استشرافات
العدوان الإيراني على دول الجوار وتأثيراته على مجالها الحيوي
23-Mar-2026
مع بداية الحرب اعتذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الجوار عن الهجمات التي نفذتها القوات الإيرانية ضد هذه الدول، وذلك خلال خطاب ألقاه ، باعتباره أحد أعضاء مجلس القيادة المؤقت الذي كان يدير البلاد.
وتواجه إيران
لحظة مفصلية في مسار حضورها الإقليمي، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع التحولات
السياسية في بيئة إقليمية تتجه نحو إعادة تشكيل توازناتها. إلا أن توصيف هذه المرحلة
بوصفها نقطة انهيار نهائي لعلاقاتها مع دول الجوار الحيوي يظل محل جدل، إذ إن
قراءة سلوك الدول في أوقات الأزمات تكشف أن تراجع النفوذ لا يعني بالضرورة فقدانه،
لكنه قد يعكس انتقاله من أنماط عادية إلى أخرى أكثر تعقيدا.
إشارات تراجع
النفوذ الإقليمي:
لا يمكن قراءة تراجع
الحضور الإقليمي الإيراني بوصفه نتيجة لخسائر عسكرية ظرفية فحسب، بل باعتباره نتاج
تآكل تدريجي في بنية العمق الاستراتيجي الذي اعتمدت عليه طهران لعقود. كما أن تواتر
الضربات التي استهدفت البنى العسكرية مؤخرا، يشير إلى تآكل نسبي في قدرتها على
حماية أصولها الصلبة، وهو ما ينعكس على إمكانات فرض الردع في محيطها الحيوي.
ويمكن اعتبار تفكك
شبكة الحلفاء، حسب تقرير تحليلي لمجموعة الأزمات الدولية، أحد أهم مؤشرات تراجع النفوذ
الشبكي الإيراني، وهو النموذج الذي اعتمد على بناء منظومة من الفاعلين من غير
الدول لتأمين مجالها الحيوي. إن التقارير التي تتحدث عن تراجع قدرات حلفاء إيران
تعكس تحولا من حالة الامتداد الوظيفي إلى حالة العبء الاستراتيجي، وهو ما يفقد
إيران أهم أدواتها في إدارة الصراع.
ويبدو أن استهداف
دول الخليج عسكريا قد أسهم بدوره في تقليص هامش المناورة الدبلوماسية أمام طهران،
حيث تراجعت فرص الوساطة والانفتاح السياسي، لصالح اصطفافات أمنية أكثر صلابة. كما
أن التنسيق المتزايد بين الولايات المتحدة وبعض الفاعلين الإقليميين، يعكس انتقال
الصراع من نمط إدارة التوتر إلى نمط إعادة تشكيل التوازنات، وهو ما يضعف قدرة
إيران على استثمار أي تناقضات محتملة بين خصومها.
من جهة أخرى،
يكشف تحليل لكارنيغي الشرق الأوسط، ما يمكن تسميته بالانكشاف الاستخباراتي عن خلل
عميق في بنية الأمن الداخلي الإيراني، حيث تكررت عمليات استهداف شخصيات قيادية ذات
خبرة طويلة في التعامل مع دول الجوار. هذا النمط من الاختراقات يشير إلى ثغرات
داخلية في المنظومة الأمنية ستؤثر على العلاقات الخارجية مستقبلا.
وهكذا يمكن
القول إن تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني لا يتمثل في فقدان مفاجئ لأدوات القوة،
بقدر ما يعكس تحولا تدريجيا في طبيعة هذه الأدوات وحدود فعاليتها. فإيران لم تفقد جوارا
الحيوي بالكامل، لكنها باتت تواجه صعوبة متزايدة في التحكم في إيقاع هذا الحضور،
سواء بسبب الضغوط العسكرية، أو تفكك الشبكات الحليفة، أو الانكشاف الأمني الداخلي.
سيناريوهات قد
تعيد تشكيل العلاقات:
لا تزال إيران
تمتلك عناصر قوة بنيوية تتجاوز التحولات الظرفية، أبرزها قدرتها على إعادة توظيف أدوات
الردع والتكيف مع الضغوط. ومن ثم، فإن الحديث عن الحفاظ على الجوار الحيوي لا يعني
استعادة شكله السابق، بل إعادة تشكيله وفق معادلات وسيناريوهات جديدة، يمكن
تلخيصها في عدد من النقاط.
-
تظل القدرات
الصاروخية الإيرانية، وفقا لمتابعات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS أحد
أهم مرتكزات الاستمرارية، حيث تمثل أداة ردع رئيسية تعوض جزئيا عن تراجع النفوذ
غير المباشر في المنطقة. فالترسانة الباليستية إذا لم يتم تقليصها ستمنح إيران
قدرة على تهديد العمق الاستراتيجي لجيرانها، ما يتيح لها الحفاظ على وزن نسبي في
معادلات القوة الإقليمية.
