تقديرات
ترامب وبوتين ووعود وقف الحرب في أوكرانيا
06-Jul-2026
شهدت الأيام الأخيرة تحركاً للرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر اتصالين هاتفيين منفصلين مع نظيريه الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والروسي فلاديمير بوتين. يأتي هذا الحراك الاستباقي قبيل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا (أنقرة) هذا الأسبوع، حاملاً معه تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت هذه الاتصالات كافية لإيجاد حل نهائي لحرب دخلت عامها الخامس وتخطت كل الحسابات التقليدية للقوى العظمى.
وبحسب ما نقلته وكالات
الأنباء وصف زيلينسكي محادثته مع ترامب خلال عطلة الرابع من يوليو بأنها جيدة
للغاية ومثمرة، مشيراً إلى أن هناك احتمالاً حقيقياً لإنهاء الحرب في الأمد
القريب، ومؤكداً أن العزم الأمريكي والالتزام الصارم من البيت الأبيض سيكون لهما
أهمية حاسمة ودور بنيوي في حسم هذا الصراع الوجودي.
في المقابل،
أعلن الكرملين بوضوح أن الرئيس الأمريكي عرض على بوتين خلال محادثة هاتفية مطولة
استمرت قرابة تسعين دقيقة المساعدة الكاملة في إيجاد تسوية سياسية شاملة. وناقش
الطرفان مقترحات عملية يتابعها المبعوثان الأمريكيان الخاصان ستيف ويتكوف وجاريد
كوشنر، واللذان أبديا استعداداً تاماً للقيام بزيارات مكوكية إضافية إلى العاصمة
الروسية موسكو لتذليل العقبات.
في هذا السياق،
قدم بوتين لترامب ما وصفه الكرملين بأنه تقييم واقعي للميدان على الأرض، معلناً
سيطرة قواته على مدينة كوستيانتينيفكا ذات الأهمية الاستراتيجية في شرق البلاد،
وهو الادعاء العسكري الذي سارعت كييف وهيئة أركانها العامة بنفيه جملة وتفصيلاً،
مؤكدة استمرار سيطرتها على المدينة وصمود جبهاتها الدفاعية.
البحث عن إنجاز سريع
تأتي رغبة ترامب المحمومة في حل الأزمة
الأوكرانية وتفكيك عقدها المستعصية مدفوعةً بحسابات سياسية داخلية بالغة التعقيد
والخطورة في واشنطن. فبعد اتجاه الإدارة الأمريكية نحو تبريد جبهة إيران والتوصل
لاتفاق سياسي ودبلوماسي مفاجئ معها خفّض منسوب التوتر في الشرق الأوسط، يتطلع
ترامب اليوم بشغف إلى تقديم إنجاز سياسي خارجي جديد وضخم للشعب الأمريكي والكونغرس
قبل نهاية العام الحالي، ليكون بمثابة البرهان الساطع على نجاعة عقيدته السياسية.
يواجه ترامب في الوقت الراهن ضغوطاً سياسية
هائلة وتحديات اقتصادية داخلية متزايدة تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في
الولايات المتحدة. ومن المنظور البراغماتي، فإنه إذا لم ينجح في تحقيق انتصار
سياسي ودبلوماسي وازن على الساحة الدولية يُثبت كفاءة وقوة رؤيته الشهيرة
"أمريكا أولاً"، فقد ينكشف ظهره سياسياً أمام خصومه من الحزب
الديمقراطي، وتتراجع شعبيته بشكل حاد وسريع بين أوساط الناخبين المستقلين.
هذا التراجع
المحتمل قد يهدد بشكل مباشر فرصه وفرص حزبه الجمهوري في المحطات الانتخابية
التشريعية والرئاسية القادمة. لذلك، يرى ترامب في إنهاء الحرب الأوكرانية الروسية،
ووقف استنزاف المليارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، البوابة الذهبية
والمثالية لتحصين موقفه الداخلي وإخراس الأصوات المعارضة لسياساته.
