تقديرات
دلالات إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن
10-Sep-2026
تُمثل إحالة الوكالة الدولية للطاقة الذرية الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي تصعيداً دبلوماسياً وسياسياً هو الأول من نوعه منذ نحو عشرين عاماً. ففي 9 سبتمبر 2026، أقر مجلس محافظي الوكالة قراراً تقدمت به الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بأغلبية 23 صوتاً، مقابل معارضة ثلاث دول هي روسيا والصين والنيجر، وامتناع ثماني دول عن التصويت. ويطلب القرار من المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، إحالة تقاريره وقرارات المجلس المتعلقة بعدم امتثال إيران لالتزاماتها إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
الرد الإيراني
المتحدث باسم
وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، وصف القرار بأنه "متناقض"
ويتجاهل الأسباب الحقيقية التي حالت دون وصول الوكالة إلى المنشآت النووية
الإيرانية. وقال بقائي، في تصريحات صحفية، إن القرار يطالب إيران بتنفيذ
التزاماتها المتعلقة بالضمانات، في حين يتغاضى عن حقيقة أن عدم تمكن الوكالة من
الوصول إلى المنشآت الإيرانية جاء نتيجة مباشرة للعدوان العسكري الذي شنته
الولايات المتحدة وإسرائيل على تلك المواقع، مضيفا أن الهجمات التي استهدفت
المنشآت النووية في نطنز وأصفهان وفوردو، إلى جانب الحرب الإسرائيلية في يونيو
2025، جعلت تنفيذ التزامات الضمانات متعذرا عمليا في ظل الظروف الأمنية القائمة.
أهمية القرار
لا تكمن أهمية القرار في آثاره العقابية المباشرة، إذ لا يفرض في حد
ذاته عقوبات جديدة، وإنما في نقله الأزمة من الإطار الفني والرقابي داخل الوكالة
إلى المجال السياسي والأمني الأوسع في الأمم المتحدة. وبهذا المعنى، لم يعد الخلاف
محصوراً في مستوى تخصيب اليورانيوم أو تشغيل أجهزة الطرد المركزي، بل أصبح مرتبطاً
بقدرة المجتمع الدولي على التحقق من طبيعة البرنامج النووي الإيراني ومصير المواد
النووية التي يفترض أن تخضع للرقابة.
وفق أسوشيتد
برس جاءت الإحالة نتيجة تراكم طويل من الخلافات، وليس
بسبب تطور واحد. فقد اتهمت الوكالة طهران بعدم تقديم تفسيرات فنية مقنعة بشأن آثار
يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير معلنة، وبمنع المفتشين من الوصول إلى منشآت
ومواد نووية، ولا سيما بعد الضربات التي استهدفت بعض المنشآت الإيرانية. وتقول
الوكالة إن غياب المعلومات بشأن المواد المعلنة سابقاً وعدم تمكين المفتشين من
التحقق منها يمثلان مصدر قلق يتعلق بالانتشار النووي. أما إيران، فتؤكد سلمية
برنامجها وتقول إن الحرب والأوضاع الأمنية الناجمة عنها تحول دون ضمان وصول المفتشين،
متهمة الدول الغربية بتسييس عمل الوكالة.
دلالات القرار
الدلالة السياسية الأولى للقرار تتمثل في انهيار الثقة بين إيران
والوكالة. فالرقابة النووية تعتمد، في جوهرها، على استمرار تدفق المعلومات وإمكان
الوصول المنتظم إلى المنشآت والمواد والأجهزة. وعندما تتوقف هذه العملية، تفقد
الوكالة تدريجياً قدرتها على إعادة بناء صورة دقيقة للبرنامج النووي. وقد حذر
غروسي في تقاريره من أن استمرار غياب التعاون يمنع الوكالة من تقديم ضمانات موثوقة
بشأن صحة واكتمال التصريحات الإيرانية وعدم تحويل المواد النووية إلى أنشطة غير
معلنة.
هنا يبرز تمييز ضروري بين امتلاك مواد عالية التخصيب وامتلاك سلاح
نووي مكتمل. فإيران، وفق التقارير المتداولة، تملك نحو 440 كيلوغراماً من
اليورانيوم المخصب حتى مستوى 60%، وليس 90%. وهذه النسبة أقل من مستوى التخصيب
المستخدم عادة في السلاح النووي، لكنها تجعل المسافة التقنية اللازمة للوصول إليه
أقصر بكثير. ومع ذلك، فإن إنتاج قنبلة يتطلب، إلى جانب رفع مستوى التخصيب، تحويل
المادة إلى شكل معدني وتصميم رأس نووي واختباره ودمجه في وسيلة إيصال. ولذلك لا
تثبت المخزونات وحدها وجود قرار إيراني بصنع السلاح، لكنها ترفع مستوى المخاطرة،
خصوصاً في ظل غياب الرقابة.
