تقديرات
مسارات إنهاء حرب أوكرانيا وضمانات منع تجدد الصراع
21-Jan-2026
في خضم الحرب الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، شهدت الفترة الأخيرة تفاعلات دبلوماسية مكثفة بين كييف وواشنطن بهدف الدفع نحو اتفاق سلام شامل، مع تقديم مقترحات لضمانات أمنية، بينما لا تزال المواقف الروسية تميل إلى التشدد والربط بين وقف إطلاق النار ومسائل إقليمية حساسة، مثل السيطرة على دونباس والمواقع النووية، ما يجعل التوصل إلى اتفاق شامل شديد التعقيد، في ضوء استمرار الهجمات العسكرية المتبادلة وتصريحات كل طرف عن شروط مسبقة غير قابلة للاستسلام، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول فعالية الإجراءات الحالية في إنهاء الحرب ومنع تجددها بعد التوصل إلى اتفاق.
طبيعة الضمانات الأمنية المقترحة
ترتكز أهم محاور الجهود الجارية على
الضمانات الأمنية التي يفترض أن تُقدم لأوكرانيا في مقابل موافقتها على شروط وقف
القتال وتسوية النزاع. وقد نشرت أسوشيتد برس في 29 ديسمبر 2025، أن الولايات المتحدة عرضت
ضمانات أمنية لمدة 15 عاما كجزء من خطة سلام، بينما طلبت كييف ضمانات أطول تمتد
بين 30 و50 سنة لضمان الاستقرار طويل المدى، وهو ما يعكس الوعي الأوكراني بأهمية
وجود آليات قوية للردع تحمي سيادتها وتمنع أي محاولة روسية لتجدد العدوان.
ولم تعلن تفاصيل الضمانات الأمنية حتى الآن، لكن زيلينسكي صرح بأنها
تشمل كيفية مراقبة اتفاق السلام، بالإضافة إلى وجود الشركاء. ولم يدل بتفاصيل
إضافية، لكن روسيا صرحت بأنها لن تقبل بنشر قوات من دول الناتو في أوكرانيا.
اختبارات واقعية صعبة
وهكذا، فإن أي طرح لحل الأزمة يواجه
اختبارات واقعية صعبة، فلا تزال هناك خلافات جوهرية حول الوضع النهائي للأراضي
المتنازع عليها، مثل دونباس ومحطة زابوريجيا النووية، ما يعرقل صياغة ضمانات واضحة
ومستقرة. وعندما سألت صحيفة كييف بوست الرئيس زيلينسكي في 29ديسمبر الماضي، عما
إذا كانت أوكرانيا ستقدم تنازلات مقابل ضمانات أمنية، أكد أن القرارات المتعلقة
بالأراضي لا يمكن أن يتخذها القادة بمفردهم، فذلك يتطلب استفتاء وطنيا. وقد أقر الرئيس
الأميركي أيضا بأن هذه القضية لا تزال عالقة. ويتضح من استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية أن
الضمانات المقترحة لم تترجم بعد إلى وقائع على الأرض تطمئن أوكرانيا. كما أن عدم
مشاركة موسكو بشكل فاعل في صياغة بنود الضمانات يزيد من خطر هشاشة الاتفاق.
لقد أشار تحليل للباحث سيرجي تسيفكاش في مركز الدراسات الإستراتيجية
والدولية بواشنطن CSIS (5 ديسمبر الماضي)، إلى أن أي اتفاق سلام غير
مُحكم قد يتحول إلى فرصة استراتيجية لخصوم أوكرانيا إذا لم يشمل ضمانات حقيقية
تحمي سيادتها. بمعنى آخر، لا يكمن الخطر في وجود اتفاق، لكن في قدرته على الديمومة
ومنع استغلال ثغراته لتجديد النزاع.
تحديات وإمكانات منع تجدد الصراع
لن يكون إنجاز اتفاق سلام دائم كافيا
إلا إذا سبقه أو تلاه نظام فعال لمنع تجدد الحرب، يشمل آليات فض النزاعات والمراقبة.
وبطبيعة الحال، فإن نشر قوات حفظ سلام ومراقبين مستقلين قد يساعد على الحد من الخروقات،
بالإضافة إلى آليات حل المنازعات عبر قنوات محايدة.
في حالة أوكرانيا، لم تذكر أي تقارير
دولية أن هذه الآليات مصاغة بدقة، فلا توجد خطة عملية واضحة ومقبولة، وهو ما يضعف
فعالية أي اتفاق سلام محتمل. إضافة إلى ذلك، فإن غياب مشاركة الأمم المتحدة يضعف
فرص تنفيذ الالتزامات على أرض الواقع، ويزيد من احتمالات عودة النزاع إذا ضعفت
الإرادة الدولية أو تغيرت أولويات اللاعبين الرئيسيين. ويظل الدمج بين الضمانات
الأمنية وآليات منع تجدد الصراع رهانا أساسيا لضمان سلام دائم وليس مجرد وقف
لإطلاق النار.