الخلاف الأميركي
الأوروبي
يصطدم قطار ترامب السريع نحو التسوية بجدار
سميك ومتين من الاعتراضات الأوروبية الصارمة. وكما أشار تقرير مفصل نشرته شبكة
"دي دبليو" (DW) الألمانية في ديسمبر الماضي، فإن الخلاف بين واشنطن والعواصم
الأوروبية البارزة مثل باريس وبرلين ولندن تحول في الآونة الأخيرة من مجرد تباينات
تكتيكية حول حجم ونوعية المساعدات إلى انقسام استراتيجي عميق يمس جوهر النظام
الأمني الأوروبي. ويتمحور هذا الانقسام الحاد حول إطار السلام المقترح أحادياً من
قِبل إدارة ترامب، والذي يتكون من ثمانية وعشرين بنداً مفصلاً لإنهاء الحرب.
تتمثل أبرز نقاط الخلاف والرفض
الأوروبي في ما يلي:
1. بند
التنازلات الإقليمية؛ إذ تفرض الخطة الأمريكية على كييف القبول بالأمر الواقع
والتنازل عن أجزاء واسعة من أراضيها الشرقية لروسيا، والاعتراف الدولي الرسمي
بسيادة موسكو على شبه جزيرة القرم في مقابل تأكيد السيادة على بقية الأراضي.
2. كما
تشمل الاعتراضات القيود العسكرية والأمنية المشددة المتمثلة في إلزام أوكرانيا
بتعهد قانوني بعدم الانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لفترة زمنية طويلة، وتقليص
حجم الجيش الأوكراني وسقفه البشري إلى نحو ستمائة ألف عنصر فقط، وهو ما تراه
العواصم الأوروبية خطراً استراتيجياً جسيماً يترك أوكرانيا مكشوفة وضعيفة أمام أي
تهديدات أو هجمات روسية مستقبيلية.
3. يضاف
إلى ذلك انقسام حاد وغير مسبوق في الخطاب الاستراتيجي الرسمي بين ضفتي الأطلسي، لا
سيما بعدما انتقدت وثيقة الأمن القومي الأمريكية الجديدة الصادرة عن البيت الأبيض
قدرات أوروبا وتوجهاتها الدفاعية، واصفة الاتحاد الأوروبي بأنه يواجه تحديات
بنيوية قد تفقده مكانته كحليف موثوق. هذا الهجوم الدبلوماسي دفع مسؤولة السياسة
الخارجية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى رد رسمي صارم دعت فيه إلى ضرورة صياغة
استراتيجية أوروبية مستقلة تماماً في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية، معتبرة أن
الانتقادات الأمريكية يجب أن توجه لروسيا التي تقمع الحريات وتخترق القوانين
الدولية وليس للحلفاء التاريخيين.
التحديات الاقتصادية
يمر الاقتصاد
الأمريكي بمرحلة حرجة وضبابية تفرض ضغوطاً هائلة وقيوداً صارمة على مناورات إدارة
ترامب السياسية. وتتمثل أبرز هذه التحديات في التباطؤ الواضح في معدلات النمو
الاقتصادي؛ إذ تشير البيانات الاقتصادية إلى أن معدل النمو لعام 2024 لم يتجاوز في
أفضل حالاته نسبة ثلاثة بالمائة، وهو رقم منخفض ومقلق إذا ما قورن بعوائد سندات
الخزانة الأمريكية التي تخطت حاجز الأربعة بالمائة، مما يعني أن العائد على النمو
أقل مما تدفعه الحكومة لحاملي السندات. كما أن معدلات التضخم تظل مقلقة ومرتفعة
عند مستويات تفوق المستهدفات التقليدية المقدرة باثنين بالمائة، مما يساهم في تآكل
القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي، لا سيما في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الغذاء
والطاقة وتكاليف الشحن الدولي الناتجة عن التوترات الجيوسياسية المستمرة في
الممرات المائية الحيوية.