الدلالة الثانية هي تماسك الموقف الغربي. فتقديم القرار بصورة مشتركة
من واشنطن ولندن وباريس وبرلين يعكس تقارباً بين جانبي الأطلسي بشأن ضرورة رفع
كلفة عدم تعاون طهران. وقد عالجت كتابات صحفية القرار باعتباره محاولة غربية
لاستعادة أداة الضغط الدولي بعد تراجع فاعلية المسارات التفاوضية الثنائية. غير أن
امتناع ثماني دول عن التصويت يكشف، في المقابل، أن الإجماع الدولي ما زال منقوصاً،
وأن عدداً من الدول لا يريد منح المواجهة طابعاً استقطابياً كاملاً بين الغرب من
جهة وروسيا والصين من جهة أخرى.
أما الدلالة الثالثة وفق تغطية تحليل مركز CSIS فتتعلق بانتقال الملف من
سؤال «كم خصبت إيران؟» إلى سؤال أكثر خطورة هو: «أين توجد المواد والمنشآت وما
الذي يجري داخلها؟». وقد أظهر تحليل لصور الأقمار الاصطناعية أجراه مركز الدراسات
الاستراتيجية والدولية زيادة النشاط الإنشائي في منشأة «جبل المعول» المحصنة قرب
نطنز، بما في ذلك أعمال مرتبطة بالمداخل والطرق والأنفاق. ولا تثبت الصور أن
المنشأة تُستخدم للتخصيب، لكنها تعزز المخاوف من انتقال أجزاء حساسة من البرنامج
إلى مواقع أعمق وأصعب في المراقبة أو الاستهداف.
آفاق قانونية
قانونياً، تفتح الإحالة المجال أمام مجلس الأمن لمناقشة تدابير جديدة،
لكن وصفها بأنها تؤدي تلقائياً إلى إعادة العقوبات الأممية ليس دقيقاً. فأي عقوبات
جديدة تحتاج إلى قرار مستقل داخل المجلس، وهو ما قد يواجه فيتو روسياً أو صينياً.
ومن ثم، تبدو القيمة الفورية للإحالة سياسية ورمزية أكثر منها تنفيذية: زيادة عزلة
إيران، توفير غطاء قانوني للعقوبات الوطنية والغربية، وتحميل طهران مسؤولية تعطيل
الرقابة أمام الرأي العام الدولي.
ويذهب بعض الخبراء إلى أن هذا الانسداد قد يخلق مفارقة خطرة؛ فكلما
ارتفع الضغط على إيران، زاد احتمال تقليصها التعاون، وكلما تراجعت الرقابة، ارتفعت
تقديرات الخطر ودعوات الضغط أو التحرك العسكري. وهكذا قد تدخل الأزمة دائرة تصعيد
ذاتي لا يستطيع أي طرف التحكم في نهايتها. كما أن الضربات العسكرية ضد المنشآت
النووية قد تؤخر القدرات المادية، لكنها لا تمحو المعرفة العلمية، وقد تدفع طهران
إلى بناء منشآت أكثر تحصيناً وإخفاءً.
التعامل الإيراني المتوقع
من المتوقع أن يتدرج الرد الإيراني بين تقييد وصول المفتشين، واشتراط
ترتيبات رقابية خاصة تراعي ما تسميه طهران «ظروف الحرب»، وزيادة التخصيب أو تركيب
أجهزة أكثر تطوراً. أما الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فيظل
خياراً أشد خطورة وأعلى كلفة؛ لأنه سيُفسر دولياً باعتباره مؤشراً إلى احتمال
الانتقال نحو التسليح، وقد يمنح خصوم إيران مبرراً لتشديد الحصار أو تنفيذ عمل
عسكري جديد.
خلاصات
في المحصلة، لا تعني إحالة الملف أن مجلس الأمن قادر فوراً على فرض
تسوية، كما لا تثبت أن إيران اتخذت قراراً نهائياً بإنتاج قنبلة نووية. لكنها تؤكد
أن نموذج «الغموض مقابل الرقابة الجزئية» لم يعد قابلاً للاستمرار. فالخطر الحقيقي
لا يكمن فقط في كمية اليورانيوم الموجودة، وإنما في اتساع مساحة الجهل الدولي
بمكانه وحالته ومستقبل استخدامه.
وتبقى أمام الأطراف نافذة دبلوماسية ضيقة تقوم على معادلة متبادلة:
عودة المفتشين، وجرد المواد عالية التخصيب، والوصول إلى المواقع موضع الشبهات،
مقابل ضمانات أمنية وتخفيف تدريجي ومدروس للعقوبات. أما إذا تحولت الإحالة إلى
مجرد محطة في سياسة الضغط والعقاب، وردت إيران بمزيد من الإخفاء والتخصيب، فإن
الملف قد ينتقل من أزمة امتثال ورقابة إلى أزمة انتشار نووي مفتوحة، تكون
تداعياتها أوسع بكثير من حدود إيران.