تقديرات
حزب الله: تشدد تفاوضي في ظل تصاعد المواجهة
03-Jun-2026
أعاد حزب الله التأكيد على موقفه الرافض لأي اتفاق جزئي أو مرحلي لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، مشترطًا أن يتضمن أي تفاهم وقفًا كاملاً وشاملاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية دون استثناءات أو ترتيبات مؤقتة. ويعكس هذا الموقف تمسك الحزب بمعادلة سياسية وأمنية يعتبرها ضرورية للحفاظ على ما يصفه بتوازن الردع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية الرامية إلى احتواء التصعيد على الجبهة اللبنانية الجنوبية.
ويأتي هذا التشدد في سياق ميداني معقد، حيث تتواصل
عمليات القصف المتبادل بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، وسط مخاوف من انزلاق
المنطقة إلى مواجهة أوسع. كما أن رفض الحزب للحلول الجزئية يعكس قناعته بأن أي
ترتيبات مؤقتة قد تمنح إسرائيل فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها العسكرية دون معالجة
الأسباب الأساسية للتوتر.
تناقض حيال ملف التفاوض
تقول كارولين عاكوم في مقال بصحيفة الشرق الأوسط إن
«حزب الله» في موقع متناقض حيال ملف التفاوض المرتبط بالحرب على لبنان. فالحزب
الذي يرفض بشدة أي مفاوضات مباشرة تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ويعدّها
مساراً يقود إلى التنازلات، لا يبدي الموقف نفسه تجاه التفاهمات الإيرانية -
الأميركية التي تقول طهران إنها تشمل لبنان، بل يذهب إلى اعتبارها مدخلاً أساسياً
لوقف الحرب. هذا التباين يطرح تساؤلات سياسية حول خلفية موقف الحزب، وما إذا كان
اعتراضه يرتبط بطبيعة التفاوض نفسه، أم بالجهة التي تتولى التفاوض، وبالنتائج
المحتملة على سلاحه ودوره داخل لبنان.
وفي قراءته لموقف «حزب الله»، يرى رئيس قسم الدراسات
الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية - الأميركية، الدكتور عماد سلامة، أن «حزب
الله» يرفض المفاوضات المباشرة؛ لأنَّه يدرك أنَّ أي مسار تفاوضي تقوده الدولة
اللبنانية، وبدعم عربي ودولي، سيفرض تدريجياً إخراج ملف المواجهة مع إسرائيل من
التداول لمصلحة دعم مؤسسات الدولة وبياناتها الوزارية، بما يتضمَّن ترتيبات أمنية،
وضبط الحدود، وحصرية السلاح بيد الدولة، وحصر قرار السلم والحرب بالمؤسسات الرسمية.
التحركات الأمريكية ومحاولات احتواء الأزمة
تزامن موقف حزب الله مع تحركات دبلوماسية أمريكية نشطة
هدفت إلى منع توسع المواجهة. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراء اتصالات
مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب تواصل غير مباشر مع حزب
الله عبر وسطاء، مشيرًا إلى التوصل إلى تفاهمات لوقف الهجمات المتبادلة.
ورغم هذه التصريحات، أظهرت الوقائع الميدانية استمرار
التناقض بين المسار الدبلوماسي والخيارات العسكرية الإسرائيلية. فقبل إعلان ترامب
بساعات، كانت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية قد أصدرت تعليمات بتوسيع
نطاق العمليات وقصف أهداف في بيروت، ما يعكس استمرار الرهان الإسرائيلي على الضغط
العسكري لتحسين شروط التفاوض.
ويكشف هذا التباين عن صعوبة التوصل إلى اتفاق دائم في
ظل غياب الثقة بين الأطراف، فضلاً عن وجود تباينات داخلية في إسرائيل بشأن حدود
التصعيد وأهدافه النهائية.
القرار 1701 وحدود فعاليته
رغم استمرار العمل النظري بوقف إطلاق النار المرتبط
بالقرار الدولي 1701، فإن التطورات الميدانية أظهرت محدودية قدرة هذا القرار على
منع التصعيد. فقد واصلت إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية وتجاوز الحدود التي كانت
قد حددتها سابقًا كمنطقة عازلة، فيما استمرت الاشتباكات عبر الحدود بوتيرة متفاوتة.
وتؤكد هذه التطورات أن البيئة الأمنية التي نشأت بعد
حرب عام 2006 تغيرت بصورة كبيرة، وأن آليات الردع والرقابة المنبثقة عن القرار
الدولي لم تعد كافية لضبط المشهد الأمني في جنوب لبنان. كما أن تعدد الفاعلين
الإقليميين والدوليين في الأزمة الحالية يزيد من تعقيد فرص العودة إلى ترتيبات
الاستقرار السابقة.
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية والعقبة الأساسية
في موازاة التطورات العسكرية، تستضيف واشنطن جولات
متتالية من المحادثات بين دبلوماسيين لبنانيين وإسرائيليين. وتتبنى الإدارة
الأمريكية خطابًا يحمّل حزب الله المسؤولية الأساسية عن تعثر التوصل إلى تفاهمات
أوسع بين الطرفين.
وقد عبّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن هذا
التوجه عندما اعتبر أن التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل يمكن أن يتم
بسرعة في حال غياب حزب الله عن المشهد. ويعكس هذا الموقف رؤية أمريكية تعتبر أن
مستقبل العلاقات اللبنانية الإسرائيلية مرتبط بشكل مباشر بمصير الدور العسكري
والسياسي للحزب.
في المقابل، يرفض حزب الله هذه المقاربة، ويرى أن دوره
مرتبط بمواجهة التهديدات الإسرائيلية وبحماية لبنان من أي اعتداءات محتملة، وهو ما
يجعل الخلاف يتجاوز مسألة الترتيبات الحدودية إلى خلاف أعمق حول طبيعة النظام
الأمني اللبناني ومستقبل التوازنات الداخلية.
تحولات داخلية تضيق هامش حركة الحزب
شهدت الساحة اللبنانية بعد حرب 2024 تغيرات سياسية
مهمة أثرت في موقع حزب الله داخل الدولة. فقد تشكلت حكومة جديدة تبنت سياسة تقوم
على حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، الأمر الذي مثّل تحديًا مباشرًا للرؤية التي
يتبناها الحزب بشأن شرعية سلاحه ودوره العسكري.
كما ازدادت الضغوط الدولية والعربية المطالبة بتفكيك
البنية العسكرية للحزب أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة. وبدأت السلطات اللبنانية
باتخاذ إجراءات ميدانية لمصادرة بعض الأسلحة في الجنوب، في مؤشر على تنامي الرغبة
الرسمية في استعادة السيطرة الأمنية الكاملة على الأراضي اللبنانية.
ورغم ذلك، لا يزال الحزب يحتفظ بقاعدة شعبية وتنظيمية
واسعة، إضافة إلى قدرات عسكرية تجعله أحد أبرز الفاعلين غير الحكوميين في المنطقة،
وهو ما يجعل أي محاولة لنزع سلاحه بشكل مباشر محفوفة بمخاطر كبيرة على الاستقرار
الداخلي.
هواجس الحرب الأهلية وذاكرة عام 2008
يرفض حزب الله فكرة التخلي الكامل عن سلاحه، معتبرًا
أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى اختلال خطير في التوازنات الداخلية وربما تفتح
الباب أمام صدامات أهلية. ويستحضر هذا الخطاب أحداث عام 2008 عندما سيطر مقاتلو
الحزب على أجزاء من بيروت إثر خلاف مع الحكومة اللبنانية حول شبكة اتصالاته الخاصة.
وتبقى هذه الذكريات حاضرة بقوة في الوعي السياسي
اللبناني، إذ يخشى كثير من الأطراف أن يؤدي أي صدام مباشر بين الدولة والحزب إلى
إعادة إنتاج مشاهد الانقسام الداخلي. لذلك تبدو السلطات اللبنانية حريصة على إدارة
الملف عبر الضغوط السياسية والتفاوضية أكثر من اللجوء إلى خيارات المواجهة
المباشرة.
كما أن الحظر الرسمي للأنشطة العسكرية للحزب بعد
اندلاع حرب 2026 لم يترجم عمليًا إلى قدرة فعلية على وقف العمليات العسكرية، ما
يؤكد استمرار الفجوة بين القرار السياسي للدولة وبين موازين القوى الفعلية على
الأرض.
تقدير موقف أول
تشير المعطيات الحالية إلى أن حزب الله يتجه نحو
التشدد في أي مفاوضات مقبلة، مستندًا إلى قناعة بأن الضغوط العسكرية والسياسية
تهدف بالدرجة الأولى إلى تقليص دوره الاستراتيجي داخل لبنان والمنطقة. لذلك من
المرجح أن يواصل رفض أي تسويات جزئية لا تتضمن ضمانات واضحة بوقف العمليات
الإسرائيلية بشكل كامل.
تقدير موقف ثانٍ
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر
إصرارًا على ربط أي ترتيبات طويلة الأمد بمستقبل سلاح حزب الله ودوره العسكري. ومن
المتوقع أن تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية على الحكومة
اللبنانية لدفعها نحو خطوات أكثر وضوحًا في هذا الاتجاه، الأمر الذي قد يفاقم
الانقسامات الداخلية اللبنانية.
تقدير موقف ثالث
على المدى المنظور، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو
استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"، حيث تستمر التهدئة الهشة بالتوازي مع
بقاء عوامل التصعيد قائمة. فغياب توافق داخلي لبناني حول مستقبل سلاح حزب الله،
إلى جانب استمرار التوتر الإقليمي والدور الإيراني في المعادلة، يجعل الوصول إلى
تسوية نهائية ومستدامة أمرًا صعب التحقيق في المستقبل القريب.