علاوة على ذلك،
تشهد الولايات المتحدة تفاقماً تاريخياً وقياسياً في الديون الفيدرالية العامة،
والتي تجاوزت في الأعوام الأخيرة حاجز خمسة وثلاثين تريليون دولار، مقارنة بناتج
محلي إجمالي للبلاد يبلغ نحو خمسة وعشرين تريليون دولار فقط. هذا الخلل الهيكلي
الضخم يضيق إلى حد كبير خيارات الحكومة الفيدرالية في مجال الإنفاق العام على
مشاريع البنية التحتية الضخمة أو مواجهة حالات الطوارئ الاقتصادية.
وعلى صعيد الملف
التجاري والسياسة النقدية، يواجه ترامب معضلة احتمالية خروج "الأموال
الساخنة" والاستثمارات قصيرة الأجل من البنوك الأمريكية باتجاه أسواق ودول
تقدم معدلات فائدة أعلى، وذلك نتيجة التوجه نحو تبني سياسات نقدية تيسيرية وخفض
الفائدة، مما يؤثر سلباً وبشكل مباشر على القوة التاريخية للدولار. وفي ذات
السياق، يبرز صعود وتمدد تحالف دول "بريكس" كتهديد استراتيجي طويل الأمد
لاستقرار وهيمنة النظام الاقتصادي الأمريكي؛ نظراً لأن هذا التحالف يمثل قرابة
أربعين بالمائة من سكان العالم وثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويسعى بجدية
لإنشاء نظام مالي ومصرفي بديل يضعف من سيطرة وعولمة العملة الأمريكية.
تقدير موقف
1. بالنظر
إلى مجمل المعطيات السياسية والميدانية والاقتصادية المتشابكة، لا يبدو في الأفق
أن ترامب يستطيع الوصول إلى اتفاق خاطف، سحري، ومفاجئ مع طرفي النزاع بذات الطريقة
الاستباقية والأحادية التي أدار بها ملف إيران ليفرضه كأمر واقع منجز قبيل انعقاد
قمة الحلف الأطلسي الحالية في تركيا.
2. إن
محادثات التسعين دقيقة الهاتفيّة لترامب مع بوتين والاتصال التنسيقي بزيلينسكي
ليسا سوى خطوة أولى وبداية متواضعة لوضع أسس التفاوض الأولي، ومحاولة جادة من
البيت الأبيض لاستكشاف الخطوط الحمر الحقيقية لكل طرف خلف الستار. فالحرب
الأوكرانية الروسية تبدو أعقد بكثير وأعمق جذوراً من أي ملف إقليمي آخر؛ نظراً
لارتباطها البنيوي المباشر بالأمن القومي الشامل للقارة الأوروبية، وإصرار القيادة
في موسكو على فرض تقييمها الميداني والعسكري على الأرض كشرط غير قابل للتفاوض لأي
تسوية، يقابله رفض زيلينسكي العلني والصارم لتقديم أي تنازلات سيادية تجبر بلاده
على تقييد قدراتها الدفاعية المستقبلية، معتبراً قبول خطة ترامب بشروطها الحالية
بمثابة استسلام قسري وخيار بالغ الصعوبة يضعه بين فقدان الكرامة الوطنية أو خسارة
الشريك الاستراتيجي الأمريكي.
3. بناءً
على ذلك، فإن هذه الاتصالات الهاتفية المكثفة هي مجرد تدشين لـ "عمل قيد
التنفيذ" وإعلان عن انطلاق مسار تفاوضي ودبلوماسي شائك، طويل ومحفوف
بالمخاطر. وستحاول واشنطن من خلاله في المرحلة المقبلة موازنة ضغوطها العسكرية
والمالية على كييف، مع ضرورة استيعاب وتبديد المخاوف الأمنية المشروعة للحلفاء
الأوروبيين، وذلك في محاولة بالغة التعقيد لإجبار كافة الأطراف على الجلوس إلى
طاولة مفاوضات حقيقية لا تمنح نصراً كاملاً لطرف على حساب الآخر.