-
قد تلعب
العلاقات البراغماتية دورا مهما في إعادة تشكيل المجال الحيوي الإيراني، خاصة في البيئات
التي لا تحكمها اعتبارات إيديولوجية صارمة. وتبرز العلاقة مع حركة طالبان
أفغانستان كنموذج لهذا النمط، حيث تتعامل طهران مع كابول باعتبارها شريكا في إدارة
ملفات الأمن الحدودي. بما يسمح لها بالحفاظ على حضور قوي في محيطها الشرقي.
-
رأت دراسة
لمؤسسة راند عن الجغرافيا ومرونة إيران الاستراتيجية، أن البعد الجغرافي سيظل
عنصرا حاسما لقدرة إيران على ضبط علاقاتها مع الجوار الحيوي، إذ إن اتساع مساحتها إلى
جانب موقعها الجيوسياسي الرابط بين آسيا الوسطى والخليج العربي، يمنحها قدرة على
إعادة إنتاج النفوذ عبر بعض الأدوات، مثل الشبكات الاقتصادية غير الرسمية،
والروابط الثقافية والدينية. وقد تتجه طهران إلى نماذج أكثر مرونة، تعتمد على التغلغل
البطيء.
-
تدرك دول
الخليج أن الجغرافيا السياسية تجعل إيران فاعلا دائما في معادلة الأمن الإقليمي،
وأن استقرار الخليج لا يمكن أن يتحقق عبر الصدام المستمر، كما لا يمكن ضمانه عبر
الثقة الكاملة، ومن ثم فإن السيناريو الأكثر ترجيحا إذا انتهت هذه الحرب هو الجمع
بين الاحتواء والحوار في آن واحد. وقد تتجه دول الجوار إلى استئناف العلاقات
الدبلوماسية والاقتصادية مع إيران بدرجات متفاوتة، لكن مع تبني سياسات أمنية أكثر
صرامة، تقوم على تعزيز التحالفات الدفاعية وتطوير القدرات العسكرية والأنظمة
الدفاعية.
-
بعبارة أخرى،
قد نشهد نمطا من العلاقات يمكن وصفه بالتعايش الحذر، حيث تستمر العلاقات الرسمية،
لكن في ظل انعدام الثقة الاستراتيجية الكاملة. ويتوقف مسار العلاقات الخليجية الإيرانية
على سلوك إيران الإقليمي بعد الحرب، فإذا اتجهت طهران إلى تقليص تدخلاتها
الإقليمية والتركيز على الداخل، فمن المرجح أن تتوسع مساحات التعاون الاقتصادي
والسياسي معها.
وهكذا، فإن كافة
السيناريوهات التي تحدد مستقبل تعامل إيران مع الجوار الحيوي لا ترتبط فقط بما
تملكه إيران من أدوات صلبة، بل بقدرتها على التحول من فاعل صدامي إلى فاعل تكيفي
يعيد بناء نفوذه بما يتلاءم مع القيود الجديدة التي ستفرضها البيئة الإقليمية.
العوامل
الحاكمة لمستقبل الجوار الحيوي الإيراني:
لا يمكن فهم
مستقبل العلاقة مع الجوار الحيوي الإيراني من خلال مؤشرات التراجع أو الصمود
وحدها، ولكن يتعين النظر إلى عامل الزمن الاستراتيجي بوصفه محددا حاكما لسلوك
طهران، التي تعتمد مقاربة تراكمية ممتدة تقوم على امتصاص الصدمات وإعادة البناء
التدريجي. وقد أظهرت تجارب سابقة أن الأزمات العسكرية أو الاقتصادية، مهما بلغت
حدتها، لا تؤدي بالضرورة إلى تفكيك علاقاتها الإقليمية، بل تدفعها إلى التحول وإعادة
التموضع ضمن أطر أكثر مرونة، وهو ما يجعل الحكم النهائي على مسار هذه العلاقات
مرهونا بمدى زمني أطول.
ويشكل الاقتصاد
السياسي لنفوذ إيران أول عامل حاسم في تحديد قدرة حفاظها على امتداداتها
الإقليمية، إذ يعتمد جزء مهم من هذا النفوذ على الدعم اللوجستي للشبكات الحليفة من
الفاعلين من غير الدول. وتشير تحليلات خبراء كارنيغي عن الاقتصاد الإيراني إلى أن
العقوبات الاقتصادية والضغوط على موارد الدولة، أدت إلى فرض قيود متزايدة على هذا
الدور التمويلي، الأمر الذي قد يدفع إيران إلى إعادة صياغة طبيعة علاقتها بحلفائها
وبدول الجوار، بحيث تصبح علاقات أقل اعتمادا على التمويل المباشر، وأكثر اعتمادا
على المصالح المتبادلة.
ولكن في الوقت
ذاته قد تلجأ إيران إلى زيادة الاعتماد على استراتيجية نقاط الارتكاز المرنة، حيث
لا يصبح من الضروري الحفاظ على مجال نفوذ متصل جغرافيا، كدول الخليج على سبيل
المثال، بقدر الاكتفاء بامتلاك مواقع تأثير نوعية في بيئات مختلفة. ويسمح هذا
النموذج لإيران بالحفاظ على حضور إقليمي مؤثر بتكلفة أقل، كما يمنحها قدرة أكبر
على المناورة في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية.