أعلنت سبع مجموعات مسلحة تنشط في إثيوبيا تشكيل تحالف بهدف إسقاط الحكومة الفدرالية. غير أن محللين يشككون في تأثير هذا التحالف على الصعيد العسكري، وفي قدرته على الاستمرار.

أبرز أطراف التحالف

تولى قائد ميليشيات "فانو" القومية الأمهرية زيمنه كاسي إعلان تأسيس هذا التحالف، موضحا أنه سيتسلم قيادته. تاريخيا، كانت "فانو" عبارة عن ميليشيات شعبية "للدفاع الذاتي" عن شعب أمهرة، لكنها تقاتل الحكومة الفدرالية منذ أن حاولت السلطات المركزية عام 2023 نزع سلاح قوات إقليم أمهرة (شمال إثيوبيا). وتعتمد هذه الميليشيات أسلوب حرب العصابات، وتنفذ معظم عملياتها في المناطق الريفية.

أما الطرفان الرئيسيان الآخران في هذا التحالف فهما جبهة تحرير شعب تيغراي، وهو الإقليم الواقع في أقصى شمال إثيوبيا، وجيش تحرير أورومو الناشط في أوروميا، أكبر أقاليم الدولة الإفريقية وأكثرها سكانا، إذ تبلغ نحو ثلث إجمالي سكان إثيوبيا البالغ نحو 130 مليون نسمة.

وصنّفت أديس أبابا جيش تحرير أورومو "منظمة إرهابية"، وقد رفض وقف القتال وانشقَّ عن "التحالف التاريخي" المتمثل في جبهة تحرير أورومو، عندما قررت ألقاء سلاحها عام 2018 بعد وصول رئيس الوزراء الحالي آبيي أحمد إلى السلطة، وهو نفسه من القومية الأورومية.

وزادت أعداد مقاتلي جيش تحرير أورومو في السنوات الأخيرة، لكنّ مراقبين يشرحون أنه أشبه بإطار لمجموعات تتمتع كل منها باستقلالية نسبية، ولها أحيانا أنشطة إجرامية، أكثر مما هو منظمة ذات بنية هرمية واضحة.

أما جبهة تحرير شعب تيغراي التي حكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبيي أحمد، فخاضت حربا ضد القوات الفدرالية بين عامي 2020 و2022. وتحكم الجبهة فعليا إقليم تيغراي، لكن السلطة المركزية تعتبرها غير شرعية، وقد توترت العلاقات بينهما مجددا في الأشهر الأخيرة.

كذلك يضم التحالف الجديد الذي استغرق تشكيله أكثر من عام بحسب نائب رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي أمانويل أسيفا، تنظيمات مسلحة غير معروفة بالقدر نفسه، تنشط في ثلاثة أقاليم أخرى هي عفر وأوغادين وبني شنقول-قمز.

ورأى الخبير في شؤون المنطقة في كلية "أوسلو نيو يونيفرسيتي" في النروج شيتيل ترونفول أن "توقيت هذا الإعلان بالغ الأهمية". ورجّح أن تكون جبهة تحرير شعب تيغراي الطرف "الذي دفعَ  إلى إعلان هذا التحالف"، إذ أن الوضع الإنساني في تيغراي "خطير وآخذ في التدهور، وعليهم أن يتحركوا فورا".

أما إدوارد باخ من شركة "فيريسك مابلكروفت" الاستشارية، فرأى أن هذه الخطوة نتاج "تلاقي جملة عوامل"، موضحا أن "التوترات تتصاعد في تيغراي حيث تكثفت الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة خلال الشهر المنصرم، بالتوازي مع تَحَسُّن الطقس (مع نهاية موسم الأمطار) ما يجعل الظروف أكثر ملاءمة لشن حملات عسكرية".

 

تأثير التحالف ميدانيا

لم يتضح بعد أثر إعلان هذا التحالف على الواقع الميداني، مع العلم أن الجماعات المنضوية فيه اتفقت في بيان لها على تنسيق "قدراتها الشعبية والتنظيمية". ولاحظت المُحلِلة في منظمة "أكليد" غير الحكومية لتحليل النزاعات المسلحة جلاله غتاتشو بِرّو أن هذه الجماعات المسلحة تستطيع "خوض قتال مشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية وشنّ عمليات منسَّقة"، نظرا إلى كونها تنشط في أقاليم مختلفة.

لكنّ إدوارد باخ استبعد "أن تكون لهذه الجماعات أسلحة مشترَكة مثلا، لأن حليف اليوم قد يصبح عدو الغد". واعتبر شيتيل ترونفول أن "أي تنسيق على مستوى القيادة العسكرية كفيل تغيير المعادلة، إذ ستضطر الحكومة إلى القتال على أربع أو خمس جبهات محتملة، وهو ما يطرح صعوبة كبيرة".

وإذ ذكّر إدوارد باخ بأن "هذه الجماعات سبق أن أثبتت قدرتها على مقاومة الحكومة الفدرالية ومهاجمة مناطق مهمة"، نبّه إلى أن أيّا منها لم يسبق أن شكّل تهديدا حقيقيا للسلطة المركزية، باستثناء جبهة تحرير شعب تيغراي.

