تغيير مفهوم العقيدة النووية الإيرانية: حدود الدفاع والهجوم

تقديرات

تغيير مفهوم العقيدة النووية الإيرانية: حدود الدفاع والهجوم

23-Apr-2024

حذر المسؤول عن أمن المواقع النووية الإيرانية العميد "أحمد حق طلب"، وفقا لوكالة تسنيم في يوم 18 إبريل من أن طهران قد تغير عقيدتها النووية، قائلا "إذا كانت إسرائيل تريد استخدام التهديد بمهاجمة المواقع النووية للضغط على إيران، فمن الممكن أن تقوم الجمهورية الإسلامية بمراجعة عقيدتها وسياساتها النووية، والانحراف عن اعتباراتها المعلنة السابقة". وجاءت تصريحاته بعد يوم من إعلان "زوهار بالتي"، مدير المخابرات السابق في الموساد، أن لدى بلاده العديد من الخيارات على الطاولة للرد على هجمات طهران الأخيرة. 

وعلى عكس التوقعات تجاهل المرشد الإيراني "علي خامنئي" الهجوم الإسرائيلي على أصفهان، وعلق خلال لقاء بكبار قادة الجيش، نقلت تفاصيله وكالة إرنا الرسمية في 21 إبريل، على الهجمات الإيرانية ضد إسرائيل قائلا "في ردنا على إسرائيل يجب إظهار قوتنا ولا يهم عدد الصواريخ أو الأهداف".

لطالما أكد المسؤولون الإيرانيون أن برنامج طهران النووي مخصص للأغراض السلمية فقط. لكن الخبراء أجمعوا في تقييمهم على أن التخصيب بالمستويات والكميات التي تقوم بها إيران منذ عام 2021 لا يمكن تبريره في غياب برنامج أسلحة، حتى أن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أشار في نوفمبر الماضي، إلى أن إيران تمتلك ما يكفي من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60% لصنع ثلاث قنابل نووية. فهل تتغير العقيدة النووية الإيرانية في المستقبل القريب لتمثل التهديد الوجودي لإسرائيل؟

تعود المساعي النووية لإيران إلى ستينيات القرن الماضي في ظل نظام بهلوي الذي شرع في تطوير برنامج نووي بدعم غربي كبير. ولكن بعد قيام الثورة الإسلامية في عام 1979، أصبحت عقيدتها النووية تؤكد على التطبيق السلمي للتكنولوجيا النووية بما يتوافق مع معاهدة منع الانتشار، التي تسمح باستخدام الطاقة النووية لأغراض غير عسكرية.

ومع مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن كثب للأنشطة النووية الإيرانية، كانت منظمة الطاقة النووية الإيرانية تؤكد باستمرار على أن برنامجها النووي مخصص بالكامل للأغراض السلمية وأغراض الطاقة فقط، وأنها لا تنوي تخصيب اليورانيوم إلى درجة صنع الأسلحة. 

ومن وجهة النظر الرسمية المعلنة، فهذه العقيدة تنبع من توجيهات قائد الثورة الإسلامية الذي أكد على أن إيران لا تتطلع إلى هذا النشاط، على الرغم من أنها تستطيع ذلك. وعلى عكس الاتهامات الغربية لإيران، يؤكد إعلام طهران مرارا وتكرارا أن الأسلحة النووية لا تتوافق مع الإسلام وتعاليم القرآن الكريم، ولا مع الأيديولوجية التي تكمن في قلب الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني. كما ألمحت العديد من البيانات العامة والخطب التي أدلى بها قادة طهران، إلى أن الأسلحة النووية غير أخلاقية بطبيعتها، وأن نشرها خطيئة فادحة. 

إذا عدنا إلى الفترة التي سبقت قصف إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق، في وقت سابق من هذا الشهر، سنجد أن نبرة الحديث ارتفعت في إيران حول قدرتها على تطوير سلاح نووي وضرورته المتصورة. ففي يناير 2024، تم سؤال "محمد إسلامي"، الرئيس الحالي لمنظمة الطاقة النووية الإيرانية، في بث مباشر للتليفزيون الإيراني، عما إذا كان الوقت قد حان لإيران لامتلاك أسلحة نووية. وفي حين جادل إسلامي ضد امتلاكها، مستشهدا بالعقيدة الإيرانية، فإن مجرد طرح السؤال على التلفزيون الرسمي يشير إلى الجدل الداخلي المتزايد حول فائدة الأسلحة النووية وجدواها. 

إن إيران تشعر بأن أنشطتها النووية مقيدة على عكس عدوتها إسرائيل، التي تعد واحدة من أكبر القوى النووية، وهي واحدة من أربع دول نووية غير مُعرفة في معاهدة الحد من الانتشار، وتداوم على سياسة "التعتيم النووي". وفي زخم التصريحات الإسرائيلية عقب أحداث 7 أكتوبر قالت "تالي غوتلييف" النائبة المحسوبة على حزب الليكود في الكنيست، في عدة منشورات على منصة "إكس"، مخاطبة جيش الدفاع "أحثكم على القيام بكل شيء، واستخدام أسلحة يوم القيامة بلا خوف ضد أعدائنا"، مشيرة إلى استخدام الأسلحة النووية ضد قطاع غزة. 

هذا الأمر أثار الجدل في كافة وسائل الإعلام الإيرانية ومنصات التواصل، حول ضرورات امتلاك أسلحة نووية وتغيير العقيدة، وزادت وتيرة هذه الأحاديث بعد الغارة الإسرائيلية في دمشق. على أية حال، قد تتغير العقيدة النووية الإيرانية كلية، إذا تعرضت المواقع النووية الإيرانية للهجوم، فالرسالة ، كما نقلها الإيرانيون، أن طهران تستطيع تدمير مفاعل ديمونة إذا أرادت ذلك للدفاع عن نفسها. 

كتب "سينا آزودي"، أستاذ الشؤون الدولية في كلية إليوت بجامعة جورج واشنطن، في فورين بوليسي، 18 إبريل، أن الأزمة النووية الإيرانية ليس لها حل عسكري، ويظل السؤال قائما حول ما إذا كانت طهران ستستخدم برنامجها كسلاح يرتبط بتصورات التهديد لدى القيادة السياسية أم لا.

من الممكن اعتبار التهديدات النووية المتبادلة نوعا من أساليب الردع، حيث وقعت حوادث في المنشآت النووية الإيرانية من قبل ولم يتم التصعيد لأكثر من بعض التصريحات الغاضبة، فكل طرف يعرف حدوده جيدا. وفي عامي 2020 و2021، ضرب انفجاران داخليان منشأة تخصيب اليورانيوم الإيرانية في نطنز، ونُسبت الهجمات إلى إسرائيل على الرغم من أنها لم تعلن مسؤوليتها مطلقا. ولم تتحرك إيران وقتئذ بخطوات عدائية ضد تل أبيب، التي التزمت هي الأخرى بالقواعد بعد الهجمة الصاروخية الإيرانية عليها، واكتفت برد تقليدي محدود في أصفهان. 

مع ذلك سيظل المجتمع الدولي متشككا في نوايا إيران وقدرتها على متابعة مثل هذا الخطاب، والتهديد بتغيير عقيدتها النووية، وعلى حد قول "أميد شكري"، الأستاذ الزائر في جامعة جورج ميسون الأميركية، لسكاي نيوز في 20 إبريل، إن "الجهات الفاعلة العالمية ستراقب تصرفات إيران عن كثب، وسيكون هناك تخوف مستمر بشأن التداعيات المحتملة لأي انحراف عن عقيدتها النووية الراسخة". 

ومن الطبيعي أن يشعر شركاء إيران المفاوضون، بالقلق من أي تحولات قد تؤدي إلى تقويض الجهود الدبلوماسية السابقة وتصعيد التوترات، فإيران النووية ستصبح أكثر خطورة مما سبق، وقد ترى طهران أنه وفقا للمستجدات فإنها تحتاج إلى أسلوب ردع جديد، وأن الجمع بين وكلائها ووجود قنبلة نووية قد يفي بالغرض.


twitter icon threads icon 22