ورث داعش من القاعدة العمل بعناوين يتخفى تحتها، منذ قرر أسامة بن لادن العمل في اليمن باسم أنصار الشريعة، وأتبع ذلك بقبوله بيعات كثيرة في أفريقيا وآسيا تعمل بأسماء حركية أخرى، أهمها الآن جماعة مسلحة متطرفة إرهابية ظهرت في سوريا، وهي (سرايا أنصار السنة)، التي تحدث عنها مؤخرا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش في تقرير صدر خلال هذا الشهر فبراير 2026 حول التهديدات التي يشكلها، حيث قال إن رئيس سوريا أحمد الشرع ووزيري الداخلية والخارجية، كانوا أهدافا لخمس محاولات اغتيال خلال العام الماضي، من قبل مجموعة تعرف باسم "سرايا أنصار السنة"، التي يعتقد أنها واجهة لتنظيم "داعش".

 

غموض وإعلان

المعلومات المتعلقة بهذا التنظيم نادرة، خاصة ما يتعلق بحجمه الحقيقي، وقدراته العملياتية، وهيكلة قيادته، ومع ذلك ومن متابعة قناته الخاصة في التلغرام، فإنه تبنى عمليات عنف طائفي ضد الطائفة العلوية، وخطاب تحريضي ضدها هي وقوات قسد، والحكومة السورية ورئيسها أيضا.

بدأ تنظيم الدولة العمل في سوريا تحت عنوان (جبهة النصرة لأهل الشام)، وكان ذلك معروفا للجميع أنها جبهة تعمل كامتداد للتنظيم بالعراق، حتى حدث الانفصال الشهير، وانتقلت إلى تنظيم القاعدة بنفس الاسم، لينتهي بها المطاف في النهاية لمجموعة من التحالفات شكلت جبهة فتح الشام، ثم هيئة تحرير الشام.

وعمل داعش خلال حقبة الثورة السورية المسلحة باسمه المركزي وبأذرع وخلايا منفردة، وكانت بعض المجموعات تتحالف معه مرة وتبايعه مرات، مثل (لواء جند الأقصى)، الذي انتقل منه إلى هيئة تحرير الشام أكثر من مرة.

وعقب دخول الفصائل إلى دمشق بقيادة هيئة تحرير الشام، في عملية ردع العدوان، استمر داعش في عمله الكامن المركزي، وانتقلت أغلب عناصره إلى داخل المدن، وكان إعلامه يواصل نفس الطريقة، في الهجوم على النظام الناشئ، ويعتبره مرتدا يواصل نفس أساليب العلمانيين في الدول الأخرى، وأنه (أي أحمد الشرع) مكلف من قبل الغرب بحربه.

بعد عدة شهور ظهر تشكيل جديد اسمه (سرايا أنصار السنة) وبقيت المعلومات المتعلقة به غير معروفة، إلا في مجموعات خاصة أنشئت لهذا الغرض، لكن صحيفة التنظيم الأسبوعية (النبأ) ألمحت إلى دعوة مواطني سوريا للانضمام إلى خلايا تابعة له في القرى.

كان أول ظهور للسرايا رسميا في أوائل فبراير عام 2025. وحسب بياناتها يُعرف "أبو عائشة الشامي" كقائد لها. و"أبو الفتح الشامي" مسؤول الإعلام الشرعي والتواصل. كما ورد اسم "أبو حفص الطرابلسي" في أحد بياناتها. ولا تزال هوية "أبو عائشة الشامي" الحقيقية وغيره غير معروفة. كما أن عدد أعضائه مقارنة بعملياته التي اقتصرت على الاغتيال قد لا تتعدى العشرات من السوريين، وقد يكون بينهم لبنانيون آخرون إلى جانب "أبو حفص الطرابلسي". وحسب المتابعة فإن السرايا تتكون من عناصر رئيسية من تنظيم الدولة وأخرى سابقة في هيئة تحرير الشام أو منشقة عنها.

 

منظمةٌ لا مركزية

يصف معهد واشنطن “سرايا أنصار السنة”  بأنها منظمةٌ لا مركزية لا تملكُ مقراً رسمياً، وهذا الهيكل اللامركزي يمنحها مرونةً عملياتيّة كبيرةً ويجعلها أكثر مقاومةً لجهود مكافحة الإرهاب؛ حيث يصعب استهداف قيادتها أو هياكلها التنظيمية التقليدية  كما يسمح لها بالعمل كشبكة من الخلايا الصغيرة أو حتى “فاعلين منفردين” بدلاً من جيشٍ منظّمٍ يصعبُ تتبّع عناصره، مقدرا حجم  الهيكل البشري التابع لها  بنحو (1,600) عنصر مقاتل، إضافة إلى حفاظها على نهج عبر الإنترنت للاستقطاب بما يشيرُ إلى شبكةٍ لا مركزيةٍ من الفاعلين الفرديين بدلاً من منظمةٍ رسميةٍ صارمةٍ.

