون برميل نفط يومياً. ورغم أن إيران سعت إلى توفير بديل لهرمز يمكن أن تستند إليه في تصدير نفطها خلال فترات الأزمات، إلا أن الجهود التي بذلتها في هذا الصدد لم تحقق نتائج بارزة. إذ قامت بتطوير ميناء جاسك النفطي لتحويل مسار تصدير نفطها إلى خليج عمان، لكن خلال الأيام الخمسة والعشرين الأولى من شهر مارس/آذار 2026، كانت حصة جاسك من صادرات النفط الإيرانية حوالي 81 ألف برميل نفط يومياً، بما يعادل نحو أقل من خمسة بالمائة من إجمالي الصادرات النفطية. (دالغا خاتين اوغلو، مضيق "هرمز" نقطة ضعف إيران الاستراتيجية، ايران انترناشيونال، 27 مارس/آذار 2026)

- والثالث، أن هذه الخطوات التي قامت بها إيران لعرقلة حركة التجارة والملاحة في مضيق هرمز تؤثر بشكل سلبي ومباشر على مصالح بعض القوى الدولية التي تؤسس علاقات قوية معها، على غرار الصين، التي ربما تعيد النظر، في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الحالية، في علاقاتها الاقتصادية مع إيران، خاصة أنها أبرمت معها اتفاقية الشراكة الاستراتيجية في 27 مارس/ آذار  2021، والتي تمتد إلى 25 عاماً وتقضي بضخ 400 مليار دولار في شكل استثمارات صينية في إيران.

ورغم أن الصين أعلنت أنها تجري مباحثات مع إيران للسماح بمرور شحنات النفط والغاز من مضيق هرمز، فضلاً عن أن إيران سعت بدورها إلى ممارسة ضغوط على شركات الشحن من أجل إدارة شحنات النفط والغاز باليوان الصيني (يورونيوز، 14 مارس/ آذار 2026)، حيث تدار الصادرات النفطية عادة بالدولار الأمريكي، إلا أن ذلك لم ينف في الوقت نفسه أن التهديدات الإيرانية لحركة التجارة والملاحة في المضيق أثرت على المصالح الاقتصادية للصين، لدرجة أن بعض الحاويات الصينية عادت أدراجها في محاولة الخروج من الخليج العربي عبر مضيق هرمز، بعد أن ظلت عالقة في الخليج منذ بدء الحرب الحالية في 28 فبراير/شباط 2026. (الشرق الأوسط، 27 مارس/ آذار 2026) 

- والرابع، أن هذه التهديدات الإيرانية التي أنتجت أزمة طاقة على مستوى العالم سوف تدفع دولاً عديدة إلى الانضمام لتشكيل تحالف دولي لتأمين الملاحة والتجارة في المضيق، حتى رغم العقبات العديدة التي ما زالت تحول دون تحويل ذلك إلى خطوات إجرائية على الأرض. وهنا، فإن إيران – التي تتعرض لعزلة إقليمية ودولية بسبب إدارتها للعمليات العسكرية الحالية – سوف تجد نفسها أمام حشد دولي وإقليمي مناوئ لمحاولاتها فرض أمر واقع في الخليج العربي ومضيق هرمز، على نحو يمكن أن يقلص تدريجياً من حدة تلك التهديدات التي تمارسها في المضيق. وبالفعل، فقد عقد رؤساء أركان القوات المسلحة في 35 دولة مؤتمراً عبر تقنية الفيديو كونفرانس، في 27 مارس/ آذار 2026، بهدف تشكيل تحالف لاستئناف حركة التجارة والملاحة في المضيق بعد انتهاء الحرب الحالية.

ترتيبات أمنية

على ضوء ما سبق، يمكن القول إن الحرب الحالية فرضت ملفات خلافية جديدة مع إيران، أهمها ملفا العدوان الغاشم على دول مجلس التعاون الخليجي، والتهديدات المستمرة لحركة التجارة والملاحة في مضيق هرمز. وهنا، وأياً كان السيناريو الذي سوف تنتهي إليه هذه الحرب، سواء بإجراء مفاوضات تنتهي بالوصول إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، أو بإعلان الرئيس ترامب إنهاء الحرب بتحقيق الأهداف الرئيسية ممثلة في تدمير البرنامجين النووي والصاروخي وتقليص النفوذ الإقليمي الإيراني، أو بالتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، فإنه يبقى من الضروري التوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة تضم دول مجلس التعاون والعديد من القوى المعنية بما يجري في منطقة الخليج العربي، تمنع بمقتضاها إيران سواء من تكرار عدوانها على دول مجلس التعاون، أو من تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز.