انتخبت حركة حماس ، انتخاب خليل الحية رئيسًا لمكتبها السياسي، بعد عملية تصويت تمت يوم السبت، شارك فيها 23 عضوًا يمثلون حصة قطاع غزة في مجلس الشورى العام، الذي يبلغ عدد أعضائه 69 عضوًا. 
جاء الإعلان بعد جولة أولى لم تُحسم، إذ فشل المتنافسان الحية ومشعل في حسم المنافسة خلالها، ولم يحصل أي منهما على الأغلبية المطلوبة (50% + صوت واحد من أعضاء مجلس شورى الحركة)، وفقًا لوسائل إعلام. وبذلك يحل الحية محل المجلس المؤقت للحركة، الذي يدير حماس وشؤون القطاع منذ اغتيال يحيى السنوار في أكتوبر 2024، بحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت».

ووفق قناة الغد العربي فإن الحية لعب دورًا محوريًا في مفاوضات وقف إطلاق النار خلال الحرب الدائرة منذ 7 أكتوبر 2023، وأصبح الشخصية الأكثر نفوذًا في الحركة بالخارج منذ اغتيال إسماعيل هنية في إيران على يد إسرائيل في يوليو 2024. وهو يُعتبر الزعيم الفعلي لحماس في قطاع غزة، فيما تعتبره إسرائيل حليفًا وثيقًا للمحور الإيراني.

 

أسباب فوز الحية

هناك جملة من الأسباب التي دفعت إلى اختيار الحية وأهمها التنظيمية:

أولا، فقد رجح مراقبون ومنهم يونس العموري أنه بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، أصبح لكتائب القسام الكلمة العليا والنهائية في تحديد هوية رئيس الحركة. و«الحية» هو الامتداد الطبيعي لخط يحيى السنوار وإسماعيل هنية، ويحظى بثقة مطلقة من القيادة العسكرية.

ثانياً ، فإن الحية من أبناء إقليم غزة، التي أصبح لها الكلمة العليا والنهائية في تحديد هوية رئيس الحركة؛ وهو الآن يعد الامتداد الطبيعي لخط يحيى السنوار وإسماعيل هنية، ويحظى بثقة مطلقة من القيادة العسكرية، عكس «مشعل» الذي ينظر إليه البعض داخل غزة على أنه يمثل تيار الخارج على حساب الداخل.

كما أنه وفق الكاتب الفلسطيني ثابت عمور فإن مشعل من الحرس القديم أي مدرسة الاخوان وهذا التيار التقليدي تم تجاوزه في حماس وهي لا تريد العودة له، وقاد تغييرا كبيرا في الحركة انتهى بلا شيء، وهو عرّاب الوثيقة السياسية 2017، ويريد تحويل الحركة لحزب سياسي براغماتي، ولم يراع التربية والتثقيف، وهو ما خفض أسهمه أمام الحية.

ويرى البعض أن رؤية خالد مشعل التنظيمية مرتبكة وغير متكاملة، وقام بعمل (كوتات) أي توازنات تنظيمية، أما خليل الحية، فهو يريد الحفاظ على هيكل متكامل بين الخارج والداخل وتوصيف حماس حركة مقاومة.

وهناك أيضاً العديد من الأسباب الاستراتيجية لاختيار خليل الحية لكن أهمها على الإطلاق، هو أن مشعل غامرٍ بالعلاقة مع سوريا وقطر وإيران، وكانت علاقته مع مصر مرتبكة، لكن الحية كان أكثر مرونة منه في قضية ملف غزة، وأقرب لمصر اللاعب الرئيسي الآن في ملف غزة.

ووفقا لمصادر إعلامية فإن خليل الحية لا تزال علاقته قوية مع طهران ودمشق وحزب الله، إذ كان على رأس الوفد الذي زار سوريا عام 2022 لإنهاء الخصومة التاريخية؛ وفي المقابل تشهد علاقة خالد مشعل بجناح إيران برودًا تاريخيًا منذ الموقف من الأزمة السورية عام 2011، واختياره كان سيعني صدامًا مع الممول العسكري الرئيسي للحركة.

 

دلالات الفوز 

لفوز الحية دلالات كثيرة أهمها أن انتخابه هو خطوة باتجاه مصر وهذا تحول غير مسبوق وسيكون له ما بعده، إذ إن هذا الفوز يسجل لصالح المسؤولين المصريين، الذين يديرون ملف المفاوضات والمعابر، واختياره يضمن استمرار تدفق خطوط الاتصال مع القاهرة دون تعقيدات سياسية. ووفق وسائل إعلامية كان مدير المخابرات المصرية أول من اتصل مهنأً إياه على منصبه.

ويمكن النظر إلى انتخاب الحية باعتباره رسالة موجهة إلى عدة أطراف في آن واحد، فهو رسالة إلى قواعد الحركة بأن القيادة الجديدة ستبقى وفية لنهج المقاومة، ورسالة إلى الاحتلال بأن الحرب لم تؤد إلى تفكيك البنية القيادية للحركة، ورسالة إلى الوسطاء الإقليميين بأن القرار السياسي بات أكثر ارتباطا بقيادة الداخل، وأن أي ترتيبات مستقبلية ستحتاج إلى التعامل مع هذه الحقيقة.