وفي منتصف مارس العام الماضي أعلنت "سرايا أنصار السنة" عن إيقاف "إعلامها العسكري" الذي كان ينقل أخبار عملياتها، دون توضيح الأسباب. لكن بعض الاستفسارات التي وُجهت لـ "أبو الفتح الشامي" في صفحته الرسمية بتلغرام تشير إلى احتمالات تعرض بعض عناصره للاعتقال والملاحقة من القوات الأمنية التابعة للحكومة.

 

أنشطة إرهابية

من قراءة بيانات السرايا، فهي تعارض بشدة إدماج أعضاء سابقين في حزب البعث بالوظائف الحكومية، أو إعادة جنود وضباط الجيش السابق إلى وحدات الجيش الجديد. كما تتبنى خطابا معتدلا من داعش، يتمحور حول عدم جواز قتالهم بالتحالف مع غير المسلمين، في إشارة إلى انضمام الشرع للتحالف الدولي والتنسيق والتعاون مع أمريكا في مكافحة الإرهاب.

وأعلنت سرايا أنصار السنة محاربة الحكومة السورية الجديدة والرئيس الشرع وكل من يعاونه من حكومته. وتوعدت بالمواجهة العسكرية التي وصفتها أنها قادمة و"حتمية". فيما لم تخف محاولتها استغلال جغرافية محافظة حمص للوصول إلى لبنان و"تحريرها".

ومن خلال رصد بياناتها، ورغم عدم تقديم أدلة (صور أو مقاطع فيديو) تثبت بشكل قاطع تنفيذها المباشر لهجمات على الطوائف السورية، فقد أعلنت مسؤوليتها عن: مقتل 10 من الطائفة الشيعية في قرية أرزة بمحافظة حماة. وإضرام حرائق في مناطق حرجية في القرداحة، مسقط رأس عائلة الأسد، أوائل العام الماضي.

كما شاركت في "مجازر العلويين بالساحل"، حيث صرح "أبو الفتح الشامي" بأن ما حدث هو "مجرد بداية وأن القادم سيكون زلزالا يهز الأراضي السورية بأكملها". وتعتبر العملية الأبرز التي قامت بها هي استهداف كنيسة دمشق، التي أعلنت في بيان رسمي مسؤوليتها عنها، وكانت الداخلية السورية أعلنت أن داعش يقف وراء الحادث، في الوقت الذي لم يعلن التنظيم المركزي مسؤوليته عن الحادث، وأعلنت السرايا.

 

تحولٍ عرْقيٍ دينيٍ أوسع

في شهر سبتمبر 2025 أصدرت سرايا أنصار السنة بيانا بعد فترة غابت فيها عن المشهد الإعلامي قالت فيه: إن الحق لا يزول، وأنّ العزم باق، وأن السير ماض، حتى يحكم شرع الله في ربوع الأرض. وأما رسالتنا إلى المسلمين ونخص منهم أهل الشام فالتحقوا بركب المجاهدين، وكونوا عونا لإخوانكم بما استطعتم فمن عجز عن الالتحاق فليكن جنديا بنفسه، يذود عن دينه بما يملك.

1.    يشير “معهد دراسات الحرب” إلى أنه ليس من الواضح ما إذا كانت سرايا أنصار السنة تنفذ جميعَ الهجماتِ التي تدّعيها أو أنها تدّعي زوراً حوادث أمنية، مثل مسؤوليتها عن هجوم كنيسة “مار إلياس”، كما أن نمطَ الهجمات، لا سيَّما التركيزُ على العنف الطائفي ضد الأقليات وعناصر النظام السابق، يشيرُ إلى هدفٍ استراتيجيٍ يتجاوزُ مجرد السيطرة على الأراضي أو النفوذ السياسي، حيث الاستهداف  المباشر للعلويين والشيعة والدروز والمسيحيين.

2.    أن التصريح بأن هدفَ الجماعة هو “القضاء” على هذه الجماعات أو تهجيرها  يشير إلى استراتيجيةٍ متعمّدةٍ للتطهير الطائفي والانتقام ضد الجماعات التي تعتبرها أعداءً لرؤيتها السلفية الجهادية.

3.    هذا الوضع يشير في نهاية الأمر إلى تمهيد الطريق لدولة السرايا الإسلامية الحصرية القائمة على أساسٍ متطرفٍ، فخياراتُ الأهدافِ والدوافعِ المعلَنةِ لهم  تكشف  أن الأنشطةَ العملياتيةَ للجماعة ليست أعمالاً عشوائيةً من الإرهاب بل خطواتٍ محسوبةً نحو تحولٍ عرْقيٍ دينيٍ أوسع وأكثر طائفية في سوريا.

الخلاصة، واضح أن سرايا أنصار السنة هي عنوان لتنظيم الدولة في سوريا، وأنه اعتمد على هذه الاستراتيجية، من قبل مثل جماعة "جيش خالد بن الوليد" كواجهة له في منطقة درعا، و"سرايا أنصار أبو بكر الصديق"، ويستهدف هذه المرة الاختفاء وراء اسم سرايا أنصار السنة لتحقيق عدة أهداف: عدم إعطاء النظام السوري الجديد شرعية محاربته لداعش، وتلقيه دعما كبيرا في هذا المضمار، كما أن هذا سيساعده على سهولة الاستقطاب والتجنيد وعمل التحالفات.