على أية حال، تسببت المفاوضات في اشتعال فتيل حرب جديدة بين أوكرانيا
وروسيا، ولكن هذه المرة بعيدا عن أرض المعركة، إذ تتمحور المواجهة حول التأثير على
تصور الرئيس الأميركي الذي يقود مفاوضات السلام بين البلدين، في محاولة من كل طرف
لترسيخ موقفه وكسب ود واشنطن قبل أي اتفاق محتمل، وذلك فقا لمقال صحيفة نيويورك
تايمز المنشور في 31 ديسمبر الماضي.
السلام الممكن الواقعي
بناء على التطورات السياسية
والدبلوماسية الراهنة هناك سيناريو واقعي أكثر احتمالا، فمن الممكن أن يحدث اتفاق
لوقف إطلاق النار وبدء تسوية جزئية للصراع تبنى على توافقات مرحلية حول الضمانات
الأمنية، لكن دون إنهاء شامل للصراع. هذا المسار يستند إلى مؤشرات مثل تأكيد زلينسكي
لرويترز في 1 يناير الجاري، أن اتفاق السلام جاهز بنسبة 90٪ ويقترب من التوقيع، مع
بقاء بعض التفاصيل الحساسة المتعلقة بالحدود والسيطرة على دونباس، ما يجعل التوصل
إلى صيغة وسطى ممكنة دون تنازلات غربية جذرية لمسائل السيادة.
قد يشمل الاتفاق وقف إطلاق النار ومراقبة
دولية مشتركة، وهي خطوة تقدم ضمانات مؤقتة لمنع عودة القتال، لكنها تظل هشة ما لم يتضمن
نشر قوات حفظ سلام متعددة الجنسيات أو عقوبات سريعة في حال الخروقات. إن التحدي
الرئيس في هذا السيناريو هو أن وقف إطلاق نار مؤقت لا يعالج جذور الصراع، خصوصا
مسألة تحديد الوضع النهائي للأراضي الخلافية.
سيناريو أكثر تقدما
بالرغم من ذلك، يمكننا تخيل سيناريو أكثر
تقدما، وإن كان أقل احتمالا، يقوم على تسوية واسعة مبنية على ضمانات أمنية قوية، وتهيئة
ظروف دبلوماسية تجبر الطرفين على التوافق على إطار أوسع للسلام. في هذا السيناريو،
لا يقتصر الاتفاق على وقف إطلاق النار، بل يتضمن أيضا اتفاقا صريحا بشأن الحدود
والسيادة الوطنية. وقد تقدم الضمانات الأمنية في شكل اتفاقية دولية ملزمة لحماية
أوكرانيا من أي عدوان مستقبلي، مع بنود لتثبيت نزع السلاح النووي أو التحكم في
التسلح التقليدي.
بالإضافة إلى ذلك، يرى تقرير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب
والاستخبارات في هولندا، أن آليات منع تجدد
الصراع يجب أن تتضمن إجراءات لتسوية النزاعات ومعالجة الخلافات قبل أن تتصاعد. كما
يمكن أن تشمل دعما لإعادة الإعمار وبرامج بناء الثقة بين المجتمعات المحلية، ما يسهم
في تقليل دوافع تصعيد النزاع داخليا. ومن شأن إشراك مؤسسات دولية مثل الأمم
المتحدة أو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إضافة مستوى أعلى من الحياد والضمانات،
مما يزيد من احتمال بقاء السلام طويل الأمد.
وإذا نجحت هذه الآليات وأحكم تطبيقها،
فإن فعالية الإجراءات في منع تجدد الصراع ستكون عالية نسبيا، مع إمكان انتقال
الوضع من وقف هش لإطلاق النار إلى سلام دائم ينبثق من توازنات أمنية إقليمية مثبتة
ومتفق عليها دوليا.
آفاق التسوية النهائية
1.
يمكن القول إن
الإجراءات الجارية لإنهاء الحرب الأوكرانية تعكس إرادة سياسية متزايدة لوقف
القتال، لكنها لا تزال أقل من مستوى بناء سلام مستدام.
2.
فالتقدم
الدبلوماسي الحالي يتحرك داخل هامش ضيق تفرضه فجوة ثقة عميقة وتناقض التصورات حول
معنى الضمانات الأمنية وحدودها ومدتها.
3.
كما أن غياب
اتفاق واضح حول القضايا الجوهرية، وعلى رأسها الأراضي والسيادة وآليات الردع، يجعل
أي تسوية محتملة أقرب إلى الهدنة وليست معالجة بنيوية لأسباب الحرب، بما يبقي
احتمالات الانتكاس قائمة.
عليه، فإن فعالية مسار إنهاء الحرب ستظل مرهونة بقدرة الأطراف الدولية
الراعية على تحويل الضمانات من وعود إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وربطها بآليات
واضحة لمراقبة الاتفاق. دون ذلك، سيظل السلام المحتمل هشا، قابلا للاختبار مع أول
أزمة كبرى، وستبقى الحرب الأوكرانية نموذجا جديدا لصراعات ما بعد الحرب الباردة
التي تُجمد ولا تُحل، بما يفرض على النظام الدولي كلفة أمنية وسياسية ممتدة تتجاوز
حدود أوكرانيا ذاتها.