ولكنّ الجبهة، وإن كانت قوية تاريخيا، تنشط في إقليم انهكته الحرب الأخيرة. وما يجعل أي قتال تخوضه ضد السلطة المركزية أكثر صعوبة، هو ضخامة عديد القوات المسلحة الإثيوبية الذي يبلغ نحو 500 ألف عنصر، وفق مذكرة نشرها في يناير مركز "سنتر فور ستراتيجيك أند إنترناشونال ستاديز" للدراسات في واشنطن، وامتلاكها عددا كبيرا من الطائرات المسيّرة، وهو سلاح أدى دورا أساسيا وحاسما عام 2022 ضد قوات تيغراي.

 

هل هذا التحالف قابل للاستمرار؟

أبدى المحللون الذين استصرحتهم وكالة فرانس برس شكوكهم في إمكان أن يكون هذا التحالف قابلا للاستمرار، نظرا إلى تضارب المصالح والمطالب بين هذه الجماعات في كثير من الأحيانوقال إدوارد باخ إن "ما يوحّد هذه التنظيمات هو كرهها للحكومة الفدرالية، لكنّ بينها خلافات جوهرية في العقيدة والرؤية لمرحلة ما بعد آبيي، يمكن أن تنسف على المدى الطويل أي تعاون بينها".

وكانت بعض هذه الجماعات تتصارع في ما بينها حتى الأمس قريب. فخلال حرب تيغراي، كانت ميليشيات "فانو" تقاتل جبهة تحرير شعب تيغراي إلى جانب القوات الفدرالية الإثيوبية. كذلك تطالب "فانو" بجزء من غرب تيغراي الذي تحتله قوات أمهرية منذ نهاية الحرب، وقد هجّرت هذه القوات عددا كبيرا من سكان تيغراي، مما أجّج غضب جبهة تحرير شعب تيغراي.

وقال أمانويل أسيفا لوكالة فرانس برس إن محادثات في شأن غرب تيغراي ستُجرى في وقت لاحق. ولم يكن من أثر عسكري يُذكَر لتحالفات سابقة بين جماعات مسلحة، أبرزها ذاك الذي قام عام 2021 بين تسع حركات، من بينها جيش تحرير أورومو وجبهة تحرير شعب تيغراي، وسرعان ما تفككت.

ورأت المحللة جلاله غتاتشو بِرّو أن هذه التحالفات "قصيرة العمر"، إذ أن "ما يربطها هو المبدأ القائل إن +عدو عدوي صديقي+. لكن في هذا التحالف الجديد، +عدو عدوي هو أيضا عدوي+". وسألت "كيف يمكن بالتالي لمثل هذه التحالفات أن تدوم؟".

 

استشرافات

1.      على المدى القريب، سيُختبر التحالف بقدرته على الانتقال من إعلان سياسي جامع إلى تنسيق عملياتي فعلي. فإذا نجحت مكوناته في تبادل المعلومات وتوزيع الجبهات وتزامن الهجمات، فقد تضطر الحكومة الفدرالية إلى تشتيت قواتها ورفع اعتمادها على الطائرات المسيّرة والضربات الجوية. مع ذلك، يُرجَّح أن يظل الأثر في حدود استنزاف السلطة وإرباكها، لا إسقاطها، ما لم ينجح التحالف في بناء قيادة موحدة وتأمين خطوط إمداد مستقرة وتحقيق اختراقات قرب المراكز الحضرية الرئيسية.

3.      على المدى المتوسط، ستبقى ديمومة التحالف رهينة قدرته على إدارة تناقضاته الداخلية وصياغة تصور مشترك لمستقبل الدولة الإثيوبية. فالخلافات حول غرب تيغراي، وحدود الأقاليم، وتقاسم السلطة والموارد قد تعود إلى الواجهة فور تراجع الضغط العسكري المشترك. لذلك، يبدو السيناريو الأرجح هو استمرار تعاون تكتيكي متفاوت بين بعض الأطراف، بالتوازي مع تعثر بناء إطار سياسي متماسك، وربما انسحاب مكونات أو تشكل تحالفات فرعية كلما تبدلت الموازين الميدانية.

4.      إقليميا، قد يؤدي اتساع القتال إلى زيادة تدفقات النزوح وتهريب السلاح، ورفع حساسية الحدود مع السودان وإريتريا والصومال، بما يفتح المجال أمام تدخلات أو وساطات خارجية متنافسة.  وفي غياب مسار تفاوضي يعالج مطالب الأقاليم ويعيد تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، يُرجَّح أن تتجه إثيوبيا إلى مرحلة أطول من عدم الاستقرار المزمن: حكومة قادرة على البقاء لكنها مستنزفة، ومعارضة مسلحة قادرة على الإزعاج والتوسع الموضعي من دون حسم. أما السيناريو الأخطر فيتمثل في تزامن انتفاضات متعددة مع انقسام داخل مؤسسات الدولة، وهو احتمال أقل ترجيحا لكنه الأعلى كلفة على وحدة البلاد واستقرار القرن الإفريقي.