يقول الباحث مصطفى زهران، إن هناك جيلا جديداً سيصبح في موقع صناعة القرار داخل حركة حماس يتجاوز القيادة التقليدية القديمة كمشعل، وذلك له دلالة كبيرة. لكن الدلالة الأكبر هي أن الداخل الحمساوي سيكون على حساب البعد الإخواني العابر للحدود، وهو ما يعتبره مراقبون أنه إعادة تموضع داخل الحركة تجاه المحور الذي تقوده إيران، على حساب الدور التقليدي لشبكة العلاقات التي ارتبطت تاريخيا بقطر وتركيا، وهو ما يكتسب أهمية خلال الفترة المقبلة.

وفق يونس عموري فإن خليل الحية، يمثل مدرسة (الداخل المقاوم). وهي التي تنظر إلى المقاومة المسلحة باعتبارها الركيزة الأساسية للشرعية السياسية، وترى أن القرار السياسي يجب أن يكون امتدادا لمتطلبات الميدان لا بديلا عنه. وهي مدرسة أكثر التصاقا بالفضاء السياسي الذي تتحرك فيه جماعة الإخوان المسلمين وحركات الإسلام السياسي. أما مدرسة الداخل، فقد أصبحت بفعل الحرب أكثر ارتباطا بمفهوم المقاومة الفلسطينية ذاتها، وبالحاجة إلى تأمين أدوات الصمود والدعم العسكري والسياسي، وهو ما جعل علاقتها بالمحور الذي تقوده إيران أكثر أهمية من السابق، ولهذا فإن الفارق بين المدرستين ليس فارقا عقائديا، فكلاهما ينطلق من المرجعية الفكرية نفسها، وإنما هو اختلاف في ترتيب الأولويات وفي أدوات إدارة الصراع، ولذلك فإنه يعد من أكثر الشخصيات قربا من المؤسسة العسكرية داخل الحركة، وله قدرة كبيرة على ترجمة رؤيتها إلى مواقف سياسية. لقد كانت أولوية حماس مثل جماعة الإخوان، لها بعد إقليمي، والآن يمكن أن ينتقل ذلك إلى أولوية (المقاومة الفلسطينية) بوصفها مركز الثقل السياسي والعملي للحركة، وإعادة ترتيب العلاقة بين البعدين بحيث يصبح الوطني الفلسطيني هو المركز، بينما تتحول الروابط الإقليمية إلى أدوات مساندة لا إلى مصادر مستقلة لصناعة القرار.

وهناك دلالة مهمة أخرى بأن انتخاب الحية يعني أن حماس لا تريد الذهاب لتغيير كبير لا سيما في هذه المرحلة. وأن مجلس شورى الحركة يريد شخصية هادئة مرنة مطيعة جديدة لرئاسة المكتب السياسي.

 

حماس بدون تحولات جذرية

ويتوقع مراقبون أن تتركز مهام خليل الحية خلال الفترة القادمة في ثلاثة ملفات رئيسية، إدارة المفاوضات الشاقة واستكمال قيادة ملف مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، ومحاولة الوصول لصيغة تضمن انسحاب القوات الإسرائيلية مع الحفاظ على كينونة الحركة. وينتظر منه أيضا إدارة اليوم التالي للحرب عبر ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وإدارة ملف حكومة التوافق الوطني أو الإدارة المشتركة لقطاع غزة، بالتعاون مع حركة فتح والفصائل لضمان عدم عزل حماس سياسيًا، وتأمين الدعم المالي والعسكري مع الحفاظ على توازن شبكة تحالفات الحركة بين المحور الإيراني للدعم العسكري والمحور العربي مصر وقطر وتركيا للغطاء السياسي والإنساني وإعادة الإعمار.

على الصعيد الإقليمي، يقول أستاذ العلوم السياسية، طلال أبو ركبة في حديث إعلامي لقناة الغد العربي: إنه لا يتوقع حدوث تحول جذري في علاقات حركة حماس مع إيران أو ما يُعرف بمحور المقاومة، مشيرًا إلى أن الحركة تترقب مآلات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، لما سيكون لذلك من تأثير على مستقبل الحركة في نضالها الفلسطيني.

ويرى عضو منظمة الجهاد الإسلامي ثابت عمور أن الحية لن يضع البيض كله في سلة إيران ولن يفعل كما فعل مشعل ويخرج البيض كله من سلة إيران، لكنه سيحافظ على التوازنات في علاقات الحركة ولن يعيد سيناريو السنوار بالتفرد في صناعة واتخاذ القرار.

وهكذا ستحدد المرحلة المقبلة ما إذا كان خليل الحية سيأخذ حماس من الخارج والبعد الإخواني العابر للحدود إلى الداخل، ومن قرار السياسيين إلى العسكريين، وهل سيتمكن من فرض رؤيته الموالية لطهران كمسار دائم للحركة، أم أنّ ضغوط الدول الإقليمية ستفرض واقعاً جديداً يحد من هذه الاندفاعة، عبر ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، كما هل يستطيع إدارة ملف حكومة التوافق الوطني أو الإدارة المشتركة لقطاع غزة بالتعاون مع حركة فتح والفصائل لضمان عدم عزل الحركة سياسيًا، وتأمين الدعم المالي والعسكري مع الحفاظ على توازن شبكة تحالفاتها أم لا؟